الانتماء: انتساب الفرد إلى جماعة بشرية معينة والولاء لقضاياها، والتفاني في خدمتها، وقد تتعدد الكيانات التي ينتمي إليها الفرد، فتأخذ شكل دوائر متقاطعة أو متداخلة، مثل الأسرة والمجتمع، والوطن والأمة؛ فدوائر الانتماء دوائر قابلة للتدرج والانتشار.
والانتماء في جوهره روح وسلوك، وعاطفة تدفع الفرد إلى القيام بأنماط سلوكية معينة، يجَسِّد من خلالها انتماءه واقتناعه العقلي بفكرة كلية عامة تحكم كل أفكاره الجزئية الأخرى.
والانتماء اختيارٌ حرٌّ من جانب الفرد، وليس جبريًّا؛ فقد يكون الإنسان في فئةٍ أو مكان، وهو في الحقيقة يعاني غربةً عنه، ولا يشعر بما يربطه؛ مما يُفقده انتماءه، ولا بد من وجود قضية تربط أفراد المجتمع وتوحدهم.
الأصول الدلالية للكلمة (انتماء): افتعال، انتساب وولاء له دوافع ومقتضيات.
وفي لسان العرب: "انتمى هو إليه: انتسب، ونمّاه جَدُّه إذا رفع إليه نسبه، وكل ارتفاع انتماء، ونمَّيت النار إذا ألقيت عليها حطبا وذكَّيتها به، وأشبعت وقودها. ونمت الناقة إذا سمنت.
وانتمى البازي والصقر وغيرهما وتنمَّى: ارتفع من مكان إلى آخر.
النَّمْءُ والنمو: القمل الصغار".
مما سبق يتضح لنا أن الانتماء علوٌّ وسموٌّ، فبه ينتسب الإنسان، وبدوافعه يزداد الانتماء، وبنواقضه ينقطع ويضعف، والعجيب أن النَّمْء كنايةٌ عن الفقر الشديد؛ مما يوحي بأن الانتماء يزيد ويضعف وَفق عوامله.
ومن أقوى ما يوظف طاقات المجتمع أفرادًا وجماعاتً (المشروع القومي)، وهو رؤية شاملة لمستقبل بعيد المدى، يحتاج إلى إرادة قوية وقادرة على تحقيقه، ثم عمل علمي منظَّم يحقِّق تصوُّرًا للمستقبل.
ومن ثَمَّ فالانتماء سلوك وقيمة؛ إن لم تغرس تربيةً وتفهيمًا فربما نشأت الأجيال وهي تنزع نحو الفردية، ولا تخضع إلى روح الجماعة الوطنية أو القومية، حتى ولو اتجهت السلطة إلى بناء ولاءٍ ما.
ففقد الدافعية للانتماء بإيجاد مقتضياته، يجعل الفرد يقع في تناقص بين ما هو مطلوب وما هو واقع؛ ففقد المصداقية أول عوامل انهيار الانتماء، فيصبح شعارًا بلا مضمون، والشجاعة الإبداعية تصدر عن التطابق من خلال حساسية المرء، مع معاناة إخوانه في البشرية، وهذه هي (الشجاعة الإدراكية)؛ لأنها تتوقف على قدرة المرء على الإدراك حين يدعو نفسه إلى رؤية معاناة الآخرين.
فالعمل على إيجاد صلة بين الأحلام والخيال الاستشرافي للمستقبل مع الواقع المعيشي مهمة المبدع؛ فيوجد نسبةٌ من التوازن تسهم في بناء انتماء سديد؛ فالشاعر والأديب يسهم في بناء القيم وإيجاد موازين تعيد للمجتمع تماسكَه وصلابتَه بعد تفكك وتشرذم، ويعمل على توجيه الرأي العام نحو معالي الأمور، وبه يتحاجز الناس عن الشر، ويدرأ عن المجتمع سيئ الأفكار.
والأسس المغلقة فكريًّا تحصر الإبداع، وتحطِّمه وتحيله هباءً منثورًا؛ فالطمأنينة والحرية أساسان للشاعر كي يحقِّق الانسجام مع ذاته أولاً ثم مع مجتمعه.
والبصيرة الإبداعية تأتي في لحظة انتقال بين العمل والاسترخاء؛ لأن العقل يحتاج إلى هدوءٍ شعوري تغيب فيه الضغوط الباطنة؛ وذلك حتى يتسنَّى للأفكار الحالمة أن تتدفق وتتابع؛ لذا فالاستبداد يُذهب عن النفس المبدعة سكينتها، ويذري مع الرياح روعة الأفكار؛ فالطغيان يهدم إنسانية الإنسان ويحيل البشر عبيدًا.. فهل سمعنا في عصر هتلر وموسوليني، عن إبداعات أدبية إلا إذا تولدت بين ركام الأغلال والقيود؟!.
فها هو عنترة بن شداد يرسف في أغلال العبودية يرعى الأغنام ويطعمها، فإذا بغارةٍ على قومه تسلبهم شرفهم؛ فقد سُبِيت نساؤهم، فجاءه أبوه متوسِّلاً (كُرَّ يا عنترة)، وعنترة يردد: إن العبد لا يحسن إلا الحلاب والصَّرَّ.. كرَّرها أبوه مرتين، وكذلك عنترة.. أنَّى يكون الكَرُّ من العبد وهما نقيضان؟!.
الكَرُّ انطلاقٌ وسَعَةٌ، وعنترة عبد، والعبودية قيود وأغلال، إذن.. كيف ينطلق المقيَّدُ المعطَّلُ الإبداع، المسلوب الذات والإرادة؟! بل كيف ينطلق مقهورٌ ليحرر غيره؟!.
(كُرَّ يا عنترةُ وأنتَ حُرٌ).. كلمة أعادت له آدميته، شعر بكيانه فانعتق عنترة من إساره؛ إذ سمع قرار حريته.. لحظةٌ أحالت الزمن رُكامًا، فانطلق من بين غباره انطلاقةً وَسِعَت الأفق، وامتدت نحو المعالي سموًّا، فما شعر به قومه إلا عائدًا وقد حرر السبايا وأعاد الأسرى.
لقينا يوم صهباء سرية حناظلةً لهم في الحرب نية
لقيناهم بأسياف حداد وأُسْدٍ لا تفر من المنية
وكان زعيمهم إذ ذاك ليثًا هزبرًا لا يبالي بالرزية
ورحنا بالسيوف نسوق فهيم ......................
وكم من فارس منهم تركنا .........................
فوارسنا بنو عبس وإنا ليوث الحرب ما بين البرية
نجيد الطعن بالسمر العوالي ونضرب بالسيوف المشرفية
وننعل خيلنا في كل حرب من السادات أقحافا دمية
ويوم البذل نعطي ما ملكنا من الأموال والنعم البهية
ونحن العادلون إذا حكمنا ونحن المشفقون على الرعية
تتوارى ذات الشاعر، ويجلو انتماؤه واضحًا (ضمير الجمع المتكلم)؛ فهو وإن كانت ذاته طويت في الجماعة، غير أنه يُعلي شأن القبيلة، ولا يسعى إلى مغنم شخصي، حتى في المرة الوحيدة التي ظهرت فيها ذاته (وها أنا طالب قتل البقية)، كانت إعلانًا عن عزمه على المضي في قتل بقية أعداء قومه.
وكثيرًا ما كانت التجارب العاطفية عاملَ تعلُّقٍ بالوطن، حتى إنه يمكننا أن نعقد علاقةً بين المقدمات الطللية وما يعقبها من تشبيبٍ وغزلٍ بالانتماء إلى الوطن، الذي كان محلاًّ لأحداثٍ ومواقفَ أصبحت ذكريات تستدمع العين حتى كادت الروح تزهق حال فراقها.
تلفّت نحو الحي حتى وجدتني من الإصغاء وجعت ليتًا وأخدعًا
وقال إلياس بن الأرت:
أحب الأرض تسكنها سُليمى وإن كانت توارثُها الجدوب
وما دهري بحب تراب أرض ولكن من يحل بها حبيب
من عوامل تنمية الانتماء تلبية الحاجات الضرورية للإنسان
أ- قيم معنوية: (الشعور بالذات والقيمة، أي عدم التهميش والإقصاء).
ب- قيم مادية (توافر ضروريات المعيشة "دم الحرمان" ): فالإنسان الذي يشعر أنه بلا قيمة إما أن يقدم على الانتحار بعدما حقَّق كل رغباته، وإما أن ينقِمَ على المجتمع، وقد يتوجّه إلى الإجرام أو التطرف.
فالمجتمع الذي يعاني من البطالة يُوجِدُ هذين الصِّنفين لا محالة؛ مما يفقد أفراده الانتماء، ولا يحسن توظيف طاقات هائلة تصبح مهدرة؛ لأنها معطَّلة، فتفرغ ما لديها في الجنس والمخدرات أو غير ذلك؛ فأخطر شيء هو غياب الوعي بالرؤية الصحيحة.
فهذا هو الحصين بن الحمام المُرِّي يعكس حالة التيه والضياع؛ مما أفقده توازنه، لكنه سرعان ما استعاده واتضحت رؤيته للأشياء:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما
والحرية والإحساس بالأمن الداخلي (تواؤم الإنسان مع نفسه) والخارجي أهم الجوانب في إيجاد ذات سوية منتمية إلى وطنها، محافظةً عليه وعلى مُقدَّراته.
والجانب المادي؛ من تلبية حاجات الجسد مطعمًا وملبسًا، ورغبات مشروعة، كل هذا يُنَمِّي لدى الأفراد والمجتمعات انتماءها، والعكس.
وفي أوائل سورة النحل ما يدعم ذلك الفهم ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (النحل).
النظرة الجمالية والتأمل ومن ثَمَّ الإبداع.. متى يأتي؟
بعد الإحساس بالأمن.. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (هود: 74)، وسورة "قريش" جمعت الاثنين ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 4)؛ لذلك لمَّا تخلَّى عن "الشَّنفري" قومُه أقلع عنهم وترك المكان؛ فوطنه حيث عِزَّته، وحيثما حقَّقَ ذاته؛ فليس الوطن بقعةً جغرافيةً تُهدَرُ فيها عزةُ الإنسان وتهان كرامته.
أقيموا بني أمي صدور مَطِيَّكم فإني إلى قوم سواكم لأميلُ
---------
* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب