الصورة غير متاحة

محمود القلعاوي

 

"استخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش حق النقض (الفيتو) لتعطيل قانون أصدره الكونجرس يحظر على المخابرات الأمريكية استخدام أساليب التعذيب المثيرة للجدل في استجواب السجناء؛ كالإغراق الوهمي، ويُلزمها بالتقيُّد بالأساليب الواردة في دليل الجيش، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض، وتبرر إدارة بوش موقفها الرافض للقانون بأنه يتعيَّن عدم تقييد وكالات المخابرات بمعايير الاستجواب في الجيش؛ لأن عملاءها يتعاملون مع من أسمتهم الإرهابيين، وهم ليسوا مقاتلين شرعيين يعملون وفق أساليب الحرب التقليدية".

 

قرأت هذا الخبر في العديد من المواقع ووجدت بونًا شاسعًا بين حضارتنا وحضارتهم.. بين ما هم عليهم وما نحن عليه، أهكذا يعاملون الآخر! أهكذا يُعامَل الإنسان في حضارة الإنسانية بأسرها، لن أطيل، فخير دليل على صدق المقال هو الواقع، فاخترت بعض المواقف من تاريخنا، وهي نقطة من بحر، تبيِّن واقعنا وواقعهم:

- لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها من اليهود عدد كبير، كان من أول ما عمله من شئون الدولة أن أقام بينه وبينهم ميثاقًا، تحترم فيه عقائدهم، وتلتزم فيه الدولة بدفع الأذى عنهم، ويكونون مع المسلمين يدًا واحدةً على مَن يقصد المدينة بسوء؛ فطبق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ التسامح الديني في البذور الأولى للحضارة الإسلامية.

 

- وكان للرسول جيران من أهل الكتاب، فكان يتعهَّدهم ببرِّه، ويقدم لهم الهدايا، ويقبل منهم هداياهم، ولما جاء وفد نصارى الحبشة أنزلهم رسول الله في المسجد، وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرِمين فأحب أن أكرمهم بنفسي".

 

- ولما فتح مكة ودخلها الرسول صلى الله عليه وسلم ظافرًا على رأس عشرة آلاف من أبطاله وجنوده، واستسلمت قريش، ووقفت تحت قدميه على باب الكعبة، تنتظر حكم الرسول عليها بعد أن قاومته إحدى وعشرين سنة، ما زاد صلى الله عليه وسلم على أن قال: "يا معشر قريش.. ماذا تظنون أني فاعل بكم؟"، قالوا: خيرًا.. أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: "اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل؛ لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.. اذهبوا فأنتم الطلقاء".

 

- وسيرة أصحابه وخلفائه من بعده في حروبهم وفتوحاتهم كانت قبسًا من هذا النور، وسيرًا في هذا الطريق، وتنفيذًا لتلك المبادئ، لم يفقدوا أعصابهم في أشدِّ الأوقات حرجًا، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات انتصارًا.

 

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين يدخل بيت المقدس فاتحًا، يجيب سكانها المسيحيين إلى ما اشترطوه، من أن لا يساكنهم فيها يهودي، وتحين صلاة العصر وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى، فيأبى أن يصلي فيها كيلا يتخذها المسلمون من بعدُ ذريعةً للمطالبة بها واتخاذها مسجدًا!.

 

وقد شكت إليه رضي الله عنه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها، فيسأل عمرًا عن ذلك، فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالَغ في الثمن فلم ترضَ؛ مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت، ومع أن هذا مما تُبيحه قوانيننا الحاضرة وهي حالة يُعذَر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر لم يرضَ ذلك، وأمر عمرًا رضي الله عنه أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويُعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!!.

 

ويأتي عمر رضي الله عنه يومًا شابٌّ مصريٌّ قبطيٌّ، يحمل شكوى من ابن حاكم مصر، العربي الشريف عمرو بن العاص، وقد سابق ابنه محمد يومًا، فسبقه القبطي، فضربه ابن عمرو بن العاص وهو يقول: "أتسبقني وأنا ابن الأكرمين" فيستدعي عمر الحاكم وابنه ويناول القبطي الدرة ويقول له: "اضرب ابن الأكرمين"، فيقتص القبطي من ابن حاكم بلده، ثم يقول عمر: "أدرها على صلعة عمرو.. فما ضربك إلا بسلطان أبيه"، ثم يلتفت إلى عمرو بن العاص وابنه ويعلنها مدويةً خالدةً.. "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟".

 

رأى رضي الله عنه مرةً في السوق شيخًا كبيرًا يسأل الصدقة، فقال له: من أنت يا شيخ؟ قال: أنا شيخ كبير أسأل الجزية والنفقة، وكان يهوديًّا من سكان المدينة، فإذا بعمر الإنسان العظيم يقول له: ما أنصفناك يا شيخ، أخذنا منك الجزية شابًّا ثم ضيَّعناك شيخًا، وأخذ بيده إلى بيته ففرض له ما كان من طعامه، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله، ووضع الجزية عن فقراء أهل الذمة.

 

ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدرًا بغير حق، فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصِّب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا، فنصب لهم الوالي، جميع بن حاضر الباجي، قاضيًا ينظر في شكواهم، فحكم القاضي "وهو مسلم" بإخراج المسلمين، على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة، فلما رأى ذلك أهل سمرقند رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفِّذها الدولة على جيشها وقائدها، قالوا: هذه أمة لا تحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة، فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يقيم المسلمون بين أظهرهم.

 

يقول المستر (درابر) الأمريكي المشهور: إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم كثيرًا من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب الدولة، حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا بن ماسويه، ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم، ولا إلى الدين الذي ولد فيه، بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة.

 

ويقول (رينو) في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: "إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير".

 

ثار بعض سكان لبنان على عاملها علي بن عبد الله بن عباس، فحاربهم وانتصر عليهم، ورأى من الحكمة أن يفرِّقهم ويجلي فريقًا منهم عن ديارهم إلى أماكن أخرى، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله اليوم حاكم في أرقى الأمم، فما كان من الإمام الأوزاعي، إمام الشام ومجتهدها وعالمها، إلا أن كتب إلى والي لبنان رسالة ينكر عليه ما فعل، من إجلاء بعض اللبنانيين عن قراهم، ومعاقبة من لم يشترك في الثورة كمن اشترك فيها، فما كان من والي لبنان إلا أن ردَّهم إلى قراهم معزَّزين مكرمين!!.

 

يا سادة.. هذه روائع حضارتنا فأين هي حضارتهم من ذلك؟!

المرجع: كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي.

-----------

mahmoud_elkalay@hotmail.com