والمطارق جمع مطرقة، والمطرقة معروفة عند الناس جميعًا, وعرَّفها رجال اللغة بأنها آلة الحدَّاد يضرب ويطرق بها الحديد وأشباهه لكسره أو تشكليه.

 

وما أرى قانون الطوارئ إلا قانونًا للمطارق؛ إذ يصدق عليه كل ما ذكره اللغويون في المطرقة؛ فالطاغية "حداد" لا يعرف اللين، وآلياته هي الحديد والنار (نار الكير).

 

وقانون الطوارئ مطارق يتعامل بها الطاغية ورجاله مع الشعب، ويرمي بذلك لتحقيق هدف من هدفين:

الأول: تكسير الشعب ماديًّا بشل حركته إذا أراد أن يقاوم الظلم والاستبداد، وتكسيره معنويًّا بالقضاء على ثقته بنفسه، والبلوغ به إلى درجة اليأس، معتنقًا المقولة المشهورة "مفيش فايدة".

 

أما الهدف الثاني فهو تشكيل الشعب وإعادة صياغته مسايرًا النظام القائم بحيث يمحو من قاموس حياته أداة النفي "لا"، كما نرى في "الأغلبية المزعومة".

 

وأصبحت العلاقة بين الحكم القائم وعامة الشعب متمثلةً في قول للشاعر:

دعَوا باطلاً، وجلوا صارمًا           وقالوا: صدقنا؟ فقلنا نعمْ

 

لقد مدوا قانون الطوارئ مرات متعددة، وطبَّل المطبِّلون، وزمَّر المزمِّرون لهذا المدِّ، وكأنه كان ضرورة الضرورات؛ لا أقول لأمن مصر وسلامتها، بل أقول لحياة مصر المحروسة، أي لبقائها على وجه الحياة، حتى قال الألمعي اللامع اللميع الدكتور مفيد شهاب: "أنا لا أستطيع أن أعيش شهرًا واحدًا من غير قانون الطوارئ"، وأقول: "آه.. لو غيرك قالها يا رجل القانون"!!

 

ثلاثة عقود يا سادة ونحن نُحكم بقانون الطوارئ, وإنه لقانون المطارق، حتى أصبح في مصر جيلٌ نسميه "جيل الطوارئ".

 

ومن الملاحظات الغريبة أن كل مَن أصابهم الدور, وجُنِّدوا في الجيش ينتسبون لهذا الجيل, وكذلك أغلب من يتقدمون للعمل وشغل وظائف حكومية أو أهلية.

 

وإذا كان هذا هو وضعنا فإني أقترح على "أسيادنا الحكام" أن يكون الطوارئ هو الأصل, ويبقى القانون الطبيعي هو الاستثناء.

 

 و"الطوارئيون" أو "المطارقيون" يدافعون عن فرض هذا القانون بحجج واهية؛ أهمها:

1- كل دول العالم- حرصًا على سلامتها- تطبِّق قانون الطوارئ.

2- نحن نطبق قانون الطوارئ في أضيق نطاق؛ فهو لا يطبَّق إلا على "الإرهابيين وتجار المخدرات".

3- والمد الأخير (لمدة سنتين) يرجع إلى أن الدولة لم تنتهِ بعدُ من الصياغة النهائية لقانون الإرهاب.

 

وقد وجه مندوب (الأهرام) السؤال التالي إلى السيد مفيد شهاب:

بصفتكم مسئولاً عن اللجنة المكلَّفة بإعداد قانون الإرهاب فقد اتهمك البعض بتأخير تقدم الحكومة بالقانون.. فماذا تقول؟

 

فأجاب بالحر ف الواحد:

"هذا اتهام غير صحيح؛ فاللجنة التي أشرف برئاستها تضم 25 عضوًا من الخبرات والكفاءات العلمية المعروفة في هذا المجال؛ من بينهم 9 أعضاء يتولون عملية صياغة ما يتم الاتفاق عليه وقد قامت اللجنة على مدى عام ونصف العام بمراجعة العديد من التشريعات التي صدرت في دول العالم، بالإضافة إلى القانون الاسترشادي النموذجي للأمم المتحدة، بخلاف الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها مصر في مجال مكافحة الإرهاب، وقد انتهت من إعداد غالبية المواد، غير أن هناك بعض الموضوعات التي لم يتم الاتفاق عليها وهناك نقاط أخرى تحتاج إلى دراسات أعمق، وقد تم إرسال القانون إلى رئيس مجلس الوزراء الذي أحاله إلى وزارة العدل باعتبارها الوزارة المختصة من أجل استكمال دراسة وإعداد القانون بشكل نهائي.

 

ومع هذا فإن هذا القانون في حاجةٍ إلى دراسة متأنية ودقيقة؛ حيث إنه يرتبط بقوانين أخرى وأوامر عسكرية؛ بعضها مرتبط بالأمن القومي والحدود وسيناء".

 

وما سبق كان وما زال أوهى من بيت العنكبوت؛ فحكومتنا هي أسرع حكومات العالم في "تدويل" مشكلاتنا: فارتفاع الأسعار في مصر أصبح- بقدرة قادر- موجة غلاء عالمية.

 

وأقول: لو صحَّ هذا فهو نصف الحقيقة؛ لأن المتحدث لم يعلن عن مضاعفة المرتبات والأجور في الدول الأخرى لمواجهة ارتفاع الأسعار، أما المصري المسكين فأجره ثابت، ومع ذلك يُطلب منه مواجهة غول الغلاء بآليته الضعيفة؛ وبذلك صدق عليه قول الشاعر:

ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له:         إياكَ إياك أن تبتل بالماءِ

 

فتدويل مشكلاتنا وتعليمها- أي الزعم بأنها مشكلات عالمية- أسطورة مرفوضة، أو- على أحسن وضع- تمثيل لنصف الحقيقة، ولا مانع أبدًا أن يقتحم المضمار المحروس جمال مبارك بتصريحاته التي تدور في هذا الفلك، والتي تحتفي بها كل الصحف القومية، ومن آخر ما نشرته (الأهرام) لسيادته:

"أعلن السيد جمال مبارك الأمين العام المساعد للحزب الوطني وأمين السياسات أن المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، والتي تتسم بالحدة في ارتفاع الأسعار وتفاقم مشكلة الغذاء، أصبحت تحتِّم على الحزب الوطني إعادة ترتيب أولوياته بالاتفاق مع الحكومة والعمل على إيجاد بدائل جديدة؛ تنفيذًا للبرنامج الانتخابي الواضح المعالم والمستمَد من البرنامج الانتخابي للرئيس حسني مبارك.

 

وأكد جمال مبارك أن التزام الحزب بفلسفة البرنامج الانتخابي الذي بدأ تنفيذه منذ ثلاث سنوات، والتي تمثل نصف المدة لتنفيذ البرنامج بأكمله، يقتضي وقفة في المؤتمر السنوي الخامس للحزب في نوفمبر المقبل للمراجعة والانطلاق إلى مرحلة جديدة.

 

جاء ذلك في الاجتماع الذي عقده المجلس الأعلى للسياسات بالحزب الوطني الديمقراطي أمس برئاسة السيد جمال مبارك الأمين العام المساعد للحزب وأمين السياسات، والذي شهده السيد صفوت الشريف الأمين العام للحزب، وأعضاء الأمانة العامة، وعدد من الوزراء ورؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف، وأمناء الحزب بالمحافظة.

 

وفي المؤتمر الصحفي العالمي الذي عقده السيد جمال مبارك عقب اجتماع المجلس أكد أن الحزب الوطني ليس حزبَ رجال الأعمال، ولكنه حزب داعم للاستثمار، وأنه لولا نجاح الحزب في تنفيذ سياساتٍ أدت إلى ترسيخ مناخ الثقة في الاقتصاد المصري ما كان لنا اليوم أن نتصدى للتحديات التي تواجهنا" (الأهرام- الخميس 3/7/2008م).

 

والشعب يتساءل: هل الحزب الوطني- وطبعًا على رأسه ما يسمى بلجنة السياسات- هو حزب الحكومة؟ أم أن الحكومة هي حكومة هذا الحزب؟!

 

على أية حال فلنعد إلى مقولتهم الدفاعية: "كل العالم يحكم بقانون الطوارئ"، وهي مقولة تعني أن قائلها- حتى نحكم بصدقه- قام بعملية استقراء شامل للتعرف على القانون الذي تحكم به كل دولة، وهذا ما لم يحدث, إنما هي كلمة باطل أريد بها باطل، وعلى سبيل التذكرة نقول إن الدول الآتية تحكم بقوانينها الطبيعية: فرنسا- إنجلترا- الهند- ماليزيا- موريتانيا- إسرائيل.

 

وحتى لو صح هذا التعميم (أن كل دول العالم تحكمها قوانين الطوارئ) فليس هناك مَن أو ما يلزمنا بسلوك النهج نفسه ونحن أمة عربية مسلمة حرة، أم أننا قبيل من العبيد يصدق عليه قول المتنبي:

لا تشترِ العبدَ إلا والعصا معه              إن العبيد لأنجاس مناكيدُ

وقوله:

والعبد يقرع بالعصا                            والحر تكفيه الملامـةْ

***

 

ويقول حكامنا الأشاوس المغاوير: "إننا لا نطبق قانون الطوارئ إلا في أضيق نطاق، أي على الإرهابيين وتجار المخدرات"، وأقول: "إنه ادعاء كاذب، وكلمة باطل أريد بها باطل".

 

فما زالت المخدرات ترفع رايتها، وتزداد كل يوم ارتفاعًا، ثم أصبحت "البودرة شريكًا راقيًا" له وجود وكيان وانتشار واسع، وقد أخبرني مَن لا أتهم أن "البانجو" يباع في الريف علانيةً كالفجل والجرجير.

 

ثم أين هم الإرهابيون يا "مغاوير الحكم"؟!.. لقد أعلن العادلي وزير الداخلية الهمام ضبط شبكة إرهابية من قرابة مائة إرهابي, يعدون العدة للقيام بعمليات تخريب ونسف، وتحت هذا الخبر الذي نشرته صحيفة (المصري اليوم) جاءت عشرات من تعليقات القراء بأنها "قديمة.. ومكشوفة يا عدلي"، وما أعلن هذا الخبر إلا لتبرير مد قانون الطوارئ.

 

أما الإرهاب الحقيقي فهو إرهاب الحكومة ضد المواطنين، من ذلك تعذيب المواطنين حتى الموت، واقتحام مساكن المصريين في الفجر وتخريبها، ومصادرة كل ما فيها من مال وحُليٍّ وأجهزة إلكترونية، وهتك أعراض الرجال في أقسام الشرطة.

 

وهل يدخل في نطاق "الإرهابيين" عشرات الألوف من المعتقلين من عشر سنين أو تزيد ولا يعرف عنهم أحد شيئًا؟! وهل من الإرهابيين شرفاء الأمة الذين أُحيلوا إلى القضاء العسكري ليُحاكموا بتهمٍ ما أنزل الله بها من سلطان؟! ثم أليس إرهابًا أن يعاد اعتقال مواطن حكم له القضاء بالبراءة مما وجه إليه، ويعاد اعتقاله بعد كل حكم ببراءته، ويقولون: هو بريء بالقانون الطبيعي، ونحن نعيد اعتقاله باسم قانون الطوارئ لمصلحة البلد؟! أي أن قانون الطوارئ- كما ذكرت أنفًا- أصبح هو الأصل، وأما قانون الأمة الطبيعي فأصبح هو الاستثناء، ولك الله يا مصر.

***

وفي ظل الطوارئ ترعرع الفساد، وازداد وانتشر بشكل بشع، والرشوة أصبحت هي الوسيلة الوحيدة لقضاء مصالح العباد.

 

وفي ظل الطوارئ رزئنا بجرائم جديدة؛ منها: شبكات الفسق بالأطفال, ورأينا السرقات باقتحام الشقق، أو الخطف بالدراجات البخارية نهارًا جهارًا، وتعددت عصابات الاتجار بالأعضاء البشرية بطريقةٍ غير شرعيةٍ وغير قانونية وغير إنسانية؛ فلم يعد واحد في مصر آمنًا على نفسه ولا على أبنائه وأسرته.

 

وتبقى الدلالات الفاجعة لهذا القانون الذي ما وُضع إلا لحماية النظام ورجاله؛ فهو اتهام بقصور، بل بعجز القانون الطبيعي عن أداء واجباته التي وُضع من أجلها، وهو إهانة لشعب مصر, وقد رأينا مفيد شهاب يعلن أننا لا نستطيع أن نعيش من غير طوارئ.

 

ورأي رئيس الوزراء السيد "نظيف" جدًّا معروف مشهور، ومؤداه أن شعب مصر لم يبلغ من الوعي الدرجة التي تؤهله للحكم الديمقراطي.

 

كما أنه ضربة لمصر في مجال السياحة؛ لأن صورة مصر في الخارج هي صورة وطن يَرُوج فيه الإرهاب.

 

وأذكر أن حكومتنا الرشيدة جدًّا قامت من بضع سنين بتعليق لافتات على أعمدة النور، وغيرها من وسط القاهرة إلى المطار تحمل عبارة: "نعم للسلام والاستقرار ولا للإرهاب".

 

وأسأل عباقرة الأمن: "ألا تعطي هذه العبارات والكثرة الهائلة من هذه اللافتات إيحاءً عكسيًّا للسائح بأن العكس هو الصحيح؟!".

 

وهذا يذكرني بنكتة الساذج الأبله الذي خاف على ماله من اللصوص فوضع نقوده كلها في صرة, ووضعها في جزءٍ نَقَرَه في حائط حجرة في بيته وأعاد الحائط كما كان، وحرصًا منه على نقوده من السرقة كتب بخط واضح على هذا الجزء من الحائط عبارة نصها "ليس هنا نقود"

***

وبالنظر إلى حديث مفيد شهاب عن قانون الإرهاب المنتظر أبرز في إيجاز ما يأتي:
- في مصر من سنة 1992 قانون نموذجي لمواجهة الإرهاب نُشر في الجريدة المصرية العدد 29 مكررًا بتاريخ 18/7/1992م.

 

- لو أن اللجنة المفيدية الشهابية كانت مكلَّفة باختراع مفاعل ذري جديد لانتهت منه، ولا أستطيع أن أفهم منطق مفيد شهاب في أن المسألة ليست "سلق بيض"، بل مدروسة على أعلى مستوى.

 

يا سلام يا مفيد!! عشرون أو ثلاثون مادةً تستغرق كل هذا المجهود وكل هذه السنوات؟! إنها المغالطة التي لا يصدقها ولا يستسيغها عاقل، أي عاقل في العالم، وعلى أية حال هي ورقة.. مجرد ورقة, يلعب بها لإطالة عمر حكمٍ يُحتضَر.

وأخيرًا.. لك الله.. لك الله يا مصر.

 ***

قطرات نفس

- يا أخي الكاتب العظيم والشاعر العظيم فاروق جويدة.. يكفيك العرش الذي تتسنمه أنت والأساتذة فهمي هويدي وأحمد سلامة وصلاح الدين حافظ، ويكفيكم رصيدكم الضخم في بنوك العقول والقلوب، وأذكِّرك بقول الشاعر القديم:

إذا النعجة العجفاء كانت بقفرة               فأيان ما تعدل به الريح تعدل

 

- إلى القط الذي يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ: كان إخفاقك ضربةً قاصمةً في "المسألة التمرية الجمركية"، ولو كان هناك حكم عادل لحوكمت بتهمة التزوير أو ترويج التزوير، وأتحداك يا قط أن نسمع منك كلمة واحدة عن هذا الإيصال.

 

ومن الأخبار التراثية أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رأى رجلاً يمشي في شوارع المدينة, وقد رفع بيده تمرة واحدة, وأخذ ينادي بأعلى صوته: "يا من ضاعت له تمرة.. يا من ضاعت له تمرة"، فضربه عمر بدرته وزجره قائلاً: كُـلُها .. كلها يا صاحب الورع الكاذب.
وتعيش يا قط.. وتأكل غيرها.

--------

* Komeha@menanet.net