إن الحركة الإسلامية، وإن كان الإخوان المسلمون يمثلون أهم فصيل فيها، ليست قاصرةً عليهم، وبابها مفتوح بإذن الله لمن أراد العمل بصدق فيتحقق فيه أمر الله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: من الآية 28)، ويتحقق فيه كذلك قول الإمام البنا رحمه الله "كم منا وليس فينا"!!.
كذلك القول الذي تبنَّاه عن الإمام محمد رشيد رضا: "نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وإن كنت أودُّ توضيحًا وتحديدًا أن تكون القاعدة: "نتعاون فيما اتفقنا فيه من أصول، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه من فروع"؛ وذلك حتى يخرج عن نطاق التعاون من يختلفون معنا في الأصول؛ مثل غلاة الشيعة الذين يكفِّرون أهل السنة ويطبِّقون فيهم: "من آذي سنيًّا فقد أرضى عليًّا".. وعلي رضي الله عنه براءٌ من ذلك وبراءٌ ممن يقولون ويفعلون ذلك.
أما أين تقف الحركة الإسلامية اليوم؟ فأقول بعون الله: إنه من خلال النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي مرت بمراحل ثلاث: نشر الدعوة وتبليغها، ثم التربية والتكوين، ثم الهجرة والتمكين، والتي تبنَّاها الإمام البنا رحمه الله حين جعل مراحل الدعوة: التعريف، ثم التكوين، ثم التنفيذ.. من خلال التأمل في هذه المراحل أقول بعون الله:
إن الحركة الإسلامية تجاوزت بالتأكيد المرحلة الأولى؛ فالتعريف بها ونشرها على مساحة القارات الخمس قد تم بحمد الله على نحوٍ واسعٍ، يتسع يومًا بعد يوم، ويتعمَّق كذلك يومًا بعد يوم، كما أنها كذلك تجاوزت مرحلة التربية والتكوين في أغلب الأماكن، وإن كانت مستمرة فيها بحمد الله.
والحركة الإسلامية في مجموعها تقف بفضل الله على أبواب التمكين، وإن بلغت التمكين في بعض الأماكن، لكنه تمكينٌ لخلقٍ متربَّصٍ بهم أو تمكينٌ جزئيٌّ لا يسمح لهم بتحقيق الطموح في إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع!.
ومثل التمكين القلق المتربَّص به إخوانُنا في غزة؛ فبرغم بلوغهم التمكين من خلال إرادة الشعب الفلسطيني؛ فقد أنكر عليهم المتربصون من القوى الدولية التي تُكنُّ العداء للإسلام وتُخفيه وإن بدت العداوة في بعض الأحيان، فضلاً عن العَداء السافر من أعداء الإسلام وأعداء الإنسانية من اليهود والأمريكان!.
ومثل التمكين الجزئي مشاركات للحكومات القائمة، والتي لا تحرص على تطبيق الإسلام تطبيقًا شاملاً وحقيقيًّا؛ كمشاركات وقعت في اليمن، وفي الجزائر، وفي السودان.
وهذا يفضي بنا إلى التساؤل الثاني: قضايا الإصلاح وموقف الحركة الإسلامية منها..
وأبادر فأشكِّك في جدية الإصلاح في العالم العربي، كما أشكِّك في صدق النوايا لذلك، وأجد المعروض منها بضاعةً مزجاةً لدغدغة عواطف الشعوب ومشاعرها وللتجارة "السياسية"؛ بلوغًا إلى الوصول إلى كراسي الحكم التي تمثِّل الأملَ والغايةَ بالنسبة للعاملين في المجال السياسي إلا ما رحم ربي، وقليلٌ ما هم.
وأشير سريعًا إلى نقطتين: ما هي قضايا الإصلاح المعروضة؟ ثم ما موقف الحركة الإسلامية منها؟!
أما قضايا الإصلاح المعروضة فهي متعددة المجالات: سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي المجال السياسي فإن أهم ما يثار فيه هو قضايا الحرية والديمقراطية، وفي المجال الاقتصادي فإن أهم ما يثار فيه قضايا التنمية وتحقيق كفاية الفرد، وفي المجال الاجتماعي فإن أهم ما يُثار فيه قضايا حماية الأسرة وتحقيق شيئين من التوازن الاجتماعي والتقرب إلى الله والتقريب بين الطبقات.
أما موقف الحركة الإسلامية منها فيتراوح بين المد والجزر أو الاقتراب والابتعاد تبعًا لمنهجين رئيسين:
المنهج الأول: يتبنَّى الإصلاح الشامل بالمنهج الشامل، وذلك بتطبيق الإسلام كله دون تجزئته أو تفرقة، ولا شك أنه المنهج الأمثل ما استطعناه؛ تؤيده آيات الأمر بالحكم بما أنزل الله وآيات النهي عن التجزئة والتفرقة، واقتران ذلك بالفتنة والجاهلية والكفر.
أما المنهج الثاني: فهو التعاون في مجال الإصلاح ما أمكن ذلك دون التضحية بالثوابت والأصول، وأحسب أن هذا المنهج تفرضه ظروف الواقع وحصار الحركة الإسلامية في أكثر الأماكن بدرجات متفاوتة، وقد يجد دليلاً أو مبرِّرًا شرعيًّا؛ فشعيب عليه السلام الذي رفع شعار ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: من الآية 88) يقول لقومه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)﴾ (الرحمن)، فيجعله قضيته الرئيسة بعد التوحيد، ولوط يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)﴾ (الشعراء)، ويجعل هذا قضيته الرئيسية بعد التوحيد، وموسى يقول لفرعون ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه: من الآية 47)، ويجعلها كذلك قضيته الرئيسية إزاء طغيان فرعون وملئه.
وجمع هذا المنهجَ أمرُ الله ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 90)؛ فالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب)، لكن لا ينفع ذلك الاقتداء بعده بالأنبياء وفقًا للآية المتقدمة، وأحسب أن هذا المنهج تبنَّته الحركة الإسلامية في أكثر الأماكن؛ تقليلاً لدائرة الشر وحمَّالها وتوسيعًا لدائرة الخير وتأييدًا لها، واقترابًا بذلك من التطبيق الشامل لكل الإسلام في كافة القضايا وعلى كل الأصعدة.
وليس لنا إلا التحذير من نسيان التطبيق الشامل من شرع الله، والفرج بالاقتراب أو بالتطبيق الجزئي؛ حتى نخرج عن نطاق الوعيد الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: من الآية 85)، وكذلك الآية ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ (المائدة: من الآية 49).