بالأمس كانت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ تنظر في قضية فلاحي سراندو المبرئين من أمام نفس المحكمة المُعَادين إليها بأمرٍ من الحاكم العسكري طبقًا لقانون الطوارئ الذي استحل كل ما هو في مصر، وبدلاً من تقديم الذين يستحقون أن يحاكموا بالطوارئ قُدِّم هؤلاء البسطاء وهم لا يدرون ما يفعلون.

 

نساء ورجال وأطفال بسطاء طبعت الأرض ملامحها عليهم، وقد تشققت أيديهم ووجوههم لا يعرفون لماذا يُقدَّمون لمحاكمةٍ سوى أنهم دافعوا عن أرضهم، وزرعهم، وحقلهم، وكأنَّ الحاكمَ العسكريَّ للبلاد لم يجد مَن يُقدمهم إلى المحاكمة غير هؤلاء الفلاحين البسطاء الذين لا يعرفون شيئًا في حياتهم سوى الفلاحة والزراعة، انتهت من أمام ناظريه كل مشاهد سرقة الوطن ليلَ نهارَ والاحتكار والفساد والإفساد والقتلة والخونة.

 

لم يقدم للمحاكمة من أمر جنود الأمن المركزي بنهش أجساد أهالي القرية ومن داسَ على رءوسهم، ومرَّغهم في التراب أو حتى مَن وقف شاهدًا على مقتل اثنين من أهالي القرية بدون وجه حقٍّ أو حتى من حرق بيوت الأهالي وحقولهم ومزارعهم.. مَن الأولى أن يُقدَّم إلى المحاكمة أيها الرئيس؟.

 

لقد وقفنا مع فلاحي "سراندو" لشعورنا بأنهم يستحقون تلك الوقفة عن جد، لم نندم أبدًا في المحاربة من أجل قضيتهم والنضال من أجلهم، فالقضية قضية مصر كلها والضحية الشعب المصري كله والجلاد والغاصب هو نظام حاكم تمخَّض عنه نفوذٌ وسلطانٌ لحاشيته ومقربيه.

 

فإن تخرج جحافل الأمن المركزي وتدوس على قريةٍ صغيرةٍ تنتهك الأعراض وتستحل الحرمات، فالموضوع أكبر من كونه نزاعًا على سيادة أرض بل أصبح نزاعًا على سيادة وطن وكرامة.. من أجل ذلك وقفنا جميعًا معهم ووقف بجانبنا كثيرٌ من الشرفاء.

 

الموضوع ليس موضوع قرية وأهالٍ أو أرض وفلاحين أو نفوذ وسلطة وإقطاعيين جدد، إنما الموضوع هو روح شعب ونخوة وعرض وشرف وإباء، أن يقف الضعيف أمام القوى بنفوذه وجبروته يحمي أرضه وعرضه، ويتحمل من أجل ذلك التنكيل والتعذيب والصعاب، أن يحمل الفلاح روحه على كتفه ليحافظ على أرضه يرويها بدمائه ويبلل زرعها من عرقه ويغرس فيها جذور الانتماء والولاء قبل أن يغرس فيها جذور النبات فذلك هو الموضوع الجدير بالفحص والدرس.

 

إن "سراندو" مثلها مثل جميع قرى بر مصر التي ظهرت بعد الثورة، وقد دخلت ضمن قرى الإصلاح الزراعي، من حينها تملك أهلها الأرض التي عاشوا في كنفها زرعوها وتوارثوها، نضجت فيها أزهار البنات قبل النبات وشب فيها أغصان الشباب مثلهم مثل جميع الفلاحين لا يعرفون سوى الأرض والفلاحة الطيبة والسماحة، ولا يدرون ما يُبيت لهم بليلٍ ليصبحوا ونهارهم مليء برجال المباحث والأمن المركزي.

 

لقد تحوَّلت "قرية وأهالي سراندو" إلى رمز من رموز كفاح الفلاحين الذين اعتنقوا مبدأ "الأرض هي العرض"، وقاموا بحمايتها وداسوا على مَن اقترب منها بأذى، وكفاح الفلاح المصري هو كفاح منذ وقتٍ طويل وأمدٍ بعيدٍ ضاربٌ في جذور التاريخ باعتباره شريكًا أساسيًّا في نهضت الوطن وعزته منذ أحداث دنشواي وما قبلها حتى أحداث "سراندو".

 

لن نستطيع أن نفعل لمصر ما تستحق منا كمواطنين وُلدوا فيها وعاشوا على أرضها وعشقوا ترابها إلا إذا جابهنا الواقع المظلم، وتخطينا حواجز الذل والفساد والقهر وفلاحي سراندو كانوا مثلاً يُحتذى به، وقفوا أمام مَن أراد أن يسلب منهم أرضهم وتخطوا حواجز الذل، ولم يرضخوا لتهديدات أجهزة أمن الدولة والمباحث، لم يثنهم القتل والحرق والاغتصاب لم يثن الأطفال أن يروا أمهم، وقد تمددت على الأرض قتيلةً أو يروا والدهم، وقد داست عليه جحافل الأمن المركزي من أن يكملوا مسيرة حفاظهم على أرضهم وطينهم وزرعهم.

 

الواقع بحق مؤلم ومظلم، ولكن عزاءنا أن مثل تلك الروح عادت من جديد بدأت شمعة الأمل في غدٍ مشرقٍ لمصر تستعيد عافيتها من جديد تنفث في روحنا الإشراق في التغيير تغيير هذا النظام والإصلاح إصلاح حال هذا الشعب.

 

فتحيةً.. تحيةً لأهالي سراندو الأبطال الذين أصبحوا حالةً ومثالاً لكلِّ مَن أحبَّ مصر وعشق ترابها، تحيةً إلى هيئةِ الدفاع وإلى المحامين الذين كلل مجهودهم بالبراءة والانتصار، تحيةً إلى قضاةِ مصر الذين ضربوا مثالاً يُحتذَى به في العدل والشرف والكرامة، تحيةً إلى شباب مصر النابض بالحرية شباب 6 أبريل وكفاية والغد والإخوان والقيادات منهم، ولا نامت أعين الجبناء.

--------

* محامٍ وناشط حقوقي