![]() |
|
حمدي عبد الظاهر |
قال الإمام البنا رحمه الله تعالى: "وفي إحدى ليالي رمضان زرت فضيلة قاضي الإسماعيلية الشرعي، واجتمع في هذه الزيارة مأمور المركز والقاضي الأهلي وناظر المدرسة الابتدائية ومفتش المعارف ولفيفٌ من الأدباء والفضلاء والمحامين والأعيان، وكانت جلسةً لطيفةً، وطلب فضيلة القاضي الشاي، فقُدِّم إلينا في أكوابٍ من الفضة، وجاء دوري فطلبت كوبًا من زجاجٍ فقط، فنظر إليّ فضيلته مبتسمًا وقال: "أظنك لا تريد أن تشرب لأن الكوب من الفضة"، فقلت: "نعم، وبخاصة ونحن في بيت القاضي"، فقال: "إن المسألة خلافية، وبها كلام طويل، ونحن لم نفعل شيئًا حتى تتشدد في مثل هذا المعنى"، فقلت: "يا مولانا.. إنها خلافية إلا في الطعام والشراب؛ فالحديث متفق عليه، والنهي شديد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما"، ويقول: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم"، ولا قياس مع النص، ولا مناص من الامتثال، وحبَّذا لو أمرت بأن نشرب جميعًا في أكوابٍ من الزجاج".
فتدخَّل بعض الحاضرين في الأمر وأرادوا أن يقولوا بأن الأمر ما دام خلافيًّا فلا لزوم للإنكار، وأراد القاضي الأهلي أن يدلوَ بدلوه في الدلاء، فقال للقاضي الشرعي: "يا فضيلة القاضي.. ما دام هناك نص فالنص مُحترَم، ولسنا ملزمين بالبحث عن الحكمة وإيقاف العمل بالنص حتى تظهر؛ فعلينا الامتثال أولاً، ثم إنْ عرفنا الحكمة فبها، وإلا فذلك قصور منا، والعمل على كل حالٍ واجبٌ"، فانتهزتها فرصةً وشكرت له وقلت له مشيرًا إلى إصبعه: "وما دمت قد حكمت فاخلع هذا الخاتم؛ فإنه من ذهبٍ خالصٍ، والنص يحرِّمه"، فابتسم وقال: "يا أستاذ.. أنا أحكم بقوانين نابليون، وفضيلة القاضي يحكم بالكتاب والسنة، وكلٌّ منا مُلزَم بشريعته، فدعني وتمسَّك بقاضي الشريعة"!!، فقلت: "إن الأمر جاء للمسلمين عامةً، وأنت واحدٌ منهم؛ فهو يتجه إليك بهذا الاعتبار"، فخلع خاتمه، وكانت جلسةً ممتعةً حقًّا، وكان لها صداها في جمهورٍ يرى مثل هذا الموقف العادي أمرًا بمعروفٍ أو نهيًا عن منكرٍ ونصيحةً في ذات الله (مذكرات الدعوة والداعية).
هذا مثلٌ لا ينطبق على كثير من علاقاتنا الآن، وعلى جميع المستويات، وكأنما أصابنا صممٌ عجيبٌ، غير أنه لا يشبه الصمم، وإنما- وكما يقول الأولون- "غطى هواي وما ألقى على بصري"، وهذا هو لب القضية.
كثيرة هي تلك الحالات التي يجد المرء نفسه بإزائها في موقف شديد التعقيد عندما يحاور بغية الوصول إلى الحق، فلا يجد إلا عجزًا قاتلاً وصدًّا مُحبِطًا، ويتساءل عمن أو عما يكون السبب فيما يرى دون جدوى.
عندما يرى المكروه يلم بأخيه وهو منساق إليه، مشدود بحبل إلى المعصية أو إلى ما يشين، مسلوب الإرادة دون أن يرى الخطأ ولا الخطر، وقد عميت عينه وطمس من بصيرته بعض نورها؛ فإذا ذهب إليه ناصحًا ساترًا قوبل بالإهانة والصد.
وعندما يرى المخطئ في حق نفسه، وهو من هو صلاحًا ومظنة تقوى، حين يترك أبناءه للشارع يتناولهم بالتربية والرعاية، على ما فيه الشارع من محط النفايات ومعقد الآلام، ولا يزال هؤلاء الصغار ينهلون من أخلاقه، وترى أن وفاءك بحق أخيك يقتضي منك نصحَه وأمرَه ونهيَه، فإذا ما فعلت وجدت ألمًا يرتسم على وجهه وكأنك أنت من قادهم إلى ذلك، أو ربما أجابك بما تغتم به، فإذا أنت متهم بدلاً من أن تكون ناصحًا، وجانٍ بدلاً من أن تكون مجنيًّا عليك.
وعندما تبلغ ثقة الوالد المغيب بالأبناء حدًَّا لا يصدق فيهم قولَ قائل، بل ولا يحاول أن يتبيَّن مفترضًا عدم تقصير الأم في التربية حتى ولو قصَّر هو، فيضيع الأبناء لمجرد اعتبار الناصحِ واشيًا حاسدًا، أو أنه يتبيَّن ثم يضعف أمام الأم والأبناء؛ فلا يغيِّر، بل يلجأ إلى تكذيب أخيه رغبةً في ستر ما لا ينبغي ستره إلا مع العلاج.
وعندما يحمل آلام الناس إلى من يُفتَرض فيه إيجاد الحلول لما هم فيه من فصامٍ نَكِدٍ ونقصٍ مشهودٍ، فإذا به لاهٍ ساهٍ، لا يرى بأسًا مما هم فيه دون الحاجة إلى تغيير حالهم إلى أحسن، وظروفهم إلى الخير.
وعندما يرى رأيًا يحسِّن عملاً، أو فكرةً تصوِّب خطأً فيحملها إلى صاحبها، فإذا به ثابت على قديمِ أفكارِه، جامدٌ عن التغيير، بل ومُتَّهِمٌ له بالقفز فوق ما ينبغي إلى ما لا ينبغي، ومتخطٍّ السُّلَّمَ الوظيفي دون اعتبارٍ لقواعد الفوقية والتحتية من القواعد الإدارية.
وعندما يرى المرضَ المستشريَ في جسد المريض فيشخِّص الداء ويرى الجميع منه صحة التشخيص، فإذا ما قدَّم الدواء رفضه الجميع؛ ليس لأنه لن يصيب المرض فيقضيَ عليه، وإنما لما فيه من اتهامٍ للطبيب المتخصص بالتقصير والعيّ، رغم موافقة كثيرٍ من الأطباء إياه فيما يرى من علاج.
وعندما يرى ترك المصلحة العامة تتردى وتتهاوى معها غيرها من المصالح، فيدفع في اتجاه الإصلاح الذي يقتضي البتر أو التجميد إصلاحًا لذلك، فإذا مراعاة المشاعر والخوف على الأحاسيس والعلاقات حاجزًا عن الإصلاح، والقاعدة المتعارف عليها بيننا بغير كتابة وتقنين: "الكل فداءٌ للفرد، والمصلحة الشخصية تُقَدَّم على الجماعية".
الجميع أصمَّ أذنيه عن سماع الحق، وأحكم مغاليق قلبه عن قبوله، وضاقت نفسه بمرأى أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضاع الحق وأصبحت ترى الداعية المتأوِّل لما يأتي من تقصيرٍ أو ينبو منه من أخلاق تنافي ما هو عليه من الخير، فإذا المجتمع وقد ضاع فيه الفقه والمروءة والشهامة والصلاح الذي ما بقي إلا بحفظ الله له، وتغيَّر السلوك وانحط، وضاعت القيم والمبادئ، وتشوَّه ما بقي منها إلا لدى من رَحِمَ الله ممن ما زالوا يحتفظون بالنظرة العادلة للأمور.
فما الذي، يا ترى، أدى إلى كل ذلك؟ أتراه الجهل الذي أصاب الجميع وقد انصرفوا عن القراءة والتعلم، فلم يعد بهم حاجة إلى الكتب، وإنما هو سماع بعض الوعظ والإرشاد عن طريق إحدى وسائل الإعلام دون الجلوس إلى العلماء والأخذ عنهم؛ مما غيب العلم الحقيقي الذي يستند إليه الإنسان رجلاً كان أو امرأةً في حراسة السلوك وضبط التصرفات؟، أم هو قلة التربية التي خرَّجت مشوهين لا يجيدون إلا الترخُّص، ولكل سلوك عندهم تأويل ورخصة، حتى صاروا كما قال العلماء من شرار الناس.. "إذا أخذ الرجل برخص أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام و مصر لصار من أكفر الناس"، رغم أن المطلوب منه في المنزلة التي ينظر الناس إلى مكانه فيها أن يكون من أصحاب العزائم، الآخذين أنفسهم بالحزم والقوة؟، أم عدم وجود القدوة، والتي أصبحت نادرةً في يومنا هذا، سواءٌ في العلماء أو المربين أو حتى كثير من الدعاة؛ المصلي القائم، الصائم المجاهد، المشمِّر الذي يتقي الشوك، الزاهد العالم، العامل الناصح الأمين، والذي يشار إليه بالبنان علمًا وتقوًى وورعًا وفهمًا، والذي لو أقسم على الله لأبرَّه؟.
أتراه الهوى، وهو كثيرٌ ليس له حدود إذا ما كان لكل إنسان هواه، ولذلك لم يحدد الله عز وجل سلوكًا معيَّنًا حصريًّا ينسب إليه هذا المرض، وإنما ذمَّه كله وأدرج تحته كل ما يطغى المرء لرغبة في نفسه ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: من الآية 135)، ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ (الفرقان: 43)، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 50)؟.
أم الانشغال الحياتي الذي انساق خلفه الناس دون أن يستحسن واحدٌ منهم عملَ السلف الصالح في المطعم والمشرب والملبس؛ مما دفع بهم إلى هاوية الانحراف السلوكي الذي تراكم بعضه فوق بعض، فأضعف صاحبه حتى لم يعد يستطيع منه فكاكًا ولا عنه تحوُّلاً؟.
الحقيقة أن هذا كله اجتمع على إنسان هذا الزمان، ولكن من استطاع أن يفكَّ نفسه قليلٌ، وهو نموذج موجود رأيته بعيني، باحثًا عن الحق والصواب، ممكِّنًا لأخيه من نفسه نصحًا وإرشادًا وتوجيهًا، حتى ولو بجلفةٍ أو عنتٍ؛ فهو يبحث عن الجنة أيًّا كان أسلوب من يقود إليها، وهو آخذ نفسه بالعزيمة؛ لا يأبه لما يراه الناس فيه حتى ولو رأوه صغيرًا، فلئن يراه الله كبيرًا خيرٌ له من ملء الأرض ذهبًا وفضةً ووجاهةً.
لقد رأى أمام عينه الجزاء الفوري في زمن النبوة.. "كل بيمينك" أمر نبوي لا يحتمل إلا التنفيذ "لا أستطيع".. الإجابة كانت هكذا كبرًا وبطرًا "لا استطعت".. الجزاء العادل للكبر، فما استطاع أن يرفعها، ولكن زمن النبوة انتهى، فلن يجد تلك الفورية، وإن لم يكن مستحيلاً أن يُوجِد الله عز وجل مثل هذا النموذج للعبرة.
والنماذج الأخرى كثيرةٌ قدَّمها الصحابة رجالاً ونساءً، "عن عائشة قالت: فذكرت نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني- والله- ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ولا أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل.. لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: من الآية 31)، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل (المزخرف الذي فيه تصاوير)، فاعتجرت به (شدته على رأسها تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان".
ولم يمنع عمر رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين، أن يستمع إلى (واحدٍ من الشعب)، سلمان الفارسي وهو يقول "لو اعوججت لقوَّمناك بسيوفنا" فوقف وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمة عمر من يقوِّم عمر بالسيف" فيستجيب.
والحقيقة أن علاج المسألة بسيط، أبسط مما نحمله من تعقيدات ومساجلات؛ فالنظر إلى مواضع المرض تُنبِئ أن صرامة العلاج وانضباطه هي مناط الحل وصوابه، وبالمتابعة المحكمة والرعاية بإعداد المربين وبمتابعة آثار أعمالهم فيمن تقع عليهم التربية في مؤسساتها المختلفة، والحرص على إيجاد القدوة الصالحة وإظهار المخفي منها، وعلاج مواضع الخلل العلمي، واعتماد الجدية في تناول أمور التعليم لا التثقيف، والتربية لا التلفيق، والتزكية لا التجميل؛ بهذا كله يمكن أن نتوصَّل إلى ذلك المطلب المنشود من استقامة الصف وتمكين المرءِ إخوانَه من نفسه لاعتماد مبدأ:
فإما أن تكون أخي بحقٍّ فأعرف منك غثي من سميني
وإما فابتعد بي واتخذني عدوًّا أتَّقيك وتتقيني
--------
