فقدت مصر يوم الخميس 3/7 ابنها البارَّ عبد الوهاب المسيري سليل العائلة العريقة بدمنهور بمحافظة البحيرة، والمفكر الكبير الذي تبتَّل في محراب العلم إلى آخر حياته، والمناضل المجاهد الذي خرج إلى المظاهرات وسط المئات والعشرات مع حركة كفاية؛ حيث لم يُقعده السن ولا المرض عن تولي قيادتها ضد الظلم والفساد والتوريث والاستبداد.

 

لم يمت المسيري؛ لأنَّ ما تركه من فكر وعلم وتلاميذ سيحملون إرثه الحقيقي وسيكملون مسيرته المعطاءة في شتى الميادين.

 

أتوقف عند محطات ومعانٍ في حياة المسيري المفكر والمناضل الذي رحل عن سبعين عامًا.
أول هذه المحطات: التحول الكبير الذي حدث في حياته بانتقاله من الماركسية إلى الإسلام.. يقول المسيري عن نفسه إنه لم يكفر بالله قط، ولم يتحول إلى الإلحادِ، ولكنه اعتنق الفكر الماركسي كفلسفةٍ تُقدم أجوبةً عن الأسئلة الكبرى، وإن رفاقه وزملاءه كانوا يطلقون عليه لقب "الماركسي المسلم"، وإن تحوله جاء بعد اكتشافه المبكر فشلَ الفلسفة الماركسية في وضع حلولٍ حقيقيةٍ وأجوبة تامة عن أسئلة الوجود الكبرى؛ وذلك قبل فشل التطبيق للنظرية في الدول الاشتراكية والشيوعية.

 

كان تحول المسيري في إطار تحول عددٍ من كبارِ الرجال في مصر من معسكرٍ إلى معسكرٍ مضادٍّ، واستمروا في استقلالهم الفكري والتنظيمي يضيفون إلى الفكر الإسلامي من موقعٍ مستقلٍ؛ مما أثرى الحياةَ الفكريةَ كلها وقوَّى المعسكر الإسلامي برجالٍ مثل المسيري والبشري وعمارة وعادل حسين وغيرهم.

 

لم يتوقف نقد المسيري للفلسفة الماركسية، ولكنه امتدَّ بصورةٍ أعمق إلى الأم الحقيقية للفلسفات الوضيعة الإلحادية، وهي العلمانية، وساعدت دراسة المسيري للأدب الغربي وتدريسه لمدارسه المختلفة وتطوراته الفكرية في التعمق في دراسة جذور العلمانية الغربية وإفرازاتها الفلسفية والتطبيقية؛ مما ساعده على بلورة نظرية كاملة عن العلمانية الكلية والعلمانية الجزئية.

 

اكتشف المسيري جوهر الفكرة العلمانية ودلل على ذلك، وهي تأليه الإنسان وتحويل كل قيمةٍ إلى شيء وسلعة يمكن تسويقها وبيعها في مقابل عبودية الإنسان لله وفكرة القيم المطلقة التي يأتي بها الدين، كالصدق والأمانة والإخلاص وغيرها.

 

كان كتابه عن العلمانية من الكتب الثقيلة فكريًّا، العميقة جدًّا، التي يصعب قراءتها، وقد طالبته مرارًا بتبسيطه للشباب لأهميته، ووعد بذلك رحمة الله عليه، وأرجو أن يكون قد ترك أوراقه لينشرها الأوفياء من تلاميذه.

 

كان العمل الأبرز والجهد الأكبر في حياة المفكر الراحل الكبير هو الموسوعة الشهيرة عن اليهودية والصهيونية، والتي صدرت عن دار الشروق في ثمانية مجلدات.

 

ويرجع اهتمام المسيري بهذه القضية إلى التوجه العام الذي ساد مصر في أعقاب النكسة الكبرى عام 1967م والهزيمة الفادحة التي أطاحت بألباب الكثيرين الذين عقدوا آمالاً عظيمة على مشروع الرئيس عبد الناصر القومي، وقد أنفق المسيري- رحمة الله عليه- من وقته حوالي 25 عامًا مضنية ومن جهده وجهد تلاميذٍ عديدين ساعدوه، وكان يوجههم، الكثير والكثير؛ بغية فهم المشروع الصهيوني وفك الاشتباك بين اليهودية كدينٍ والصهيونية كمشروعٍ سياسي عنصري، وجاهد كثيرًا ليثبت أن المشروع الصهيوني ليس إلا مشروعًا وظيفيًّا للمشروع الغربي الاستعماري الذي يريد الإبقاء على تمزق الأمة العربية ومنع قيام أي مشروعٍ نهضوي حضاري في هذه المنطقة لا على أساسِ الإسلام ولا على أساس العروبة.

 

وظل المسيري حتى اللحظات الأخيرة من حياته يواصل العمل بدأبٍ على إضفاء لمساتٍ وإضافاتٍ جديدة من بحوثٍ ومقالاتٍ ودراساتٍ وحواراتٍ حول أصل فكرة الموسوعة، وظلَّ- رحمه الله- المرجع الرئيسي والكبير لكل المتابعين الذين يجاهدون ضد هذا المشروع العنصري الاستيطاني الصهيوني لفهم الأحداث وتشابكها ورد الجزئيات إلى الأصول الكلية؛ كي تظل بوصلة الصراع في اتجاهها السليم، ولكي يظل جهادنا ضد الاحتلال والعنصرية والاستيطان، وليس صراعًا بين الأديان؛ حيث إن الإسلامَ أقرَّ أهل الكتاب على البقاءِ على أديانهم، وشرع الله لهم معاملةً خاصةً خلاف الملحدين والكافرين والمشركين.

 

ستظل موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية علامةً بارزةً في مسيرةِ الراحل الكبير الفكرية، وستبقى مرجعًا أساسيًّا على تطاول الأزمان لفهم المسألة اليهودية والمشروع الصهيوني، وستبقى الملامح الرئيسية التي أرساها المسيري في فهم الصراع ضد الصهيونية قائمة ومحل جدال شديد حتى تنتصر ضد هذا المشروع العنصري.

 

كان المسيري- رحمه الله- مفكرًا نادرًا من الصف الأول من طرازٍ غريبٍ، ولكنه اختلف في أخرياتِ حياته، رغم المرض المنهك، عن جمهرةِ المفكرين، فقرر النزول إلى الشارع مناضلاً متحركًا ضد الفساد والاستبداد، وقبل أن يكون المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، والتي تضم أفرادًا من كافة ألوان الطيف السياسي والفكري المصري، والتي تواجه النظام المصري بصوتٍ عالٍ مدوٍّ "لا للتمديد ولا للتوريث.. لا للفساد ولا للاستبداد"، وقبل أن يكون ضحيةً للإجراءات الأمنية القمعية التي لم تأبه لمقامه الفكري، ولا لسنه وتقدمه في العمر، ولا لمرضه المنهك والعضال، فاعتقلته لساعاتٍ ومعه زوجه الوفية المخلصة، وحاصرته أكثر من مرةٍ، وتحرَّشت به في المظاهرات، ولم يمنعه ذلك من الاستمرار لآخر لحظةٍ في حياته وسط رفاقه وإخوانه حتى أقعده المرض وأنهكته السنون.

 

رحم الله عبد الوهاب المسيري صاحب الروح المرحة والنكتة الحلوة الذي كان يزين أي مجلسٍ يكون فيه، ويبث فيه بجانب أفكاره وثمار عقله روحًا مرحةً وحديثًا طليًّا.

 

لا نملك إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعوضنا الله عن المسيري خيرًا، وتقبَّل الله جهده وجهاده خالصًا لوجهه الكريم، ولكِ الله يا مصر؛ كلما فقدت ابنًا بارًّا ومفكرًا مميزًا ترحَّمنا عليه وترحَّمنا عليكِ خشيةَ الجدب والإفناء.