من الوفاء الإنساني ألا أنساه، ومن الوفاء الإسلامي ألا أضيع حقَّه في الوجود بين محبيه في ذكراه، من الوفاء أن أُذكِّر الناسَ، كلَّ الناسِ، بهذه الشخصية الفريدة، والتي لم أُعايشها كثيرًا بقدر ما عايشتُ أفكارها ومبادئها وخطواتها والقصص التي تُليت على جيلنا حولها.
من الوفاء أن أذكر مَن ذكَّرني قبل وفاته في إحدى الليالي أن الابتلاءَ ضريبةٌ يدفعها الأحرار، وأنَّ الله يحفظ مَن يحفظه، وأنَّ البلدَ لن ينصلح حالها إن أخذت ضربات المتحاملين علينا وتحركات العسكر ضدنا وقرارات التضييق علينا وقتًا كثيرًا من وقتنا وتفكيرنا.
كان يُذكِّرنا أنا وأخي بالله، ورحل عن دنيانا مساء الخميس 29/5/2003م وصليتُ عليه بعد الجمعةَ في مسجد التوبة وأنا أبكيه وكلماته ما زالت ترن في أُذني، ويد المعزين تربتُ على كتفي، وعيناي ترقب نعشه بحزنٍ يترجم ما في قلبي، بل حتى اليوم.. عندما أمر على ابنه الأكبر في عمله وأنظر إليه تظلل عيني سحابةٌ من الحزن؛ لأنه يُذكرني بأبيه ورحيله الصعب.
الأستاذ عوض القهوجي، لمَن لا يعرفه، هو أحد أعلام جماعة الإخوان المسلمين بمحافظة البحيرة، وأحد القلائل الذين سعَوا إلى إعادة قراءةِ تاريخ الأمة وتقديمه في صورةٍ يسهل على القارئ- أيًّا كانت ثقافته أو مرحلته العمرية- قراءته، وهو واحدٌ من الإخوان الذين حملوا على عاتقهم عبء توصيل الفكر الإسلامي إلى كافةِ أنحاء المحافظة.
رصد عددٌ من إخوانه قبل وفاته بعضَ كلماته حيَّةً، ترصد خلفيات إيمانية عميقة ودلالات فكرية؛ منها: "دعوتنا ربانية وربِّ العزة.. ثقوا أنه مهما طال الليل فالنصر آتٍ؛ لأن صاحب الدعوة لا تختلف ثوابته.. لم أفهم القرآن إلا على فراشِ الموت.. رأيتُ حديث المصطفى صلوات الله عليه "خُذْ مِنْ صحتك لمرضك" مجسَّدًا أمام عيني في أيامي هذه.. القرآنَ القرآنَ أيها الأخ؛ لا ينفك عنك ولا تنفك عنه.. دواء قدمي المريضة أن تمشيَ في سبيل الله.. لم أجد أحبَّ إلى نفسي من أن أتواضع لإخواني.. رحم الله أستاذنا محمد الدسوقي الذي كان يحمل صفاتٍ من صفاتِ النبوة".
وُلِدَ الأستاذ القهوجي في عام 1958م، كان متزوجًا وله ثلاثة أبناء (محمد، أحمد، وعبد الله) بارك الله فيهم، انضمَّ إلى جماعةِ الإخوان المسلمين عام 1975م، وكان يعتبر الأستاذ محمد الدسوقي- رحمه الله- الأب الروحي لإخوان البحيرة، هو والده الروحي وسر توطيد علاقته بفكرِ الإمام الشهيد حسن البنا- رضوان الله عليه-، وسافر للعمل باليمن الشقيق سنة 1979م حتى 1984م، وبدأ بإلقاء محاضراتٍ في الفكر الإسلامي والتاريخ والأخلاق منذ عام 1985م بمسجد الإمام محمد عبده بدمنهور، وعرفتْه بعدها كلُّ مساجد محافظة البحيرة.
تعرَّض للاعتقال- رحمه الله- في شهر سبتمبر من عام 2000م، وظلَّ رهن الاعتقال لمدة ثلاثة أشهر، ورغم أنَّ المرضَ عَرَفَ طريقه إلى مرِّيئه عن طريق دوالي المريء منذ عام 1982م، غير أنه لم يكن يُصرِّح بآلامه إلى أحد، كما ذكر إخوانه، ولم تكن البسمة تُغادر شفتَيه، حتى وقتَ إلقائه الدروسَ داخل فصول المدارس.
حكى إخوانه عنه أنه كان صاحب دعوة، مشغولاً بها ولها، ويتجوَّل دائمًا حاملاً حقيبته الصغيرة الشهيرة التي تركها تبكي على فراقِ خليلٍ، وحقيبة القهوجي كانت تضم: مصحفًا، كُتيِّبَ المأثورات، موضوعًا يعده لمحاضرة، مسبحةً، ومشطًا.
تقول السيدة أم محمد زوج الأستاذ القهوجي إنه ما أغضبها قط طيلة سنوات زواجهما الذي بدأ في زفافٍ بسيارة الدكتور "محمد جمال حشمت"، وكان خلالها الزوج الصدوق والصديق الوفيّ والحبيب المخلص والأب الحنون.
يقول إخوانه إنه لم يكن يذكر زوجته إلا بالخير، وكان كلما التقى بالأخوات أثنى عليها، وأكد أنها لم تفعل إلا ما يُسرُّه.
رحل الأستاذ القهوجي تاركًا للمكتبة الإسلامية تسعةَ كتبٍ؛ آخرها يحمل عنوان (حياة المرشدين للإخوان المسلمين)، أما الكتب الثمانية الأخرى فهي: فضائل بيت المقدس، عز الدين القسام.. بطل الشام، صلاح الدين الأيوبي، هارون الرشيد.. الخليفة المفترى عليه، الفتح الإسلامي لمصر، الغزوات والسرايا، محمد الفاتح، معركة اليرموك الفاصلة.
ويذكر مَن عاشروا الأستاذ عوض القهوجي أنه كان يعي معنى البسمة الصافية الراضية التي لا تشغل بالدنيا بالاً، حتى إن مواقفه الدعوية كانت تصدر بغيرِ تكلُّف.
وقد سأله أحد زملائه المدرِّسين تبرعًا لأسرة فقيرة مات عائلها فقال له: "امدد يدك في جيبي.. خذ ما شئت ودع ما شئت"، وعرف عنه أنه لم يترك صلاةَ فرضٍ من فروضِ الله، حتى قبل مماته تيمَّم على ثوب زوجته، ثم أخذته سكرةٌ، فلمَّا أفاق أعاد التيمم ثم صلَّى آخر صلواته، كما لم يَدَعْ قراءةَ ورده اليومي من القرآن حتى رحل عن الدنيا، وكان يزيد عليه ورد استماع (شريط يوميًّا للشيخ الحذيفي)، وظل حتى ساعاته الأخيرة يُتابع أخبار المسلمين في فلسطين والعراق، ويطلب مشاهدة نشرات الأخبار.
ومن الأشياء المهمة في طريق النهاية ما رآه من بشاراتِ الساعات الأخيرة، وما حكاه لإخوانه ورواه أكثر من مصدر؛ حيث رأى الأستاذ القهوجي مبنًى عالٍ أخضر اللون، كثير الأبواب، وهو يقف أمامه ومعه جمعٌ من إخوانه، وسمع منادٍ يقول: "ادخلوا من أي الأبوابِ شئتم"، وكان- رحمه الله- يرويها وصوت بكائه يعلو صوت حديثه.
وأكد مَن لازمه آخر أيامه أن عيناه برقتا، وطالب الحضورَ بنطق الشهادتَين، ثم وصف لهم طائرًا رآه وقال: "سمعتُ مناديًا يقول لي: "هذا الذي سيطير بك إلى الجنة".
تكرر ذات الموقف، غير أنه طالب الحضور بالنطق بالشهادتين، وسمعه مَن حوله يتمتم قائلاً والسعادة تُشرق على وجهه: "كل ده عشاني.. ده كتير"، ولم يعلم أحدٌ ما هذا الكثير الذي رآه!!.. ورحل القهوجي تاركًا وراءه ذكراه وحياته الدعوية نبراسًا يُضيء الطريقَ لإخوانه وشباب الإخوان، يُولد الآلاف من عوضِ القهوجي من جديد؛ يحملون الراية وسط الأهوال، ويدافعون عن الحق وينشرون العدل والحرية والمساواة، ويقاومون الاستبداد والاحتلال حتى النصر.. حتى النصر.. حتى النصر.