سهيلة الحسيني

كانت صاحبة قلم رشيق، يأخذك- دون أن تدري- إلى حيث تريد.. تُقنعك بفكرتها بسهولة.. تأسرك كلماتها الرقيقة حين تتحدث عن أستاذيها الغزالي ثم عمارة.. تبعث الحماس في قلبك حين تذكِّرك بالأمجاد الضائعة لأمتنا.. تلحظ علامات الحنين والشوق الذي يقتلها حين تبدأ في الحديث عن الموصل؛ بلدتها التي تعشقها، والتي حبَّبتني شخصيًّا فيها من روعة ما كتبَت عنها.

 

كان المرض يشدها إلى الأرض، وروحها وثَّابة إلى السماء، كانت تعاني من آلام مبرحة بسبب المرض، وما تكاسلت أو تراخت عن قضيتها أو فكرتها حتى اختارها الله لجواره، وهي إن كان جسدها مريضًا إلا أنّ روحها ومعنوياتها كانت في السماء.

 

وهكذا المخلصون دائمًا لقضيتهم وأفكارهم.. يتألمون ولا يصرخون إلى أن يؤدوا رسالتهم على أكمل وجه.. يعانون.. ولكنهم لا يتوقفون عن الإبداع.. يواجهون المرض بقلب المؤمن الواثق من قدرة ربه على الشفاء، وإزالة آثار أي مرض مهما كان عضالاً عصيًّا على العلاج البشري.

 

ما أروع هذه السيدة التي لم تفلح أزمة العراق في أن تهدَّها؛ رغم أنها حطَّمت الآلاف!!، ورغم أنها تركت جرحًا غائرًا في قلبها العليل الذي لم يتحمَّل ما أَلَمَّ بأهل بلاد الرافدين!!

 

لم يستطِع الموت الذي ضمَّ رفيق عمرها أن يوقف نظرتها المتفائلة إلى الحياة، ورغبتها المتواصلة في أن تقول شيئًا مختلفًا، إلا أن الموت تمكَّن منها في النهاية؛ فرحلت في صمت.

 

وكما كانت سعادتي غامرةً بالتعرف عليها كان حزني شديدًا حين سمعت نبأ وفاتها، الذي ما زال عدد كبير من محبِّيها لم يسمع به إلى الآن، وهو الأمر الذي يمثل كارثةً عظيمةً تتعلق بمدى التعتيم الإعلامي عن رموزنا الأدبية والثقافية والدعوية والفكرية، في الوقت الذي تسلّط فيه الأضواء الكاشفة على من لا يستحقون الاهتمام في حياتهم، فضلاً عن بعد موتهم.

 

إنه الموت الذي آلت إليه "الحسيني"؛ التي عرفتها عن قرب، فارتاحت في رحابه بعد رحلة مضنية من العذاب والمعاناة التي تنوَّعت أسبابها، ولكن النتيجة كانت واحدةً؛ وهي أنّ ذلك الألم الذي لازمها فترة طويلة من عمرها لم يستطع أن يهزَّها أو يثنيَها عن مبادئها، وهكذا العظماء، كالأشجار يموتون واقفين؛ لا تؤثر فيهم رياح الشر، ولا تقصمهم نوازل الدهر.

 

إليك سيدتي.. أقدم اعتذاري بعد أن ترجَّلتِ إلى الدار الآخرة تاركةً إيانا نُكابد ما نُكابد. اعتذارًا عن تجاهلك في حياتك وبعد وفاتك.

 

أقدِّم هذا الاعتذار بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن أجهزة إعلامنا التي أصيبت بالغفلة، وإعلاميينا الذين يهرولون خلف نجوم السينما والرياضة؛ تاركين كنوزًا ودُرَرًا يقتلها التجاهل وعدم الاكتراث.

 

ما أروع أن تؤمن بأن قلمك يستطيع أن يغيِّر الدنيا إلى الأفضل!! وما أحلى أن تعاصر من يوقن أنّ الكلمة سيف يجب أن يوجَّه في مكانه الصحيح!! ما أحلى أن تقول: إنك عشت فترة إلى جوار "سهيلة الحسيني"!!.

-------

* صحفي مصري.