رحل عن دنيانا الفانية أخي وحبيبي؛ شقيق الروح، وتوأم القلب، ومستودع سري، ومهوى فؤادي، وأنيس الوحدة والغربة، والسند والساعد، والمُعين في الآمال والآلام في رحلتنا إلى الله.. الأستاذ الشيخ الجليل جمال إبراهيم هنداوي؛ الذي ولد في عام 1961م في قرية كفر الزقازيق القبلي التابعة لمنيا القمح بمحافظة الشرقية، حصل على بكالوريوس الزراعة من جامعة الزقازيق 1983م، ثم حصل على ليسانس أصول الدين من جامعة الأزهر عام 2000م، وقد رزقه الله من الأولاد خمسة: إبراهيم، معاذ، تسنيم، بلال، وأحمد.

 

أكرمه الله بالانتساب والعمل مع جماعتنا المباركة؛ جماعة الإخوان المسلمين، وهو في المرحلة الثانوية، فالجامعية، حتى لقي الله عليها يوم الجمعة 27/6/2008م.

 

وأخونا وحبيبنا الأستاذ الشيخ جمال- والذي كانت آخر وظائفه واعظًا بالأزهر الشريف- حباه الله ومنحه صفاتٍ وأخلاقًا طيبةً؛ جعلته محبوبًا ومألوفًا من كل من تعامل معه، وخلال رحلته المباركة في الدعوة إلى الله في مصر وخارجها تتلمذ على يديه وتأثَّر به الكثيرون؛ في اليمن وفي نيجيريا، ولأن الرجل الصالح يترك أثرًا طيبًا أينما حلَّ وأينما وصل، فلقد كان حبيبنا وشيخنا من هذا الصنف، وما شهدنا إلا بما علمنا وشاهدنا، وهو الآن عند ربٍّ كريم؛ يجزل العطاء والثواب لمن أفنَوا حياتهم في سبيل ربهم.

 

إن أبرز ما يتميز به حبيبنا يرحمه الله:

أولاً: حبه وشغفه وفخره بدعوته:

كانت دعوته قد ملأت كيانَه وجوانحَه ووقتَه وفكرَه؛ لم يكن يعطيها فضولَ الوقت، ولم يكن يتعلَّل بعذرٍ أو مرضٍ أو انشغالٍ، بل كان يقهر الأعذارَ، ويعلو على الأشغال، ويكظم الألم والمرض، ويمضي سبَّاقًا إلى طاعة ربه، ويعلم الله وحده ويشهد أن أبا إبراهيم منذ أن بايَعَ اللهَ على العمل لدينه ودعوته ظلَّ وفيًّا لبيعته، ولم يتسرب إلى نفسه أي ملل أو تردُّد أو تكاسل.

 

ثانيًا: شجاعته وجرأته في الحق:

ينطق بكلمة الله غيرَ هيَّاب ولا وَجِل، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم؛ يَفيض رجولةً وقوةً، مع تواضعٍ جمٍّ وعدم غرور أو عُجب، ويعلن عن مبادئ دعوته في كل مجلس وعلى رءوس الأشهاد؛ يكشف عوار الظلم والظالمين، ويفضح الفساد والمفسدين، مع اعتزازٍ بالحق، وحسن مظهر وتأنُّق؛ يدل على أصالةِ طبعٍ وكرمٍ ونسبٍ وأصلٍ.

 

ثالثًا: رجوعه إلى الحق:

ومع هذه الرجولة والشجاعة فإنه يرحمه الله كان رجَّاعًا إلى الحق والصواب؛ إذا اخطأ أو أساء، ولم يكن يكابر أو يعاند أو يصرُّ على رأيه، بل يسارع إلى من أخطأ في حقِّه بالاعتذار وطلب المسامحة والعفو، ومع هذا الرجوع إلى الحق نقاء وصفاء في القلب؛ فلم يكن يُخَزِّن في قلبه شيئًا لأحد من إخوانه أو من عامة المسلمين.

 

رابعًا: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسانُ:

كان هذا شعارَه في معاملاته مع إخوانه ومع أهله ومع الناس أجمعين؛ ولذا كان يرحمه الله كريمًا، وينفق ولا يخشى من ذي العرش إقلالاً، ينفق ولا يخشى فقرًا, وفي بلاد الغربة التي شاء الله له أن يقيم فيها كانت تنجذب القلوب نحوه؛ لجُوده وعطائه وكرمه، في حين أن الكثيرين- إلا من رحم ربي؛ خاصةً من هم في غربتهم- يقبضون أيديَهم ويُمسكون عن الإنفاق والعطاء.

 

خامسًا: تبسمك في وجه أخيك صدقة:

فكسْبُ القلوب وجذْبُها نحو طريق الله يحتاج إلى فنٍّ وفقهٍ وممارسةٍ، وليس كل أحد يستطيع ذلك إلا من رحم الله.. كان حبيبنا الشيخ جمال يرحمه الله من الصنف الذي اجتباه ربه ووفَّقه إلى كسب القلوب؛ من خلال البشاشة والابتسامة وحسن الترحيب والاستقبال والاهتمام بالآخرين، ومن خلال الودّ الحقيقي والحدب والرعاية لهم؛ لذا فما إن يحلَّ بمحلٍّ أو ينزل بمكان إلا وتلتفُّ حوله القلوب.

 

سادسًا: تضحيته وتحمُّله من أجل دعوته سمة من أبرز سماته يرحمه الله:

والتضحية عندما تكون من الأخ نفسه فهذا شيء عظيم، وأعظم منه عندما تضحِّي معه أسرتُه؛ فلقد تحمَّل يرحمه الله في نيجيريا ما لا يتحمله بشر، وما لا يُثيب عليه إلا الله تعالى..

فلك أن تتخيل كيف يعيش إنسان مع زوجته وأولاده سبع سنوات؛ لا يمر عليهم يومٌ فيها إلا وأحد أولاده أو زوجته أو هو مريض بالملاريا القاتلة أو التيفود.

لك أن تتخيل أن تعيش بلا ماءٍ، وإذا وُجِد فهو ماء مخلوط بالطين والتراب، وإذا وُجِد نقيًّا فهو قليل لا يكفي شيئًا.

لك أن تتخيَّل إنسانًا يهاجم بيتَه اللصوصُ والعصاباتُ المسلَّحة في جنح الليل وتطلق النار عليه!.

لك أن تتخيَّل كيف تشتعل النار تحت السيارة التي تأتي بأولاد الأخ من المدرسة إلى البيت في اليوم الذي كان فيه الشيخ الفاضل في المستشفى يعاني من الملاريا والتيفود!!.

لك أن تتخيَّل كيف أن إنسانًا منعته الملاريا طوال فترة سبع سنوات من النوم إلا زهاء ساعة أو ساعتين على أقصى حد في كل ليلة!.

 

ومع كل ذلك فلا تأفُّف ولا شكوى ولا ضجر، ولا طلب العودة والرجوع إلى الأهل والوطن.. إنها التضحية في أوسع وأشمل وأروع وأعظم معانيها.

 

سابعًا: الدقة والنظام:

فلم يكن يرحمه الله يعمل عملاً إلا إذا خطَّط له وحدَّد أهدافه ووسائله وآليات تنفيذه مع دقةٍ في التكاليف ووضوحٍ لما يريد الوصول إليه، واستيعاب ما يريد توصيله إلى الآخرين، والتقويم والمتابعة بعد كل عملٍ يقوم به؛ حتى يتأكد من تحقيق ما أراد ومن إنجاز أهدافه.

 

ثامنًا: الربانية والإخلاص لله والزهد فيما في أيدي الناس والزهد في الدنيا خلقٌ من أخلاق حبيبنا يرحمه الله:

فخلال سنوات العِشرة الطويلة معه ما ترك الصلاة قبل الفجر بما تيسَّر له، حتى في الأسفار والرحلات الطويلة الشاقَّة، والتي يصل بعضها إلى أكثر من 1200 كم في طرقٍ صعبةٍ وعرةٍ؛ كان يحرص على أن يصليَ لله قبل الفجر.

 

كما كان عفيفًا متعفِّفًا؛ لا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين قلَّ أو كَثُر.. كان منشغلاً بذكر الله؛ فلا تراه إلا ذاكرًا أو مستغفرًا في الحِلِّ أو في السفر، يدعو لإخوانه وللدعوة وقياداتها ولأهله.

 

تاسعًا: سعة العلم والاطلاع وعمق الخبرة والتجربة في الدعوة والتربية:

فبالإضافة إلى حفظه القرآن الكريم ودراسته في الأزهر الشريف وخبرته وتجربته العملية في الدعوة والتربية في مصر واليمن ونيجيريا.. إلا أنه كان حريصًا على أن يطوِّر من نفسه ويجوِّد ما لديه ويراجع رصيده؛ فلم يكن جامدًا أو متعصبًا؛ شعاره: "الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ؛ حَيْثُمَا وَجَدَها، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا".

 

عاشرًا: حرصه على بذل وإعطاء النصيحة لإخوانه إن رأى عيبًا أو خللاً:

فلم يكن يرى شيئًا في أي أخ من إخوانه إلا ويسارع إليه بالنصحية؛ وذلك لشدَّة حرصه على أن تكون صورة إخوانه نقيةً خاليةً من أي عيوب أو خلل يشوِّه صورة الدعوة والدعاة، مستعملاً في ذلك النصيحة المباشرة والصريحة أو غير المباشرة، مع حسن أسلوب وحرص على مشاعر ونفسية أخيه؛ حتى لا تتغير نفسه أو تنقلب النصيحة بعكسها.

 

حادي عشر: كان يتحرَّى أن يكون قدوةً عمليةً ومتحركةً لمن يتعامل معهم؛ لإيمانه بأن لسان الحال والفِعَال أبلغ وأفصح وأشدّ تأثيرًا من لسان المقال:

كان في شهر مايو الماضي في برنامج مع مجموعة من الشباب النيجيري في أحد مساجد ولاية إيمو بشرق نيجيريا، ورتَّب للبرنامج أن يكون داخل المسجد إقامةً ومبيتًا ونومًا، وقد أدى رحمه الله خطبة الجمعة بالناس في المسجد..

وكان من بين من صلوا معه شخصان عربيان لهما تجارة وأعمال، فلمَّا تعرَّفا عليه أصرَّا على أن يكون ضيفًا عليهما خلال إقامته، وأرادا أخذه إلى فندقٍ ليستضيفاه فيه على نفقتهما الخاصة، على أن يأتيَ إلى المسجد يعطي محاضراته، لكنه رفض أن ينام في الفندق؛ حيث الكهرباء ومكيف الهواء والماء النقي والطعام النظيف، وآثَرَ وأصرَّ على أن ينام في المسجد مع الشباب الذين لم يرَوا من قبل شخصًا عربيًّا أبيض، ينام معهم، ويأكل معهم، ويشرب معهم؛ وسط الحرارة الشديدة والبعوض، وعلى بلاط المسجد، بل إن شيوخهم من بني جلدتهم لا يفعلون هذا، فكيف بشخصٍ جاء من الخارج يفعل هذا معهم؟!

 

إنها التربية بالقدوة، وهو مثالٌ من كثيرٍ من الأمثلة، ولكنني ذكرته لقرب حدوثه؛ فقد حدث قبل وفاته بأقل من شهر يرحمه الله.

 

ثاني عشر: العمل المتواصل مع الفهم العميق والدقيق للدعوة:

وهو من الصفات التي انطبقت على أخينا جمال، وأضرب مثالاً لذلك؛ ففي آخر ستة أشهر قضاها في نيجيريا لم يكن يهدأ ولا يقرُّ له قرار ولا يستريح، بل يخرج من عمل فيدخل في آخر.

 

ثالث عشر: فهمه وتفاعله مع البيئة والواقع الذي كان يعيش فيه:

حيث اختلاف العادات والتقاليد والظروف والثقافات، وبهذا الفهم العميق والاستيعاب للواقع استطاع رحمه الله أن يؤثر فيه التأثير الإيجابي؛ فلقد كان يعايش من يتفاعل معهم كأنه فرد منهم؛ يلبس زيَّهم، ويأكل أكلَهم، ويتكلم بلغتهم؛ ولذا أحبوه وأحبهم، وسمعوا وأطاعوا واستجابوا لدعوته.

 

كان رحمه الله يرفع شعار: "خذ ما تيسَّر ودع ما تعسَّر إلى ما قد يتيسر".. هذا الشعار في مضمونه يدعو إلى عدم مصادمة الواقع أو التعامل معه بشدة أو عنف؛ فما كان متاحًا اليوم فخذه، وما تعسَّر فسيكون متاحًا غدًا إن شاء الله.

 

وأخيرًا..

فإن وفاته رحمه الله كانت أيضًا دليلاً وتأكيدًا على صدقه وإخلاصه، وأن غرسَه وزرعَه الذي غرسه قد آتى أكله وثماره.

 

ظهر ذلك بعد وصول خبر وفاته إلى نيجيريا إلى إخوانه وأحبابه وتلامذته؛ فما إن وصل الخبر إلا وأقيمت صلاة الغائب عليه في عددٍ من المدن الكبرى في لاجوس وإبادن وكانو وزاريا ومايدوجري وإلورن وسكوتو، وصلى عليه الآلاف، وبكت عليه العيون، وحزنت القلوب، وصعدت الدعوات إلى الرحمن، سائلةً الله له المغفرة والرضوان والرحمة.

 

هذا هو جمال هنداوي ونزرٌ يسيرٌ من أخلاقه ومناقبه وجهاده وتضحياته.. نسأل الله أن يتقبَّله في أعلى عليِّين؛ مع الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.