انتقل الدكتور عبد العظيم المطعني من دار الفناء إلى دار البقاء منذ أيام قليلة، وأحسبه- ولا أزكِّي على الله أحدًا- أنه من عباد الله المخلصين والعلماء العاملين، وأنه قد استعد للقاء ربه عز وجل بما أمر به سبحانه.

 

فعلى المستوى الشخصي كان إنسانًا متواضعًا إلى حدٍّ كبير، وأذكر أنني كنت ذات مرة في زيارةٍ له في منزله بحي الظاهر فوجدت من جلسائه بعض المهنيين والحرفيين من أبناء الحي؛ ارتفع بهم بعلمه الذي يذكره لهم إلى مصافِّ العلماء.

 

وعلى المستوى الاجتماعي كان يرأس جمعية خيرية بحي الظاهر؛ يقدِّم المعونات للمحتاجين، وبه مسجد يتولاه.

 

وعلى المستوى العلمي يمكن القول إنه كان يقضي جُلَّ وقته في العلم ما بين التدريس في الجامعة وما بين التأليف للكتب يمثل علمًا ينتفع به، وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، وبالمناسبة فإن أولاده- حفظهم الله- من الصالحين النافعين في المجتمع.

 

ولقد شَرُفت بمصاحبة فضيلة الأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعني رحمه الله لمدة خمس سنوات بمكة المكرمة؛ حيث كنت جاره في السكن، وكنت كل ليلة أسهر معه أغلب الليالي في منزله؛ حيث كان برنامجه بعد العودة من الجامعة: الذهاب إلى الحرم المكي الشريف في صلاة المغرب والعشاء، ثم العودة إلى المنزل ليعيش مع العلم والتأليف حتى صلاة الفجر.

 

ومن غزارة علمه وسلامة منطقه وحسن تعبيراته أنه كان يستخدم القلم الرصاص؛ حيث يُعِدُّ عشرة أقلام ويحضِّر الورق ويضعه أمامه ويبدأ في الكتابة دون مطالعة كتاب أو مشاورة أحد مثل علماء السلف الأفذاذ، وشواهده من القرآن محفورة في صدره، ومن الحديث الشريف محفورة في ذاكرته، بل حتى أقوال العلماء كانت في ذاكرته؛ لا يخطئ فيها أبدًا.

 

وهو عالم قرآني؛ حيث كانت رسالته في الدكتوراه في القرآن الكريم، وله سلسلة مقالات رائعة حول إعجاز الرسم القرآني في الكتاب، كما أن أغلب كتبه كانت دفاعًا عن الإسلام ورد شبهات المستشرقين وأعداء الإسلام، بل إنه كتب في الإعجاز العلمي في القرآن كتابًا رائعًا، وله موقف مشهود في مكة المكرمة؛ ففي يوم وصوله إلى المملكة السعودية للتدريس فيها ذهب إلى الحرم المكي للصلاة، فوقعت أحداث الاعتداء على المصلين في الحرم من المدعو الجهني ورفاقه بالسلاح، واضطر إلى الاختباء في الحرم لمدة ثلاثة أيام؛ ألَّف خلالها كتابًا رائعًا سمَّاه "دماء على أستار الكعبة"؛ وصف فيها وقائع الاعتداء والحكم الشرعي عليه.

 

إن الذكريات مع المرحوم فضيلة الأستاذ عبد العظمي المطعني كثيرة وشائقة؛ كلها علم ونفع للآخرين، ندعو الله عز وجل له بالرحمة والغفران، ولأهله ومحبيه بالصبر.

---------

* أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر الشريف ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر