عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (رواه مسلم).

 

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله" (رواه مسلم)، وفي رواية أخرى عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قومًا يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر" (رواه مسلم).

 

ذكر النووي في شرحه صحيح مسلم في هذا الحديث أنه من معجزات النبوة؛ فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فأما أصحاب السياط فهم غِلمان والي الشرطة، واللافت للانتباه أن هذا الحديث مذكور في كتاب (الجنة وصفة نعيمها وأهلها) وكان يمكنه أن يجعله في كتاب (الفتن وأشراط الساعة) ولعله ساقه في كتاب (الجنة وصفة نعيمها وأهلها) كي يرتدع من تتشابه صفاتُه مع صفات من ذكرهم الحديث، وأنهم من أصناف أهل النار إن لم يتداركوا أنفسهم بتوبة.

 

ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن نوعين من أهل النار غير موجودين حال إخباره "لم أرهما"؛ فهذا كشفٌ للغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو نص موحى به إليه.

 

صنفان.. إجمال يأتي تفصيله.

من أهل النار.. حكم استوجبه (التصنيف).

 

قوم معهم سياط، ونساء كاسيات، وهذا الحكم "من أهل النار" المتعلق بـ"صنفان" يشوِّق لمعرفة التفصيل والحيثيات التي استوجبوا بها النار.

 

وصنفان نكرة، لكنها خُصصت بالصفة "من أهل النار"، فابتُدِئَ بها لبيان شنيع صنعهم، فلازمهم وصفا حكميا (قيد) خصص المطلق.. "قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس"، "قوم" هنا جماعة اختصت بعمل التقت واجتمعت عليه "معهم سياط كأذناب البقر"؛ جملة اسمية خبرية تشَخِّصُ هيئة هؤلاء القوم (وقوف- أفظاظ عابسون) يمسكون بين أيديهم سياطًا، يتطاير شرر الغضب من عيونهم على أهبة الاستعداد للبطش والنكال، ما أن تسمع آذانهم كلمة واحدة "اضرب"؛ فعقولهم استحوذتها أسماعُهم فلا عقل إلا الأذن.

 

وفحوى منهجيتهم في الحياة هي "اضرب" حتى ولو كان من أمامه أباه أو أخاه، فضلاً عن جاره أو صديقه.

 

(كأذناب البقر) هذا التشبيه يزيل الاستغراب الآتي؛ لأن الصحابة وقت إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في أذهانهم تصورٌ لهيئة السياط؛ حيث إنها آلة للنكال والبطش ولم يعهد ذلك المسلمون آنذاك.

 

وجملة التشبيه (كأذناب البقر) صفة للسياط، وهي تطابقها فالكل (جمع) (أسياط أذناب البقر)، وهنا تلاؤم بين الباطش (قوم) جمع والآلة، وهذا يدل على أن الأمر ليس فرديًّا، سرعان ما يمر عابرًا، بل إنه وسيلة نظام مستبد باطش ينكل بالأمة ظلمًا واستذلالاً؛ لذلك كان (من أهل النار) وهذا السياق (قوم معهم سياط كأذناب البقر) يرسم أسوأ ما عرفته الشعوب؛ حيث تُساق بلا آدمية؛ فالسياط ليست للمسلمين ولا للإنسان الذي كرمه الله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية 70) وأول التكريم الحفاظ على الكرامة، وأول الكرامة الحرية؛ فالحرية هي الحياة.

 

(قوم معهم سياط كأذناب البقر) انتهاك لحقوق الإنسان، صورة توجب أن ينتفض من تُنتَهَك آدميته ولو بذل في سبيل حريته حياته، فلموته في عز خيرٌ من حياة كالتي نحياها.

 

وتنكير (قوم) يدل على تحقيرهم، وأنهم نكرات لا قيمة لها، ولولا أجواء البطش والنكال، فضلاً عن خنوع الرعاع الذين أتاحوا لهم هذه الهيمنة والسيادة بقبول واقع هم صانعوه.. لولا هذا كله ما كان هؤلاء الذين يحملون السياط يضربون بها الناس.

 

(يضربون بها الناس) جملة صفة لسياط فعلية، والأولى اسمية، فالتنوع أفاد التغاير، فالأولى (الاسمية) رسمت هيئة السياط وجسَّدَتها، والثانية (فعلية) استدعت الحركة المستمرة، المضارع (يضربون) دلَّ على فوضى الانتهاك وقسوة البطش، فضرب الناس ما هدفه إلا الترويع ونشر الرعب، وهل هناك سلب للآدمية أكثر من ذلك؛ لذلك كان جزاؤهم (من أهل النار)، وكلما تمادى المستبد في ظلمه دلَّ هذا على ضعفه واهتزازه.

 

ويقول النووي: فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة؛ فهمٌ ثاقبٌ لطبيعة الأنظمة عندما تستبد، فظلمها الرعية يستوجب خشية الأنظمة من الشعوب مما يوجد آليةً للحفاظ على الظَّلمة؛ فيكون إنشاء الأجهزة القمعية والإنفاق عليها، وسن القوانين الاستثنائية، ثم العمل على ديمومتها، وما كل هذا إلا خوف انتفاضة مُتَوَهَمَةٌ، فمن الذي ينتفض؟! الجياع أم المرضى أم المخدَّرون أم المكممة أفواههم المعدودة أنفاسهم؟!

 

إن هذا الحديث من الأهمية بمكان؛ حيث إنه في الروايات الأخرى ذكر أن هؤلاء القوم الذين يحملون سياطًا ويضربون بها الناس "يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله"، في (ظرفية) فغدوهم ورواحهم أصبحا محتويين في غضب الله وسخطه.

 

فالغضب احتوى غدوهم، والغدو كناية عن بدء أعمالهم، والسخط احتوى رواحهم، والرواح كناية عن انتهاء أعمالهم، والكنايتان تشيران إلى دوام غضب الله عليهم وسخطه الذي لا ينفك عنهم ما داموا على ما هم فيه، وأي عقاب أعظم من هذا (من أهل النار) (يغدون في غضب الله) (ويروحون في سخط الله).

 

وأظهر ما حقه الإضمار (يغدون في غضب الله ويروحون في سخطه) ولكن ظهر لفظ الجلالة، كرر السياق عظم العقاب وشدة العذاب، وهذا مما يلائم عدله سبحانه؛ حيث إن هؤلاء الظلمة نكلوا بالناس وساموهم سوء العذاب.

 

والرواية الثالثة تبيِّن عظم العذاب الذي ينال هؤلاء الظالمين (يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر).

 

هنا احتوتهم اللعنة (الطرد من رحمة الله)، ونرى تقديمًا لوصف حالهم؛ إذ يتخبطون في سخط الله ولعنته، وذلك لظلمهم، وهنا تأخر وصف أداة التنكيل والبطش (في أيديهم مثل أذناب البقر)؛ أي بسبب تعذيبهم الناس وقيامهم بإيذائهم (غدوا في سخط الله وراحوا في لعنته).

 

والصنف الثاني "ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا".

 

ينبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصنف الثاني الذي لم يره وهو من أهل النار، وهن النساء اللائي يكشفن أجزاءً من أجسامهن إظهارًا لجمالهن، ويلبسن الملابس التي تصف وتشفّ ما تحتها؛ فهن يفتِنَّ رجال المسلمين وينشرن الرذيلة، وهن متبختراتٍ في مِشيتهن مميلات أكتافهن جذبًا وإثارةً، وهن يرفعن شعورهن كالغدائر فوق رؤؤسهن ويكثرنها بما يضَفِّرْنَه حتى تميل إلى ناحية من جوانب الرأس كما يميل السنام، من البلاغة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم مميلات مائلات.. هنا قدم اسم الفاعل من الرباعي (أمال)؛ لأنه متعدٍّ؛ فالمفعول هم الرجال إثارة والثاني من الثلاثي (مال) وهو لازم؛ أي أنهن مثيرات لغيرهن، وهي في ذاتها عندها عوامل التأثر، أو أنهن يفسدن غيرهن من النساء، فضلاً عن فسادهن الذاتي مثل قراءة ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ وهي قراءة الجمهور وقراءة ﴿لتَفْسُدُنَّ﴾ (الإسراء: من الآية 4).

 

ولا يدخلن الجنة إن استحللن حرامًا، مع علمهن بتحريمه أو استهزأْن بمعلوم من الدين بالضرورة؛ كأن استخففن بالحجاب أو ستر جسم المرأة أو ما شابه ذلك، والأحاديث التي تبيِّن أن فتنة النساء على رجال المسلمين هي أشدُّ الأمور خطورةً كثيرةً؛ لذلك فالتبرج والسفور ولا سيما في أجواء الفقر وعدم القدرة على تكاليف الزواج أمر له تبعاته التدميرية للأخلاق، وانظر نسبة العنوسة في مصر أكثر من 10 ملايين بين الجنسين.

 

ولكن ما العلاقة بين من يحملون في أيديهم سياطًا كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات..)؟

 

إن الحديث جمع بينهما "صنفان من أهل النار لم أرَهما"، فهنا وحدة التقسيم جمعت بينهما، وإن عَدَّ بعضُنا العلاقة الجامعة بينهما في ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرهما بعدُ، فهذه ليست الجهة الجامعة بين الصنفين فقط؛ فهذه علاقة استشرافية للمستقبل وإنباء حتمًا سيكون.

 

هناك وجوه جامعة بينهما أقوى هي:

1- الامتهان في كلٍّ والاستذلال، والضرب بالسياط إضاعةً للآدمية والسفور، وما يؤدي إليه من فواحش تجلب الذل.

 

2- العلامتان تدلان على انحراف في الأمة: الأولى (فساد العلاقة بين الحاكم والمحكوم) الثانية (فساد العلاقة  الأسرية بين الرجل والمرأة وعدم إحسان التربية)؛ فالأول (فساد سياسي) والثاني (فساد اجتماعي أخلاقي).

 

3- العلاقة عكسية- الانشغال بالكبت والقهر من قِبَل الأنظمة يؤدي إلي تسيُّب وفوضى في القيم.

 

4- العلاقة تلازمية- فالحاكم المستبدّ يعمل على نشر الانحلال الذي يصرف الشعب عنه، ويشغله بغرائزه فيطلق الإعلام صارخًا ليل نهار؛ يحثُّ من خلال ما يعرض من أفلام وأغانٍ وبرامج لا تمجِّد ولا تُعلي إلا من لا قَدْرَ لهم، وتعمل على نشر الرذائل وَفْقَ خُطَطٍ مُمَنْهَجَةٍ كما نرى ونعايش (إلهاء- تفريغ- تشويه- طمس معالم الهوية) هذا دور وسائل الإعلام التي تبث سمومها وفق منظومة يريدها المستبد.

 

إذن فكلما أراد المستبدُّ إلهاء الناس امتدح العري والتفاهات، وحطّ من شأن كل ما هو مفيد، وأقصى الجادين.

 

وإن أنسى لا أنسى دور جاسوس روسي، كانت كل مهمته لخدمة الدولة الغربية التي يعمل لحسابها شيئًا واحدًا، وقد أصبح في مكان ريادي يُتيح له التعيين والانتقاء كانت مهمته هي اختيار أسوأ المتقدمين وتعينه، ومع دورة الأيام أفرغت المناصب من كل الكفاءات وأصحاب المواهب، وأصبح من فيها رُوَيبضات؛ إذن عندما يستبد بالأمور فاسدوها فقد تُودِّع من الأمة.

 

والمترفون (أصحاب رؤوس الأموال) لا يبحثون إلا عن مصادر تنمِّي أموالهم، ولا كرامة لديهم لعمالة أو أخلاق؛ لذلك هلك وطن ساده مترفوه، والويل لمن تحَكَّمَ فيه من لا قلبَ له، وعُدْ واقرأ الحديث برواياته وانظر ماذا ترى؟!

-------

* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب.