![]() |
|
جمال ماضي |
1- العقلية الواعية
العقلية الواعية باتت اليوم هي المطلب الشعبي لمجتمعات أمتنا المسلمة، خاصةً أن عوامل الوعي أصبحت متوفرةً عن ذي قبل، والإسلام جاء ليطالبنا بهذه العقلية التي كرَّمنا الله بها, فمنذ أول وهلة لأبينا آدم عليه السلام، اختار الله تعالى الإنسان ليكون خليفته على الأرض، وسط دهشة الملائكة, الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: من الآية 30)، وهذا ما نراه اليوم في نشرات الأخبار, فساد ودماء, ولكنَّ الله بحكمته أراد أن يكون مفتاح التغيير عن طريق الإنسان, حينما يمتلك الوعي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 30)؛ وذلك لأن هذه العقلية ترفض الأهواء, وتنبذ الخرافات, وتتمرَّد على التقليد الأعمى, وتأبى السير في ركاب الحكام والحكومات, فلها شخصيتها واستقلاليتها ورأيها, كما أنها لا تقبل أن تحمل أي دعوة بدون برهان أو دليل قاطع: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170)﴾ (البقرة).
2- العمل البصير
هذه العقلية الواعية هي التي تمهِّد الطريق إلى التعامل الرباني، فلا أهواء توجِّهها، ولا مصالح تقيِّدها، وإنما تبحث دائمًا عن العمل الأحسن.. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 55).
هذه العقلية الواعية بهذا العمل الأحسن لا تعرف الكسل أو التواني أو التراخي أو الفتور، وإنما هي نشيطة متحركة عاملة، لا تأبه بزمان ولا مكان، فقدوتها صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة (شتلة) فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها".
في مجتمع لا يعيش كلاًّ على غيره، بل يكفي نفسه من قوته اليومي، في مجتمع لا يعيش عالةً على غيره، بل حتى سلاحه من صناعته لحماية أرضه، في مجتمع تتنزَّل فيه البركات, لا يعيش في أجواء صناعية ممن يهيمنون عليه؛ لأنه بهذه المقوّمات لا تستطيع أي قوة مهما كانت أن تهيمن عليه.
لقد ذهب عمر بن الخطاب إلى قرية في جولاته الميدانية التفقدية فسألهم: من أين تأكلون؟ قالوا: من القرية التي بجوارنا, ثم سألهم: مم تلبسون؟ قالوا: من صناعات القرية التي بجوارنا, فقال عمر: أنتم عبيد لهم.
3- الحريات للجميع
فمن هنا تأتي الحريات, وتنطلق الحرية المنشودة من محبسها, حرية في الاعتقاد, وحرية في ممارسة الشعائر الدينية.. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 99)، وحرية فكرية.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ وحرية سياسية.. لا تعرف القهر والنهر ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)﴾ (الضحى) فما بالك بما هو أعلى وأعظم من اليتيم أو السائل، حرية في مقاومة المحتل بالسلاح ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (النساء: من الآية 75).
هذه الحريات لا تعرف سيطرة أو تحكمًا أو بقاءً في الحكم أو ضربًا للمعارضة أو قصفًا لأي فكر, أو إقصاءً لكل مشارك, أو نفيًا لكل آخر مهما كانت ملّته أو ملّة قومه، وإنما هي تمهِّد الطريق إلى عدم الانفراد بالرأي أو الحكم, والاستفادة من مشاركة العقول, والعمل التعاوني وفق الدراسات المستوعبة والتصوُّر الشامل.
فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه في أُحد, وشاور في بدر, واستجاب لرأي زوجته أم سلمة في الحديبية, وعزَّز رأي الأغلبية في الخندق، وها هو في هذا المشهد يتنازل عن رأيه الشخصي لرأي عمر, ولم يقل لعمر: إنها تعليمات أو من الجهات العليا أو أنت عبد المأمور؛ فقد بعث النبي أبا هريرة يبشر الناس بأن: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فخشي عمر أن يفصل الناس بين القول والعمل, فأوقف أبا هريرة، وذهب بين يدي رسول الله قائلاً: خلِّهم يعملون (اتركهم)، فقال صلى الله عليه وسلم: "خلِّهم يعملون" (رواه مسلم).
4- انظروا عاقبة الاستبداد

أول ما يبدأ الاستبداد من داخل النفس، حينما يمتلأ داخل المستبد بالكبر والغطرسة، ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ (النازعات: من الآية 24) ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى﴾ (غافر: من الآية 29)﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38).
ثم تأمل الخطوة التنفيذية لهذا الداخل الأسود، في الوسائل التي واجه بها فرعون الدعوة والدعاة:
1- ﴿قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ﴾ (الشعراء: من الآية 34)، أي خاصة أهل الحظوة، وهم إما ضعيف لا شخصية له ولا رأي، وإما أصحاب الملفات الفاسدة.
2- ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الشعراء: من الآية 34) فها هو قد أصدر الحكم لأنه هو مصدر السلطات؛ حيث لا دستور ولا قانون ولا قضاء ولا تشريع!!.
3- ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)﴾ (الشعراء: من الآية 35) هذه مذكرة التحريات الجاهزة بالتهم المسبقة والمحفوظة.
4- ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 35) أبعد الملفات الفاسدة، وبعد إصدار الحكم، وبعد التهم الجاهزة، يكون لهم رأي، بل إنه يستهزئ بهم ويسخر منهم، ما أوامركم يا سادة؟!!
ولهذا وصمه الله بالطغيان وفضح نظامه:
1- إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ (تجاوز الحد)
2 – وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا (الحاكم الأوحد)
3 – يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ (ضرب المعارضة)
4 – يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ (الفساد)
5 – إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (أي بعلمه وأوامره)
ولم يكن ذلك مع الدعوة والدعاة، لا.. بل مع كل المصريين لقوله تعالى في سورة الدخان ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾.
فالدعوة في تصوره ممارستها تحتاج إلى تصريح منه، لمباشرة الإيمان وإلا كانت محظورة ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (طه: من الآية 71)..
إذن أنتم متهَمون بالانتماء في جماعته المحظورة؛ فقضية الانتماء قديمة من عهد نبي الله موسى عليه السلام.. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ بالحكم القضائي الأوحد في نظام فرعون: التعذيب، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء، وأنا القضاء!! ومن لم يعجبه الأمر فليخبط رأسه في أقرب حائط، إن وجد رأسه.
والأمر للتشفي والانتقام، وليس بقانون أو نظام أو يحزنون، والأمر بقاء في الحكم وليس حريات أو ديمقراطية ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.
وتجمعت حول فرعون ثلاث قوى: القوة السياسية ممثَّلةً في هامان، والقوة الاقتصادية ممثَّلةً في كبير رجال الأعمال قارون، والقوة العسكرية والأمنية ممثَّلةً في الجنود الأوفياء جدًّا، وصدق الله وهو يقول:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: من الآية8).
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ الأعوان من العسكريين والمدنيين.. ﴿.. فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)﴾ (القصص).
واجب الشعوب
ذم الله شعب نوح عليه السلام؛ لأنه اتبع من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا.
وذمَّ الله شعب هود عليه السلام؛ لأنه اتبع أمر كل جبار عنيد.. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)﴾ (هود).
وذمَّ الله الشعب المصري في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف).
فإما أن تقوم الشعوب بواجبها في إزاحة الظلم والاستبداد، وإما فهي الخاسرة، في حياتها، وفي يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167)﴾ (البقرة).
-----------
