إنَّ المتتبعَ للأزماتِ التي تمر بها البلاد يُوقن بأنَّ وراءها الكثيرَ من المنتسبين للحزب الحاكم، أو بمساندتهم المفسدين المتسببين في هذه الأزمات، ويتواصى الجيل منهم تلو الجيل على ذلك، ولديهم الإصرار على أنه لا بد أن يعيش الشعب في أزماتٍ مستمرةٍ طوال حياته.. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات: 53)، والسؤال الذي يفرض نفسه: أليس من هؤلاء رجلٌ رشيدٌ يصرخ فيهم صرخةً لله قائلاً لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ(39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40)﴾ (غافر)؟!.

 

أليس من هؤلاء رجل رشيد يقول لهم: "كفاكم طوارئ، ودعونا نُحكَم بالقانون الطبيعي الذي يتعامل به العالم كله؟! أليس من حق الشعب أن يعيش حياته الطبيعية التي كفلها له الدستور والقانون؟! أليس من حق الشعب أن ينال حريته؟! أم أنه كُتِبَ عليه أن يعيش ذليلاً مقيدًا بالقيود والأغلال جيلاً بعد جيل من شرذمةٍ استفردت بالسلطة وأطاحت بكل مخالفيها؟!".

 

إن البلادَ لا يُطبَّق فيها قانون ولا يُنفَّذ فيها دستور، فلماذا قانون الطوارئ إذن؟! فالسلطة التنفيذية هي المهيمنة والمسيطرة على البلاد من شرقها إلى غربها؛ فلا قيمةَ لأحكام القضاء، ولا قيمةَ لمواد الدستور، ولا قيمةَ لأي قانون إذا كان سيحقق مصلحة للشعب، ويُوقف الحزب الحاكم عند حده، فإذا كان القضاء والقانون والدستور سوف يتعارضون مع مصلحة الحزب فليذهب هؤلاء جميعًا إلى الجحيم، وعلى رأسهم الشعب، ولا صوت يعلو على صوت المعركة.

 

وإن كنتَ في شكٍّ مما أقول فانظر إلى جحافل الأمن وهي تحاصر مقار لجان التقديم للمحليات؛ حتى تمنع مَن لم ترغب السلطة في تقديم أوراقهم للترشيح للمحليات، وانظر إلى جحافل الأمن وهي تحاصر مديرية الأمن بالشرقية حتى تمنع أي أحد غير مرغوب فيه من تقديم أوراقه للترشيح للمكان الذي خلا بوفاة الشيخ ماهر عقل- رحمه الله- وانظر إلى جحافل الأمن وهي تحاصر اللجان في انتخابات مجلسَي الشعب والشورى؛ لتمنع المواطنين من الإدلاءِ بأصواتهم لمَن يرغبون فيهم، وهناك الكثير مما يعرفه القاصي والداني، والذي أصبح لا تخفى على العالم؛ وذلك في ظل الفضائيات التي تنقل الحدث بالصوت والصورة أولاً بأول.

 

أليس من هؤلاء رجلٌ رشيدٌ يقول للمتلاعبين بأقوات الشعب: "كفاكم نهبًا لأقوات الشعب، وكفاكم متاجرةً بمقدراته وثرواته.. لا تصدروا السلع للصهاينة وتجوعوا أبناء وطنكم!!، عيب عليكم أن توفروا الرفاهية لمَن قتلوا أسرانا، واحتلوا ودنسوا قدسنا وأقصانا، وأذاقوا إخواننا سوء العذاب في غزة وفلسطين، وأبناء وطنكم يصبحون ويمسون في طوابير لا نهايةَ لها"؟!.

 

أليس من هؤلاء رجل رشيد يقول لهم: "كفاكم استيراد قرنيات تحمل فيروس "سي"، وكفاكم اللعب بحياة الشعب المسكين؛ الذي يتقلَّب بين مكر الماكرين وغدر الغادرين؛ حيث الضربات الموجعة التي يتعرض لها الشعب من حين لآخر"؟!.

 

فلك الله أيها الشعب الأبي!؛ فالكل يبيع فيك ويشتري؛ فدمك مُوزَّع بين العبَّارات، والطائرات، وأكياس الدم الفاسد، وأكل الكلاب والحمير، والمواد المسرطنة، واللحوم التي لا تصلح للاستخدام الآدمي، إلى غير ذلك من الجرائم التي لن يغفرها الشعب لهم، ويكون الحساب يوم الحساب.

 

يا قوم.. أليس منكم رجل رشيد يقول لمَن يُصدِّرون الحديد والأسمنت والطوب إلى الكيان الصهيوني لبناء الجدار العنصري: "لا تخونوا أوطانكم وترتموا في أحضانِ أعدائكم؛ فإنَّ التاريخَ سيفضحكم، وسوف تلعنكم الأجيال القادمة!!، فيا حسرتاه عليكم؛ فلقد أحدثتم أزماتٍ في بلادكم كي ترضوا عدوكم!، فأين إخلاصكم في حبكم لوطنكم؟! وأين انتماؤكم الصادق لهذه الأرض، التي تربيتم عليها، وترعرعتم في رباها، ونشأتم بين أحضانها؟!".

 

أليس منكم رجل رشيد يقول: "يا قوم.. إننا في عصر الديمقراطية، ولا حاجةَ للمحاكم العسكرية التي أصبحت نقطةً سوداء في جبين النظام الحاكم، الذي أصبح يُجيد فن الإطاحة بمخالفيه؛ وذلك عن طريقِ تلفيق التهم للأمناء والمصلحين من أبناء الأمة"؟!.

 

أليس منكم رجل رشيد يأخذ بيد الحاكم ويوجهه إلى ما فيه خير البلاد والعباد؟! أليس منكم رجل رشيد يقول قولة حق تنجيه من عذابِ يومٍ غليظ؟! أليس منكم رجل رشيد يصرخ في قومه: أن أخرجوا المظلومين من السجون، وأعيدوهم إلى ذويهم قبل أن يأتيَ يومٌ يعض الظالم فيه على يديه حسرةً وندامة؟!.. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (29)﴾ (الفرقان).

 

إنَّ النظامَ الحاكم يتبع سياسة الإقصاء لكل مَن يرى في المنام أنه يريد الإصلاح لبلده وبني دينه وجنسه، فيتعرَّض للاعتقال بسبب أحلامه التي لم تخرج من غرفة نومه، وهذا ما نقرؤه في الصحف من أنهم قبضوا على تنظيمٍ كان ينوي قلب نظام الحكم!!، سبحان الله!!.. الله- سبحانه- العليم بما في الصدور لا يؤاخذ عباده بما في قلوبهم ونياتهم، وأنظمتنا تعاقب على النيات.. أليس من هؤلاء رجل رشيد يقول لهم: "كفى سخريةً بعقول الشعب واستهزاءً به"؟!.

 

يا قوم.. هل يعقل أن أستاذ تفسير كالدكتور عبد الحي الفرماوي تكون تهمته: المشاركة مع حماس في صنع طائرة بدون طيار؟! هل يعقل هذا من أستاذ تفسير يتهم بعملٍ تعجز عن تحقيقه دولة؟!، والله.. إذا كان أستاذ التفسير لديه هذه الإمكانيات فإنه على الدولة أن تستفيد بما لديه من إمكانيات لصالح الدولة وتكرِّمه، لا أن تحبسه.

 

أليس منكم رجل رشيد يقول لهم: "يا قوم.. استفيدوا من خبرات أبناء الشعب المخلصين؛ فإنهم لن يبخلوا على بلدهم؛ ففي الشعب الكثير ممن لديه من الخبرات التي تحقق التقدم والرفاهية للشعب، وتساهم في حل مشكلاته، فأفسحوا لهم المجال، وأعطوهم مساحةً من الحرية، وشجعوهم؛ فهم أولى من غيرهم"؟!.

 

أليس منكم رجل رشيد يقول لقومه: "لا تكونوا مناوئين لكل مصلح، ولا تكونوا محاربين لكل شريف؛ حتى لا تكونوا مع من قالوا لنوح: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (الشعراء: 116)، وحتى لا تكونوا مع الذين قالوا للوط:﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (الشعراء: 167)، ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: 56)"؟!.

 

يا قوم.. احذروا غضب الجبار، وأنقذوا أنفسكم من النار، واعملوا ليومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار، وصونوا أوطانكم من الدمار؛ فهذه مصر رائدة العالم، ومعلمة الأجيال، أصبحت في ذيل القافلة؛ وذلك لكثرة العملاء والمنتفعين الذين لا يعملون لمصلحتها، والذين يتاجرون في أقواتها وأرزاقها وترابها لمصلحتهم.

 

فيا قوم.. اتقوا الله فينا، ولا تخزونا أمام العالم.. أليس منكم رجل رشيد؟!.