الأمة الواعية هي التي تتأمل في الحوادث والأحداث التي تمر بها، لتستفيد من الدروس والعبر، فتعالج الأخطاء وتبحث عن الأسباب التي أدَّت إليها حتى تتجنبها، وتدرس أسباب النصر والتوفيق حتى تطبقها، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).

 

وفي هذه الأيام تمر بنا ذكرى أليمة، مضى عليها أكثر من أربعين عامًا، لكنها حاضرة في الأذهان والعقول، شديدة الألم، والمرارة على كلِّ وطني وعربي ومسلم حر، فلم تكن الهزيمة النكراء في يونيو 1967م هزيمةً عسكريةً حقيقيةً، التقى فيها جيشان فهزم أحدهما الآخر؛ لأن الجيش المصري العظيم لم تتح له الفرصة كي يواجه الاحتلال الغاشم، وإنما كان الفساد الذي عم البلاد وطال كل المؤسسات، والذي رعاه استبداد وقهر وتسلط، وعدوان على الحريات وحقوق الإنسان، هو السبب المباشر وراء انهيار الجيش المصري في ست ساعات أمام الاحتلال الغاشم والله عز وجل يقول للمسلمين عقب غزوة أحد ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165).

 

هزيمة الاستبداد

لم تكن الهزيمة إذن عسكرية بل كانت قبل ذلك هزيمة نفسية وأخلاقية، هزيمة للاستبداد والفساد، هزيمة للرأي الواحد والفكر الواحد، هزيمة لمنهج الإقصاء وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة، هزيمة للمناهج العلمانية والإلحادية التي حاربت الدين والتدين، وألقت بالأطهار في السجون والمعتقلات، واعتدت على الحرمات والأخلاق والضمير الوطني، هزيمة للإنسان المصري من الداخل، فكيف له أن يكون مسئولاً عن الهزيمة؟.

 

إن الوطن المسلوب الإرادة لا يمكن أن يواجه تحديًا، والشعب الخائف لا يمكن أن يصنع نصرًا، والمواطن المذعور لا يستطيع أن يحقق تقدمًا في أي مجال، ناهيك عن تحرير الوطن واستعادة الأرض والكرامة، فلا انتصار إلا بإشاعة الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولا انتصار إلا باحترام ثوابت الأمة وعقيدتها ومقدساتها وتاريخها، ولا انتصار إلا بإطلاق طاقات الشعوب الكامنة للإبداع والابتكار وقبول التحدي، ولا انتصار إلا بإفساح المجال للرأي والرأي الآخر، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وإشاعة الأمن والأمان والطمأنينة بين أبناء الأمة، وتوفير الكرامة الإنسانية وأسباب الحياة الكريمة للمواطنين، التي تزيد الانتماء والولاء، وتوفر أسباب الاجتهاد والصبر والتحمل، والله عز وجل يقول ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 160).

 

لا أمن بلا حرية

واجب الأمة- وهي تتذكر هذه المرحلة التاريخية الأليمة- أن تتأمل في وقائعها، وأن تعتبر من دروسها، وأن تبحث: هل تخلَّصت من الأسباب التي أدَّت إليها؟ وهل عالجت الجذور التي أدَّت إلى نتائجها؟ لماذا، لأنه- مع الأسف- لا يزال الكثير من الأسباب ماثلاً في الواقع، حاضرة في حياة الوطن، فلا أمنَ تحقق للمواطنين الشرفاء، ولا حريةَ يعيش فيها الشعب في أمان، ولا ديمقراطيةَ تُنظم تداول السلطة ونزاهة الحكم، ولا استقرار يزيد التنمية والازدهار والرفاهية، ولا احترامَ لثوابت الأمة يقوي العقيدة في النفوس، ويزيد الإيمان في القلوب، ويقوي علاقة المواطن بربه ودينه، والله- عزَّ وجل- يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: من الآية 126).

 

يجب أن نتخلص من الأسباب التي أدت إلى الهزيمة النكراء، التي ما زلنا نعاني من مرارتها، ويجب إطلاق طاقات الشعوب نحو الإبداع والتقدم والرقي والنهوض، ويجب استنهاض الهمم وإشاعة روح المثابرة والاجتهاد، والانطلاق نحو تحقيق آمال الأمة، وتعزيز مكاسبها وطموحاتها، وتحفيز المواطنين على البذل والعطاء والتضحية، باعتبارهم شركاء حقيقيين في حاضر الأمة ومستقبلها، ومسئولين فاعلين في الحفاظ على أمنها وسلامتها.

 

إن الشعوب الحرة الأبية قادرة على تخطي الصعاب، ومواجهة التحديات والخروج من الأزمات مهما كانت كبيرةً، ما دامت متسلحة بإيمان عميق بربها، وثقة مطلقة في دينها وتاريخها، وأمل عظيم في حاضرها ومستقبلها، وقدرة هائلة في تحدي الصعاب والعراقيل، وإحساس حقيقي بالمشاركة والتفاعل والمسئولية، وروح خلاقة في مواجهة الأعباء الجسام والمهام الجليلة.

 

منح تاريخية

إن الهزائم والانتكاسات تتحول إلى منح تاريخية للشعوب الناهضة، ومحطات انطلاق نحو المستقبل للأمم الواعية، إذا كانت حافزًا على الصمود والتحدي، ورائدًا لتصحيح المسار ومواجهة الأخطاء، وإصرارًا على النهوض والانطلاق، وعزمًا على تجاوز الأزمات والمشكلات وتحمل الأعباء.

 

إن وحدة الصف العربي والإسلامي هي من أوجب الواجبات الآن، وهي التحدي الأول الذي على القادة والمسئولين مواجهته بصدق وتجرد وشفافية، ووحدة الصف تتطلب إعادة بناء الشخصية من جديد، كي تكون أكثر قدرةً على مواجهة التحديات وتخطي الصعاب، ولا بد من بناء الشخصية وفق أسس الإيمان والعقيدة والأخلاق الفاضلة، ولا بد كذلك من إعادة بناء المجتمع العربي والإسلامي على أسس الوحدة والتعاون والتكافل، والله عز وجل يقول ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).

 

إن الإخوان المسلمين على يقين من انتصار الحق والعدل في نهاية المطاف، وعلى يقين كذلك من قدرة هذه الأمة العظيمة على التعافي والانطلاق وانتزاع الحرية من جلاديها، ومن قدرتها على مواجهة أعدائها في ساحات النزال الشريف، وسوف تثبت الأيام والسنون صدق هذا اليقين؛ لأنها أمة الجهاد والرباط، ﴿.... وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)﴾ (الروم) صدق الله العظيم.