لم يكن المهندس إبراهيم شكري مجرد مناضل سياسي أو أحد أبرز زعماء المعارضة في مصر لفترة طويلة من الزمن، وإنما كان مدرسةً حقيقيةً في حب هذا الوطن، كان يعرف جيدًا رحمه الله ما تحتاجه مصر وما الذي يضمن أمنها. عرفته عن قرب لسنوات عديدة، عندما كنت محررًا لشئون الأحزاب، كما عملت معه في حزب (العمل) لفترة طويلة قبل تجميده، وكان مثالاً للأب الحنون والصديق الوفي والمناضل الشرس، لا يتخلَّف عن دعوة وجَّهها له أحد لحضور مؤتمر جماهيري أو حفل اجتماعي في أقصى الصعيد أو في نجع من النجوع أو قرية من قرى الوجه البحري، يحافظ على مشاركة الناس همومهم، وعندما كان زعيمًا للمعارضة لم يغلق باب مكتبه أمام أحد، ولم يرفض في أي وقت من الأوقات أن يرد على هاتف منزله ليجيب عن أسئلة صحفي حتى ولو كان مبتدئًا. هو بالفعل حياة حافلة بالنضال والكفاح من أجل وطن أحبه وعشق ترابه، كان رحمه الله قوي الذاكرة، لا ينسى اسم أحد تقابل معه، وأذكر أنه عام 1996م وهو يمر على أسر معتقلي الحزب في التبين وحلوان يهنئ من أطلق سراحه، ويشدّ على يد أهل من لا يزال رهن الاعتقال، وعندما تعب مرافقوه في هذه الجولة طلبوا منه أن يستريح هو الآخر فقد تجاوز السبعين والجو شتاء والأرض من المطر أصبحت "بركةً" من الطين، فقال لهم وهو يبتسم: هؤلاء الناس لهم حق علينا يجب أن نؤديه. عندما تقرأ صفحات حياته تجد مواقف عجيبة لا تحدث إلا في الأفلام والمسلسلات؛ ففي عام 1935م وعندما كان طالبًا في الجامعة تقدَّم مظاهرات الطلاب المشهورة على كوبري عباس، وأطلقت عليه قوات الاحتلال الإنجليزي النار ليحسبه أصدقاؤه قد استُشهد إلا أنه كان ما زال على قيد الحياة ليطلقوا عليه الشهيد الحي. وكما تصدَّى رحمه الله للاحتلال الإنجليزي، تصدى أيضًا للفساد الذي انتشر في ربوع مصر قبل وبعد الثورة؛ فعندما طلبت الحكومة من مجلس النواب قبل الثورة موافقة المجلس على صرف 5 آلاف جنيه للملك فاروق بمناسبة زواجه؛ فإذا بالرجل وقد كان نائبًا عن الأمة وقتها يقول "لا"، وبالفعل يجبر مجلس النواب على رفض القرار، كما كان أول من تقدم بمشروع تحديد الملكية، وهو من الأثرياء، لصالح المزارعين. وبعد الثورة مواقفه مشهودة، وأبرزها عندما تقدم باستقالته من وزارة ممدوح سالم عام 1978م رفضًا لزيارة الرئيس السادات لتل أبيب، وتحوَّل من رجل دولة إلى معارض شرس لمعاهدة كامب ديفيد، وفي منتصف التسعينيات عندما توترت العلاقات المصرية السودانية، وزادت الضغوط الأمريكية على البلد الشقيق، كان في الصورة هذا المناضل الذي سخَّر كل طاقاته للدفاع عن السودان، وكانت له قولته المشهورة "الدفاع عن السودان.. دفاع عن مصر وأمنها"، كما كان من أول الذين وطئت أقدامهم بغداد لدعم صمود الشعب العراقي ورفع الحصار عنه، وسخَّر حزب العمل وجريدته (الشعب) للدفاع عن هذه القضية. ضرب إبراهيم شكري مثالاً حقيقيًّا للمعارض من أجل وطنه، وأتذكَّر له كلماته الرنانة في المؤتمرات الجماهيرية التي كانت تنظمها لجنة التنسيق بين الأحزاب والنقابات المهنية.. كلماته التي لخَّصت مشكلة مصر والوطن العربي وهي: "إياكم والهيمنة الأمريكية.. لا للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة". إنه إبراهيم شكري الذي كان يبدأ حديثه في أي مؤتمر مردِّدًا: "الله أكبر.. الله أكبر.. يحيا الشعب.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.. الله أكبر الله أكبر تحيا مصر"، ثم يختتم أي مؤتمر بدعوة الحضور للوقوف صفًّا واحدًا، متشابكي الأيدي ليردِّدوا جميعًا النشيد الوطني: "بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي". ------- * مدير تحرير (إخوان أون لاين)