منذ أسبوعٍ تقريبًا.. في مطار بن جوريون في الكيان الصهيوني، وأثناء مراسم توديع رئيس فرنسا "ساركوزي" بعد انتهاء زيارته الكيان الصهيوني، سمعت طلقات نار كثيفة، فأحدث ذلك رعبًا وارتباكًا أثناء مراسم التوديع، وجرى الجميع في هلعٍ وذعر، ثم تبيَّن أن أحد الجنود في المطار، وعلى بُعد أقل من 200 متر من الطائرة أطلق هذا الجندي النار على نفسه فسقط قتيلاً، وسرعان ما تبيَّن أن هذا الجندي المنتحر "درزي المذهب".

 

ومن المعلوم أن عددًا كبيرًا من طائفة الدروز يقيمون على أرض فلسطين في الأراضي الواقعة تحت إدارة الكيان الصهيوني، وينخرط شبابهم في خدمة جيش الكيان الصهيوني، بل ويُسِّجل عليهم أنهم أشد غلظةً وقسوةً على الفلسطينيين.

 

ونذكر جميعًا أن الجاسوس عزام عزام الذي كان يتجسس في مصر لحساب "إسرائيل"، وظل في السجن هنا عدة سنوات إلى أن تم العفو عنه، كان من هؤلاء الدروز الذين يحذِّرون الكيان الصهيوني بكل تفانٍ وكل إخلاص، وكان أول شيء فعله عند خروجه من المطار أن توجَّه إلى "شارون" رئيس الوزراء ليؤديَ له واجب الشكر والعرفان على ما بذله من جهدٍ في الضغط على السلطات المصرية للإفراج عنه قبل انقضاء مدة العقوبة المقرَّرة عليه.

 

ثم إننا نسمع كثيرًا عن طائفة الدروز التي تعيش في لبنان والدور الذي تلعبه هذه الطائفة بزعامة "وليد جنبلاط" رئيس الحزب الاشتراكي التقدمي.. نقول: هذه الطائفة لها دور بارز في المعادلة الطائفية في لبنان وزعيمها يشار إليه حاليًّا بالبنان في هذه المعادلة، ومحسوب على مجموعة "الموالاة" هناك ضد "المعارضة".

 

فماذا نعرف عن الدروز وأفكارهم؟

- أصل الدروز فرقة سرية من فرق الباطنية، يتظاهرون بالإسلام ويلبسون أحيانًا لباس التدين والزهد والورع، ويُظهرون الغيرة الكاذبة ويتلونون ألوانًا عدة من الرفض والتصوف وحب آل البيت، ويزعمون أنهم حمَلة لواء الإصلاح بين الناس، وجمع شملهم ليلبسوا على الناس دينهم ويخدعوهم فيه، حتى إذا سنحت لهم الفرصة وقويت شوكتهم ووجدوا بين الحكام من يواليهم وينصرهم، ظهروا على حقيقتهم وأعلنوا عقائدهم وكشفوا عن مقاصدهم وكانوا دعاة شر وفساد ومعاول هدم للديانات والعقائد والأخلاق.

- وتاريخ الدروز يخبرنا أن سيرتهم تمتد إلى عبد الله بن سبأ اليهودي واضع أصولهم وباذر بذرتهم الباطنية الخبيثة.

- وهم ينسَبون إلى "الدرزي"، وهو عبد الله محمد ابن إسماعيل الدرزي، ويقال إنه هو نشتكين أو هشتكين الدرزي، وهذا الرجل كان من الفرقة الإسماعيلية الباطنية، ثم تركها واتصل بالحاكم العبيدي نسبةً إلى الفاطميين الذين كانوا يحكمون مصر وقتذاك، ووافق الحاكم على دعواه الإلهية، ودعا الناس إلى عبادته وتوحيده، وادعى أن الإله حلَّ في علي بن أبى طالب، وأن روح علي انتقلت إلى أولاده واحدًا بعد واحد حتى انتقلت إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي.. انظر إلى هذا الانحراف الخطير في العقيدة.

- ولما لم تنجح هذه الدعوة في مصر وطاردهم أهلها؛ حيث أبى أهل مصر أن ينساقوا وراء دعوى تأليه الحاكم هذا؛ فرَّ هذا الدعيّ إلى الشام، وتبعه بعض مَن استجاب له، واستقرَّ أكثرهم في المناطق التي سُميت فيما بعد (جبل الدروز) في سوريا، وما زال هذا موطنهم حتى الآن.

 

عقائدهم

- يقولون بالحلول: فهم يعتقدون أن الله حلَّ في علي- رضي الله عنه- ثم حل في أولاده من بعده، حتى حلَّ في الحاكم العبيدي، ويؤمنون برجعة الحاكم وأنه يغيب ويظهر.

- التقية: أي النفاق والتستر؛ فهم لا يبيِّنون حقيقة مذهبهم إلا لمَن كان منهم، بل لا يفشون سرهم إلا لمَن أمنوه ووثقوا فيه من جماعتهم.

- عصمة أئمتهم: فهم يرون أن أئمتهم معصومون من الخطأ والذنوب، بل عبدوهم وألهوهم من دون الله كما فعلوا ذلك بالحاكم كما قدمنا.

- وهم يدعون إلى الباطن، ويزعمون أن لنصوص الشريعة معانيَ باطنية هي المقصود منها دون ظواهرها.

- وقد أنكروا ما لله من صفات الكمال، وأنكروا اليوم الآخِر وما فيه من حسابٍ وجزاء, واستعاضوا عن ذلك بما يُسمى التقمص أو تناسخ الأرواح، وهو انتقال روح الإنسان أو الحيوان عند موته إلى بدن إنسان أو حيوان آخر عند بدء خلقه لتعيش فيه منعمة أو مُعذبة، وقالوا: "دهر دائم، وعالم قائم، وأرحام تدفع، وأرض تبلع"، وأنكروا الملائكة ورسالة الرسل، واتبعوا المتفلسفة المشائين أتباع أرسطو في مبادئه ونظرياته.

- وقد حرَّفوا نصوص التكليف من الأوامر والنواهي مثل ما فعلوا مع الصلاة والصيام والحج، واستحلوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واستحلوا نكاح البنات والأمهات؛ ولذا قال فيهم أبو حامد الغزالي وغيره: "ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض".

- النفاق على الدعوة والمخادعة فيها: فهم يُظهرون التشيع وحب آل البيت لمَن يدعونه، ويظلون معه خطوةً خطوةً إلى إظهار معايب الصحابة والطعن على الأنبياء، ثم يسلكون بهم سبيل الضلال.

- لذلك كان طبيعيًّا أن يُصدر الشيخ ابن تيمية حكمه أو فتواه: أن هؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين؛ لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام؛ ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرَّم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد".

 

الجذور الفكرية والعقائدية

- معلوم أنهم تأثروا بالباطنية عمومًا وخصوصًا، وأتباع فيثاغورس، واعتبروهم أسيادهم الروحانيين، كما أخذوا جل معتقداتهم عن الطائفة الإسماعيلية، وتأثروا بالدهريين في قولهم بالحياة الأبدية (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثـية: 24)، (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (الأنعام: 29).

- هذا، وقد تأثروا بالبوذية في كثيرٍ من الأفكار والمعتقدات، كما تأثروا ببعض فلسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى.

- ولا يفوتنا أن نذكر أن للدروز مصحفًا يسمونه "المتفرد بذاته"؛ كُتب حديثًا، ويُعتَقد أن كاتبه هو الأستاذ كمال جنبلاط الزعيم اللبناني المعروف، والذي اغتيل في عام 1977م، وهو والد الزعيم "وليد جنبلاط" بحسب ما ألمح بذلك الأستاذ محمد أحمد الخطيب في كتابه عن "عقيدة الدروز" ص 181، ويقال إنه تعاون في وضع هذا المصحف مع عاطف العجمى، ويخط الشيخ عبد الخالق "أبو صالح" (المصدر نفسه)، ويتألف هذا المصحف من أربعة وأربعين عرفًا يحاكي فيه كاتبُه القرآنَ الكريم بترديد ما في رسائل الدروز، وحاول أن يقلد أسلوب القرآن الكريم في أكثر أعرافه، وكذلك أخذ من آيات القرآن الكريم ما يناسب بغيته ومرماه، وخاصةً آيات النعيم والعذاب؛ حيث جعلها خاصة بمن يعبد الإله المعبود عندهم (الحاكم بأمر الله) فمن عبده فله النعيم، ومن كفر به حق عليه العذاب، ولا يزال هذا المصحف يُتداول بين الدروز بشكل سري؛ ولذلك لا يعرف بينهم إلا بشكل محدود جدًّا، ولا يُستَغرب أن ينكروا وجوده.

- ويحتفظ الدروز بتفاصيل عقائدهم سرية لا يبيحون بها، متبعين منهج التقية المعروف عند الشيعة، ويؤمنون بأن الأديان التوحيدية من مسيحية ويهودية وإسلام جميعها مشابهة.

 

وشعار الدروز نجمة خماسية ملونة ترمز ألوانها إلى المبادئ الكونية الخمسة: العقل (الأخضر)، الروح (الأحمر)، الكلمة (الأصفر)، القديم (الأزرق)، الحلول أو التقمص (الأبيض).. هذه المثل عندهم تمثل الأرواح الخمسة التي تتقمص شكلاً مستمرًّا في الكون في أشخاص الأنبياء والرسول والفلاسفة، بمَن فيهم آدم وحواء، وفيثاغورس وإخناتون.

- وبعد.. فهذه هي الدرزية من حيث مصادر فكرها وعقيدتها وتوجهاتها الباطنية، ومروقها عن عقيدة الإسلام الصحيحة، وانحرافاتها الواضحة عن منهج أهل السنة والجماعة ووسطية الإسلام الذي أكرمنا الله بالهداية إليه، والعمل لنصرته، والمحافظة على هذه العقيدة واضحة سليمة؛ لا غبشَ فيها ولا زيغ، ولا التباس معها ولا انحراف (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)، والحمد لله رب العالمين.