(1)
إن أحلكَ اللحظات وأشدَّها صعوبةً على النفس هى تلك اللحظات التي تسبق ساعة النصر، فقبل أن يأتي نصر الله تزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، وتتزلزل الأرض من تحت الأقدام، وتلعب الظنون بعقول المؤمنين، وقبل أن يأتي نصر الله تنزل فتن البأساء والضراء وابتلاءات الغلاء وضيق الرزق وضيق الصدور، وتصبح الفتن سوداء مظلمة كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا، وقبل ساعات النصر يشتد البلاء على المؤمن حتى يوقن بالهلاك؛ حينذاك يتنزَّل نصر الله ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله قال تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)) (يوسف).
(2)
إنها يد القدر التي لا تعجل لعجلة البشر؛ إنها حكمة الله أن ينزل النصر على عباده وقتما يشاء.. أنَّات المظلومين تتصاعد ليلاً ونهارًا، وسياط العذاب لا تكفُّ عن ظهور المظلومين ليلاً ونهارًا، وتمرُّ ساعات الظلم بطيئة الثواني على المظلومين، الذين جفَّت حلوقهم، ووهنت عظامهم، ودبَّ اليأس إلى قلوبهم، ولكنها حكمة الخالق التي قد تخفى على الكثيرين، ولكننا على يقين من أن الله أرحم بعباده من رحمة الأم بوليدها، ونعلم علم اليقين أن الله يسمع ويرى ما يجري لعباده، وحاشا لله أن يكون غافلاً عما يعمل الظالمون.
وحتى لا يتسلَّل الشك إلى قلوب العباد ينزل أمين الوحي جبريل على رسول الله ليبيِّنَ له حكمة الابتلاء ووظيفة الابتلاء قال تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)) (آل عمران) وقال أيضًا (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)) (آل عمران).
(3)
ونحن على يقين من عدل الله، قال تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)) (فاطر)، والأمور لا تؤخذ بظاهرها، فما نظنه نعيمًا للظالمين هو في حقيقة الأمر ليس كذلك، وصيحات النصر التي نسمعها منهم ليست كذلك، بل إن آلام الظالمين قد تفوق آلام المظلومين قال تعالى (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)) (النساء).
(4)
وأبى الشاعر إلا أن يأتي الفرج بعد استحكام حلقات الضيق قال:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
إنها اللحظات الحرجة التي تسبق انبلاج الفجر وساعات الفرج.
فيا أيها المؤمن القابض على دينه.. لا ملجأ لك إلا إلى الله؛ ففي ظلمات الفتن يحتاج المؤمن إلى نور البصيرة ليضيء له طريق الظلمات.. نعم لقد اشتدت وطأة الظلم، واستعر لهيب الغضب في الصدور، ولكننا نحتاج إلى أن نلجم وحوش الغضب بلجام العقل؛ فلا تدفعنا العواطف المتأجِّجة إلى قرارات متشنِّجة، وإنما النصر صبر ساعة، ويوم الأحزاب كانت يد القدر تبيد جموع الكافرين على بُعد خطواتٍ من معسكر المسلمين وهم لا يعلمون، واليوم وقد اشتدَّت الظلمة، وضاقت حلقات الأزمات، وخرج الجياع يطلبون الخبز؛ فإن نصر الله قريب.
ويا ليت هؤلاء القائمين على الأمر ينتبهون إلى أجراس الخطر التي تدق، وأن يسارعوا إلى وضع أيديهم في يد من يحاولون الإصلاح لننقذ السفينة من الغرق قبل أن تغرق بنا جميعًا، قبل أن تنفجر جموع الجائعين في ثورة لا تُبقي ولا تذر؛ فإن ثورة الجياع لا عقل لها!!.
-------------