عُقد بالعاصمة البريطانية لندن في الفترة من 30 يونيو إلى 2 يوليو الجاري المؤتمر السنوي الأول لمنتدى الوحدة الإسلامية، والذي كان في أولويات جدول أعماله آليات التقارب، والتفاهم بين السنة والشيعة، وقد حضر المؤتمر العديد من العلماء والمفكِّرين وقيادات الحركة الإسلامية من الجانبين السني والشيعي من مختلف الأقطار الإسلامية، وخاصةً من العراق ولبنان والبحرين، وقد شارك في فعاليات المؤتمر د. محمد البلتاجي الأمين العام للكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين وفيما يلي نص كلمته التي ألقاها:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله:

أنقل إليكم أولاً تحيات فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين أ. محمد مهدي عاكف وإخوانه ودعواتهم لمؤتمركم هذا أن يوفقه الله لتحقيق نجاح يشق طريقه في واقع الأمة المسلمة.

 

وقضية مؤتمركم (الوحدة الإسلامية) كانت وما زالت محورًا رئيسيًّا في دعوة الإخوان المسلمين؛ تأكيدًا على أهمية قوة الوحدة بعد قوة العقيدة، إلى جانب أسباب القوة جميعًا التي كلَّفنا الله بأخذها وإعدادها؛ وصولاً بها إلى عودة هذه الأمة لعزها ومجدها ومكانتها التي أرادها الله لها.

 

المتأمل في آيات آل عمران التي حددت مكانة الأمة، بعد أن حدَّدت وظائفها الأساسية وتكاليفها الأولية، يجدها قد أكدت على أهمية ومكانة عمود الوحدة في هذا البنيان، وحذَّرت من التفرق والتشتت.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)) (آل عمران).. (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران: من الآية 103).. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)) (آل عمران).. (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)) (آل عمران).. (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية 110).

 

وفي الوقت الذي آمن فيه الإخوان المسلمون بضرورة السعي الحثيث لتوحيد الأمة بكل صور الوحدة وصولاً للقيادة الراشدة للبشرية ولأستاذية العالم بموجب الشهادة التي كلَّفنا الله بها (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: من الآية 143)، كانت أهم خصائص دعوة الإخوان المسلمين (البعد عن مواطن الخلاف)؛ لأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في فروع الدين أمرٌ ضروريٌّ لا بد منه؛ إذ إن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها العقول والأفهام، ولهذا كان الخلاف واقعًا بين الصحابة أنفسهم وسيظل الخلاف إلى يوم القيامة، وما أحكم مالك رضي الله عنه حين قال لأبي جعفر، وقد أراد أن يحمل الناس على الموطأ "إن أصحاب رسول الله تفرَّقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة".

 

ويرى الإخوان أنه بحسب الناس أن يجتمعوا على ما يصير به المسلم مسلمًا، كما قال زيد رضي الله عنه، ويرون أن الخلاف في الرأي لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا ينبغي أن يؤدي إلى خصومة وبغضاء، فلكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة.

 

هذه أقوال الأستاذ البنا، ورأيت فيها تطابقًا مع مقال قرأته لسماحة الشيخ محمد حسين فضل الله يقول فيه:

منذ أكثر من 1300 عام لم يستطع السنة إقناع الشيعة بالخلافة ولا الشيعة أقنعوا السنة بالإمامة، لكننا متفقون جميعًا على وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، فلماذا نركِّز على نقاط الخلاف؟ إذا كانت الذهنية علمية فليجلس العلماء فقط مع بعضهم البعض، والله أعطانا المنهاج (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103)، وحبل الله هو القرآن أو الإسلام.. هل غيرتنا على ولاية علي عليه السلام أكثر من غيرة علي نفسه عليه السلام؟!

 

الإخوة الكرام..

يجمعنا جميعًا الإيمانُ بالله ربًّا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً.. يجمعنا جميعًا التزامُنا جميعًا بالأحكام العملية الواحدة: الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج.. يجمعنا جميعًا التسليم بكل ما جاء من عند الله، فلا يخالف سنيٌّ ولا شيعيٌّ في أن ما جاء بين الدفتين من الفاتحة إلى سورة الناس هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا كله فضلاً عن وحدة العقيدة ووحدة الشريعة ووحدة الحضارة ووحدة الأمة ووحدة دار الإسلام، ألا يكفينا؟!

 

كما أن معركتنا الواحدة مع الاستكبار العالمي، والاستبداد الداخلي، والعلمانية الجاحدة لربها؛ تفرض علينا إعادة ترتيب أولوياتنا، لتكون الأولوية للصراع ضد هؤلاء.. ضد الذين يؤازرون ويتعاونون أو يهيئون الطريق للاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي والثقافي لنهب خيراتنا ولطمس هويتنا، ولو كانوا من بني جلدتنا وأبناء طائفتنا ومذهبنا السني أو الشيعي، وضد الذين يستبقون حالة الاستبداد السياسي، وما يصاحبه من استئثار واحتكار لخيرات الأمة، بعيدًا عن العدالة والحرية التي جاء بها الإسلام، وضد الذين ينشرون الفساد الأخلاقي ويتبنَّون التقليد الأعمى للغرب، ويسعون لإزاحة الدين عن مواقع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها.

 

نريد أن تكون الصحوة الإسلامية روحًا جديدًا؛ يسري في هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونورًا يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوتًا داويًا مردِّدًا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وحسبنا شرفًا أن نقوم بهذه الرسالة؛ نحمل لواءها ونرفعه وننشرها كما نشرها الأولون.

 

الإخوة الكرام..

نريد الفرز في أمتنا على أساس الموقف من أعداء ديننا وأمتنا:

1- الموقف من الاستكبار العالمي ومشروع الهيمنة الأمريكية والصهيونية على مقدرات الأمة.

2- الموقف من استبداد الحكومات ومصادرة الحريات ومنع الحقوق والعدالة التي كفلتها شريعة الإسلام.

3- الموقف من تهميش دور الدين في الحياة العامة وإزاحة شريعة الله عن منظومات الحياة وقصر الدين على العلاقة الخاصة بين العبد وربه.

 

وحين يحدث هذا الفرز:

* سندرك أن في صفوف كلتا الطائفتين من هم أعداء الأمة؛ سواء من أعوان الاستعمار (الذي يحاول المرابطة على أرض الأمة فيسعى لتحريك قضايا تُنسي الأمة العدوَّ الحقيقيَّ وتجرّها إلى أعداء وهميين) أو من أصحاب المصالح المتنفِّذين.

 

* سندرك أنه في كثير من المعارك تتغلب رابطة الشعوبية ورابطة القومية ورابطة العصبية وروابط توظيفية لأجندة المتنفذين على رابطة العقيدة.. وربنا يحذرنا: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)) (المائدة).. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (23)) (التوبة).. (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) (التوبة).

 

كما أدركنا جميعًا أن القتال العراقي الإيراني الذي استمر عشر سنوات لم يكن سنيًّا شيعيًّا، وأنه ألبس هذا الثوب ظلمًا وعدوانًا وأثبتت الأيام دور أعداء الأمة في تأجيجه وضمان استمراره.

 

* حدث هذا الفرز حين استطاعت المقاومة الإسلامية في لبنان بقيادة حزب الله الشيعي أن تُخرج الصهاينة، وأن تحقق انتصارها المجيد في يوليو 2006م، ولم تنقسم الأمة يومها إلى سنة وشيعة، ولكن تمايزت بين حكَّام يدورون في فلك المشروع الأمريكي الصهيوني فاعتبروها مغامرةً غير محسوبة لأنهم آيسون من أنفسهم وأمتهم.. وشعوب كلها وقفت إلى جانب المقاومة التي تمثَّلت في حزب الله والسيد حسن نصر الله.

 

سيحدث الفرز في موقف الشعوب والحكام من الحرب الأمريكية على إيران ومن الملف النووي الإيراني.

 

الإخوة الكرام..

قرر بابا الفاتيكان القرن الماضي أن يحكم ببراءة اليهود من دم المسيح؛ أي بعد أكثر من 1960 عامًا، فهل ما بيننا من خلاف (وهو يقينًا ليس اختلافًا في أصل الدين ولا نزاعًا يرتبط بقتل نبي، بل أقصاه اختلاف حول معيار الانتخاب والاختيار للخليفة)، هو أكبر مما بينهم؟!

 

وأخيرًا نتحدث عن آليات الخروج من الأزمة، وأضيف إلى ما ذكره الإخوة المتحدثون في الجلسات السابقة:

1- على قيادات الحركة الإسلامية في الجانبين (ليس على المسار السياسي ولا النخبوي بل المقصود القيادات الوسيطة المرتبطة بالجماهير مباشرة) تغيير خطابها وتربيتها لأتباعها؛ فلا يُعقل مثلاً في أحد مواقع السلفية أن يستفتي شيخًا على إمكانية توصيل الزكاة لمجاهدي المقاومة اللبنانية ذات المذهب الشيعي فيُفتي بأنه لا يحل التصدق عليهم، كما لا يصح أن يُقرأ في أحد المواقع الشيعية ومن أحد المراجع سؤال: هل يجوز زواج الشيعي من فتاة سنية من غير إذن وليها (المخالف)- أي خطيفة- فتكون الإجابة بالجواز كما لو كانت أعراض المخالفين مستباحةً.

 

2- ضرورة التوقف الفوري عن فاحشة التكفير وإصدار فتوى جماعية (سنية شيعية سلفية صوفية) تحرِّم وضع تهم التكفير لأيٍّ من مذاهب الأمة التي يشهد أهلها أن لا إله إلا الله وأن محمدًا خاتم النبيين والمرسلين، وتحريم نشر هذه التهم بكل وسائل النشر.

 

وهنا نقرر أنه لن يختلف السنة مع الشيعة حول حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفداهم (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: من الآية 23)، وعلى السنة المبادرة لإطلاق ثقافة حب وعشق آل النبي من قيودها وحساسيتها، وفي المقابل على علماء الشيعة إطلاق مبادرات الإنكار الشديد على الوالغين في مسألة سبِّ الصحابة؛ فهي نقطة في غاية الحساسية؛ إذ لا يمكن التقارب بين من يقول عن الخلفاء الراشدين: "رضي الله عنهم" وبين من يقول "لعنهم الله".

 

3- تهذيب كتب التراث؛ بتطهيرها من كل أحكام التكفير لمن يشهد شهادة التوحيد، ونزْع ألغام التكفير من ثقافة الأمة، وكذا كل معاني الإساءة للصحابة الكرام رضوان الله عليهم.

 

4- التأكيد على أن التقريب ينطلق من تمايز هذه المذاهب، وضرورة الحفاظ عليها والتعايش بينها وتقوية المشترك، وهو كثير، وليس التغليب ولا الإزاحة ولا التذويب ولا الاستغفال، كما يقول آية الله محمد علي التسخيري: إنه متى كانت هناك محاولات بأي وسيلة لتغليب مذهب على مذهب أو لتسريب ما في مذهب إلى مذهب أو لحذف مذهب لحساب غيره أو حتى لتذويب المذاهب بعضها في بعض؛ فذلك كله انحراف في مفهوم التقريب يجب التصدي له، ولن يحسم التقارب قضايانا الخلافية في الأمور الجوهرية والمختلفة (الإمامة- العصمة- التقية)".

 

5- أخيرًا.. وإن كانت المواقف الميدانية السياسية على الأرض في الكثير من المواقع مؤلمةً وتحتاج إلى تصحيح ولا يغفل عن تفاصيلها أحد؛ لكن علينا ألا نجعل من المعالجة لها مزيدًا من تقطيع أواصل الأمة الواحدة.. (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)) (الأنبياء).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

-------

* نص كلمة الدكتور محمد البلتاجي في المؤتمر الأول لـ"منتدى الوحدة الإسلامية" الذي عُقِدَ بالعاصمة البريطانية لندن مطلع يوليو الجاري

* m_albeltagy@yahoo.com