هو الأخ الحبيب طلحة إبراهيم محمد أبو زهرة، وُلِد يوم 10/5/1960م في قرية منية سمنود مركز أجا محافظة الدقهلية؛ تخرج في كلية التجارة جامعة المنصورة 1983م، تزوَّج من الأخت الفاضلة الدكتورة منار الفحيل، ورزقه الله منها أربعةً من الأولاد؛ هم: أشرف الصديق، وإبراهيم، وأبرار، وآلاء، حفظهم الله.

 

لحق بصف الإخوان وهو طالب في الجامعة، وتدرَّج في صفوفها، وعمل داعيًا إلى الله في كثيرٍ من دول العالم, انتقل إلى الرفيق الأعلى فجر يوم الإثنين 2/6/2008م على فراش المرض صابرًا محتسبًا، متوضئًا مصليًا، ذاكرًا الله مجدِّدًا البيعة لله على العمل للإسلام، وهي من البشرى بحسن الخاتمة إن شاء الله تعالى.

 

إذا كنا اليوم ننعيه إلى طلابه وإخوانه وأهله وذويه ولإخوان البلاد التي عمل فيها، فإننا كذلك نقدمه كقدوة حسنة لشباب الإخوان وللشباب المسلم في كل أنحاء العالم، ودليلٍ ساطعٍ على أن هذه الدعوة ولاَّدةٌ جيلاً بعد جيل، وأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وقادة هذه الدعوة المباركة لم ينقطع نسلهم، وأنه رغم المادية الطاغية اليوم إلا أن المنارات على الطريق ما زالت موجودةً بين صفوف الدعوة الحية.. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: من الآية 100)، وقال تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23)، وقال صلى الله عليه وسلم:  "كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله؛ فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" وعنه: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (متفق عليه)، ومن هؤلاء المهاجرين الصادقين المرابطين النافرين لنشر دعوة الله الحبيب الزاهد الورِع الصابر المحتسب طلحة أبو زهرة.

 

عرفتُه ورافقتُه قرابة خمسة عشر عامًا؛ فكان رجلاً ربانيًّا؛ الآخرة بين عينيه، يعيش لها، يصالح عليها ويخاصم من أجلها، قليل الكلام، كثير العمل، واسع الفهم لدعوة الإخوان؛ حقيقتها وأهدافها، لا تهمه الألقاب ولا الظهور؛ يهتم بحقيقة الأعمال وغاياتها.

 

كان من السابقين إلى العمل تحت أي ظروف وفي أي مكان، صابرًا محتسبًا، وفيًّا لبيعته ودعوته، يعارك المرض ولا يرضى بالقعود، عالي الهمة، يعطي القدوة في الإخلاص والصبر، والعمل والثبات، ليّن الجانب مع إخوانه، حلو المعشر، لا يختلف مع أحد أبدًا على دنيا، يسامح وينفق من ماله، ولا يأخذ منها إلا ما ليس فيه شبهه، خفيف الحمل منها، مرَّ عليها كعابر سبيل أو كطيف جميل ونسيم عليل؛ أنعش النفوس وأراح القلوب ثم راح وتركها.

 

رأيت فيه صفات التابعين من السلف الصالح، ورأيت وعايشت معه الصفات والأخلاق التالية:

1- الإخلاص والبعد عن الظهور: كان يحب العمل كجندي لمن هو أقل منه علمًا وسنًّا؛ يحترم الجميع رغم أنه لهم أستاذ، قل إن شئت: "مربٍّ من موقع الجندية".

 

2- التضحية: لقد ضحَّى بزهرة شبابه محرومًا من أهله قرابة خمسة عشر عامًا مسافرًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، داعيًا ومربيًا شباب المسلمين في أماكن صعبة من العالم، مخفيًا آلامه وأمراضه، صابرًا محتسبًا.

 

وشاركته زوجته الفاضلة الأجر والفضل، إن شاء الله، في الصبر وتربية الأولاد، وظل يعمل إلى أن أقعده المرض الشهر الأخير، ولما طلبنا منه الراحة قال: "كيف أقعد والحاجة ماسَّة للعمل والصابرون عليه قليل؟!".. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها.. إلا كفَّر الله بها من خطاياه" (متفق عليه).

 

3- الفهم العميق: رغم اختلاف البيئات التي عمل فيها إلا أنه نجح نجاحًا باهرًا في تربية الشباب على الفهم الصحيح للدعوة من غير العرب، ويشهد على ذلك تلاميذه في تلك البلاد.

 

4- الثبات: لقد ثبت على الطريق إلى آخر يوم، ومات على ذلك، بل كان مصدر تثبيت للآخرين من إخوانه الذين يصعب العيش عليهم في الظروف القاسية في بعض البلاد.

 

5- عابدًا لله تعالى: كان مجتهدًا في النوافل إلى جانب الفروض، ذاكرًا الله، محافظًا على ورده من القرآن، قائمًا صائمًا رغم تحذير الأطباء له من خطورة الصوم على صحته.

 

6- الزهد في الدنيا: كان شعاره: عن أنس عن النبي "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (متفق عليه)؛ كانت الدنيا لا تشغله؛ يرضى باليسير من الراتب والطعام والثياب، ينفق من ماله على دعوته وإخوانه، مَرِضَ ونزل شهرًا عطلةً للعلاج، رفض أن يتقاضى راتب الشهر ولا التذكرة.

 

7-عف اللسان: يبتعد عن كل آفات اللسان؛ لدرجة أنه كان يتعفَّف عند تقييم الأفراد عند ذكر السلبيات.

 

8- عف اليد: عرف ذلك عنه في كل الدول التي سافر إليها، رغم أنه محاسب، إلا أنه كان يبتعد عن هذا المجال، وإن كُلِّف به على دون رغبة فكأنه يقبض على الجمر، وإذا وضعت المال في يده كان له بركة وزاد.

 

9- ليِّن الجانب وخفض الجناح: كان حلو المعشر، سهلاً ليِّنًا؛ يحبه كل من يتعامل معه، خافض الصوت.

 

10- شديدًا في الحق: كان شجاعًا، لا يجامل ولا يحابي على حساب الحق والعدل، كُلِّف برئاسة لجنة، فأقام العدل بالقسطاس المستقيم، ولم تأخذه في الله لومة لائم, جعل الله الحق على قلبه ولسانه.

 

11- يتقي الشبهات أثناء عمله: وجد شبهةً في أحد الأعمال، رغم جودة الدخل فاستقال، وهكذا كان، وكان يَعرف عنه الورع كل من تعامل معه في بلده وفي البلاد التي سافر إليها.

 

12- التواضع وخدمة الإخوان: كان يخدم نفسه بنفسه، ويأبى أن يخدمه إخوانه رغم مرضه، بل كان يصر على أن يشارك هو في خدمتهم، بل كان يشتري على حسابه أدوات المنزل؛ خدمةً لإخوانه وتوفيرًا لأموالهم، ويشهد على ذلك عندما كان في قافلة الحج، فكان يتخلَّف عن ركعاتٍ من القيام لينظف سكن الرجال، وزوجته الكريمة تنظف سكن النساء، ولم يكتشف ذلك إلا أحد الإخوة بعد شهر.

 

13- يؤْثِر الناحية العملية: كان لا يحب التنظير وكثرة الكلام، وكان يقول "من كَثُرَ كلامه قَلَّ عملُه"، وكان يحب أن يترك الأخ أعماله تتكلم؛ لأن الأعمال هي المشاعل الهادية للناس.

 

وإنا وإن عز الفراق فإننا نحتسبه بدموعنا عند ربنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وسنصبر على الفراق احتسابًا لله وطمعًا في هذا الفضل، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم أحتسبه إلا الجنة" (رواه البخاري)، ونرجو له مقام الشهداء لحديث "المبطون شهيد" ونرجو أن يكون من السابقين؛ فقد عمل لذلك.

 

اللهم إنا نشهد له بالإيمان والجهاد، والتضحية والصبر والثبات في نشر دعوتك في ربوع الأرض، وأنه كان يرغب في أن يكون من السابقين، وبحث عن هذه المنزلة وعمل لها، فلا تحرمه منها، وكان من المرابطين على ثغور الإسلام في أماكن صعبة من العالم، فلا تحرمه ثواب المرابطين، وكان من الذين نفروا خفافًا وثقالاً وجاهد وجاد بنفسه في مواطن الدعوة، فلا تحرمه ثواب المجاهدين، وكان من المهاجرين لله ورسوله، ونشر دعوته ومات على ذلك، فلا تحرمه أجر المهاجرين، واجعل أجره عليك، واغفر له وارحمه، ووسِّع نُزُلَه، واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

 

ورحِم الله وبارك فيمن علَّمنا وإياه هذا الطريق، وارزقنا اللهم شهادةً في سبيلك، واجمعنا به في الفردوس الأعلى.. والله أكبر ولله الحمد.