من الغيرة ما قتل، ومنها ما هو خير وبركة، ولكن الناس أسرفوا في الغَيرة القاتلة حتى نسوا ما لها من نِعَم وفوائد ورحمة وعزة للمؤمنين.
والقتل المقصود هنا هو قتل النفوس والقلوب والأرواح، وتكدُّر الحياة والمنافسة المميتة، والحقد والحسد والكراهية، والهدم والانفصال، وجميعها عالجتْها الدراما التليفزيونية بجدارة؛ فهذه فتاةٌ تفقد صديقتها لأنها أخذت حبيبها، وهذا أبٌ لا يتوقَّف عن المشاكل مع ابنته بسبب حب زوجها لها، وهذه أم تغير من حماة ابنتها فتمنعها من بِرِّها وزيارتها، وتتمارض من أجل ذلك، وهذه أمٌّ تغير على ابنتها من زوجها فتتتبَّع حركاتهما وسكناتهما وتكدِّر صفو حياتهما، فتُظهر لابنتها قلة حيلة زوجها وفقره وبخله وجبنه؛ حتى تستأثر بحبِّ ابنتها لها، ورجل يقتل صاحبه لأنه أخذ حبيبته، وآخر يقتل حبيبته غيرةً عليها.
حتى الأطفال لم يسلموا من الغيرة القاتلة في الإعلام؛ فترى الطفلة تغير من أمها على أبوها، والولد يغير من والده على والدته، وهو ما سُمِّي بعقدة "أوديب" وعقدة "إلكترا".
هذه الأنواع من الغَيرة هو ما اهتمَّت به المنتجات الإعلامية وأبدعت فيها، فأصبحت الرسالة الإعلامية سلبيةً بكل المقاييس؛ فالإثارة هي أساس العمل الإعلامي بصرف النظر عن نتائجها، والمهم هو إقبال الجمهور وما يترجم في عوائد الشباك أو الإعلان أو الاتصالات.
عندما تبحث عن الحب ولا تجده، وعندما تشتكي الزوجات من ضعف رغبة أزواجهن إليهن، وعندما تتزايد العنوسة وتقل رغبة الشباب في الزواج، وعندما ترتفع نسبة الطلاق والانفصال الزوجي.. عندها يجب أن نبحث عن الغيرة؛ معناها وأنواعها، وأين ذهبت؟ ولماذا ضَعُفت؟ وهل لدينا نماذج للغيرة يمكن الاقتداء بها؟ وهل ستعود؟ ومتى؟!
الغيرة في اللغة هي الحميَّة والأنفة، يقال: رجلٌ غيورٌ وامرأةٌ غيورٌ (بلا هاء)، والمغيار: الشديد الغيرة (لسان العرب، ج: 5، ص: 41)، والغيرة في الإسلام تخطَّت المعانيَ الفلسفية واللغوية والتراثية إلى أبعد من ذلك، فتحوَّلت من نقمةٍ إلى نعمةٍ يسعد بها البشر.
من الغيرة ما هو مستحب، وهي مما وجب صيانته، ومنها الغيرة ما هو منهي عنه، وهي في المباح الذي لا ريبة فيه: عن جابر بن عتيك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من الغيرةَ ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله؛ فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة" (رواه أحمد 5/445 وأبو داود 2659 والنسائي 1/356).
ومن الغيرة غيرة الله عز وجل على عباده، وهي تتوافق مع رحمته لهم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتيَ المؤمن ما حرَّم الله" (رواه البخاري، ج: 5، ص: 2002)، وهي الغيرة التي من أجلها حرَّم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهي لا تنفصل ولا تنعزل عن قبول عذر المسيء.. غيرة تتصف بالعدل والرحمة والإحسان؛ فالله سبحانه وتعالى لا يؤاخذنا بارتكاب المعاصي حتى يعذر إلينا، ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 15).
عن المغيرة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح"، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تعجبون من غيرة سعد، والله.. لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشِّرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" (صحيح البخاري، ج: 6، ص: 2698).
وعن علي بن أبي طالب قال: "الغيرة غيرتان: غيرة حسنة جميلة يصلح بها الرجل أهله، وغيرة تدخله النار تحمله على القتل فيقتل" (رواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة، ج: 2، ص: 226، وقال: إسناده صحيح).
ومن تقسيمات أحوال الناس في الغيرة: قوم لا يغارون على حرمات الله بحالٍ ولا على أحرامهم، مثل الديوث، ومثل أهل الإباحة الذين لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ومنهم من يجعل ذلك سلوكًا وطريقًا ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (الأعراف: من الآية 28)، وقوم يغارون على ما حرَّمه الله، وعلى ما أمر به مما هو من نوع الحب والكره يجعلون ذلك غيرة، فيكره أحدهم من غيره أمورًا يحبها الله ورسوله، وقوم يغارون على ما أمر الله به دون ما حرَّمه، فتراهم في الفواحش لا يبغضونها ولا يكرهونها، بل يبغضون الصلوات والعبادات، وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله.. هؤلاء هم أهل الإيمان (الاستقامة، ج: 2، ص: 7).
من الأسباب التي أدَّت إلى ضعف الغيرة:
- ضعف الإيمان؛ فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وبقدر إيمان العبد تكون غيرته وتعظيمه لحرمات ربه، ومثل المعصية والغيرة كمثل الماء والنار؛ فكلما هاجت أمواج المعصية خبت نار الغيرة في القلب.. قال ابن القيم: ومن عقوباتها أي المعاصي أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فإن الغيرة حرارته وناره التي تُخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يُخرج الكير خبثَ الذهب والفضة والحديد، وأشرف الناس وأعلاهم قدرًا وهمَّةً أشدُّهم غيرةً على نفسه وخاصَّته وعموم الناس؛ ولهذا كان النبي أغيرَ الخلقِ على الأمة، والله سبحانه أشدُّ غيرةً منه، وكلما اشتدَّت ملابسة الذنوب أخرجت من القلب الغَيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا؛ لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره؛ ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله، والجنة عليه حرام، ومن لا غيرةَ له لا دينَ له.
- الغزو الفكري بوسائله المتعددة أدَّى إلى نقل أنماط الحياة الغربية على كافة المجالات إلى المجتمعات الإسلامية؛ مما طمس كثيرًا من معالم التراث الثقافي والحضاري والقيم الدينية الأصيلة؛ وذلك بعد تشويهها وطمس معالمها، فما كان واضحًا حُرمتُه مثل أكل الخنزير، والذي أثبتت البحوث العلمية أنه يؤدي إلى تبلُّد المشاعر وضعف الغيرة؛ أصبح يُخلَط دهنه ولحمه ويؤكل مع المشهيات بخلطةٍ مع التوابل تحت أسماء أجنبية، ولا أحد يدري مكونات لحومها ومصادرها!.
- ضعف قوامة الرجل بدعوى استقلال المرأة وحريتها؛ فالحرية المطالبة بها الشعوب الآن من خلال القانون الدولي لا تعطي مجالاً لإنكار الباطل أو ما نهى عنه الله ورسوله، وإننا نعجب من استهزاء القوم المناصرين للحقوق الدولية للمرأة من كلمة "حريم" واعتبارها منتهى الجهل والعنف والرجعية والاستغلال، رغم ما لها من معاني الرحمة والحماية والنصرة والعزة للمجتمع كله وليس للمرأة فقط، وقد كانت المباني الإسلامية القديمة تترجم هذه الكلمة في البناء المعماري الأصيل والذي يسكنه الأمراء والشرفاء، فكانت: "الحرملك" و"السلاملك"، وكانت المشربيات التي تستر النساء وراءها ولا تمنعهن من الرؤية.
- الترف والانغماس في شهوات الدنيا، ومنها المصايف والمتنزهات والرحلات الجامعية المختلطة التي تشمل المبيت خارج البيت والسفر للسياحة وغيرها؛ مما يجعل البنات عرضةً لطمع الأجانب من الرجال والشباب.
- تحوُّل الغيرة إلى تقاليد وعادات قابلة للتغيُّر؛ فينظر إليها البعض على أنها رجعية وتخلُّف، وينظر إليها العرف الدولي إذا مورست من جانب الزوج على أنها عنف ضد المرأة، وإذا كان بين الوالد وبنته على أنها عنف ضد البنت.
- تفريط المسلمين في شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مما أدَّى إلى انتشار الفواحش والمنكرات وتحوُّلها إلى أمرٍ عادي.
فإذا كانت هذه من الأسباب التي تحيط بنا، فهل ضاعت عندنا نماذج الغيرة التي تُصلح وتقوِّم الإنسان؟! أم أن الإعلام لم يجد إلا النماذج الغربية ليقتديَ بها في "تابلوهات" مكرَّرة، وقصص مترجمة، ودراما مقتبسة؟!
إن تراثنا مليء بنماذج للغيرة كانت سببًا للعزة والنصر والإصلاح؛ فالصحابة والسلف الصالح لم يعرفوا المصطلح خيره وشره، وصنَّفوه فقط، بل تعلَّموا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يعيشون بالغيرة في حب وألفة وكرامة، ولم يكونوا كالجهلاء، ولم يضيِّقوا على أنفسهم، والنماذج القريبة من حياتنا ثرية ومتعدِّدة يستطيع الإعلام اغتراف منها ما يشاء.
من نماذج الغيرة الطبيعية التي تُظهر تغيُّر القلب وتؤدي إلى الغضب بسبب الإحساس بمشاركة الغير فيما يعتقد أحد الطرفين أنه حق له، وما يمكن أن يُؤخَذ منها العبر.. ما كان في قصة إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: "غارت أمُّكم"، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتُها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت (رواه البخاري، ج: 5 ص: 2003).
ومن هذا الموقف نجد كيف أدرك الزوج بسرعة حالة زوجته وصنَّفها وعرفها، ولم يخلط الغيرة بالكره أو الحقد أو الحسد، وهو ما يسمو بالمشاعر ويحافظ على الودِّ بين الزوجات، وحافظ الرسول صلى الله عليه وسلم على الطعام ولم يفقده، وفيه من العِبَر الكثير؛ فالطعام نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى ولا يجب إهلاكه، وفيه إرضاء لمن بعثت بالهدية بقبولها، وفيه تعليمٌ لمن أضرَّت به: كيف تصلح ما أفسدته، ثم حمَّل خطأ كسر الوعاء على مَن كسرته وأخذ بديلاً عنه، وهي إشارةٌ إلى ضرورة المحافظة على أمانات الغير وردّها إليهم أو تعويضهم إياها إذا فُقدت أو هلكت، وهذه الأمور غابت معظمها عنا، حتى إن البعض يعتبر ردّ الأمانة أو التعويض عنها عيبًا، وخاصةً إذا طلبها صاحبها، وتداولت جملة "أنا لا أقبل العوض" للدلالة على حسن الخلق؛ مما أساء لكل من طلب أمانته ممن أعطاها له.
ومن الغيرة ما يدعم حبّ الزوجين ويعلِّم الزوجة المحافظة على مشاعر الزوج وطلب إرضائه، واختيار أحسن الألفاظ في الحديث، والإنابة إلى الله بالدعاء والاستغفار؛ فعن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناءٍ عليها واستغفارٍ لها، فذكرها يومًا فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوَّضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيته غضب غضبًا أسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوءٍ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت قال: "كيف قلت؟! والله.. لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورُزقت منها الولد وحرمتموه مني" (سير أعلام النبلاء، ج: 2، ص: 112، و ج: 2، ص: 165).
وإن من الغيرة ما يخفِّفها الصديق الحسن، فيضعف غيظ القلب وتوهج المشاعر، وتسود الألفة وتسير الأمور بلا تأزُّمٍ في العمل؛ فعن عائشة قالت: لما تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حزنًا شديدًا لما ذكروا لنا من جمالها، فتلطَّفت حتى رأيتها، فرأيتها والله أضعاف ما وُصفت لي في الحسن، فذكرت ذلك لحفصة وكانتا يدًا واحدةً، فقالت: لا والله.. إن هذه إلا الغيرة، ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة، فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة، ولكني كنت غيرَى (سير أعلام النبلاء، ج: 2، ص: 209).
ومن الغيرة ما يذهبها الدعاء والتوجُّه إلى الله لطلب تخفيفها والانتصار على نوازع النفس البشرية؛ قالت أم سلمة: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلَّمني وبيننا حجاب فخطبني، فقلت: وما تريد إلي؟، ما أقول هذا إلا رغبةً لك عن نفسي؛ إني امرأة قد أدبر من سني، وإني أم أيتام، وأنا شديدة الغيرة، وأنت يا رسول الله تجمع النساء، قال: "أما الغيرة فيذهبها الله، وأما السن فأنا أكبر منك، وأما أيتامك فعلى الله وعلى رسوله"، فأذنت فتزوجني (سير أعلام النبلاء، ج: 2، ص: 204، 205).
ومن الغيرة ما يتعلَّم منه معرفة قيمة الذات وقيمة الآخرين، وإعطاؤهم منازلهم، والندم على الإساءة للغير، والاعتذار على ما اقترف الإنسان من الأذى للغير، وهو ما يسفر عن شيوع جوِّ الحبِّ والألفة والرحمة؛ فعن عبد الرحمن بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ومعه في ذلك السفر صفية بنت حيي وأم سلمة، فأقبل رسول الله إلى هودج صفية بنت حيي وهو يظن أنه هودج أم سلمة، وكان ذلك اليوم يوم أم سلمة، فجعل رسول الله يتحدَّث مع صفية، فغارت أم سلمة، وعلم رسول الله بعد أنها صفية، فجاء إلى أم سلمة فقالت: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي وأنت رسول الله؟! قالت: ثم ندمت على تلك المقالة، فكانت تستغفر منها، قالت: يا رسول الله.. استغفر لي؛ فإنما حملني على هذا الغيرة (الطبقات الكبرى، ج: 8، ص: 95).
أما عن غيرة الرجال في الإسلام، فقد عظَّم الشرع من ذنب الرجل الذي يرى المنكر بأهله فلا يغيِّره، وسُمِّي بالديوث؛ فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا: الديوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن الخمر" (رواه الطبراني وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع: 3062).
ومن نماذج غيرة الرجال التي يُقتدى بها غيرة الزبير على زوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق؛ فقد كان لغيرته عتقٌ لزوجته ورحمةٌ لها من العمل الشاق؛ فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: تزوَّجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربة وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكُنَّ نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يومًا والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني، ثم قال: "إخ إخ" ليحملني خلفه، فاستحييتُ أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى.
فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله.. لحملُك النوى كان أشدَّ عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني (رواه البخاري، ج: 5، ص: 2002، ح: 4926، ح: 1498).
فلو ركبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغار زوجها ولكسرت حياء نفسها ولعكَّرت صفو حياتها الأسرية، ولكن تقوى الله ومراعاة الزوج في غيبته في نفسها وماله أفرج عنها ورزقها بمن يحمل عنها طول حياتها، وأعطت لنا أنموذجًا لكيفية مراعاة الزوج الغيور والحرص على صفاء البيوت؛ فقد توجد بعض المواقف التي تدعو للركوب مع زملاء العمل أو الأقارب أو الجيران لعدم توفُّر سيارةٍ للانتقال إلى مكان قريب أو بعيد، وقد تتعرَّض المرأة هي نفسها لهذه المواقف حين يطلب منها أحد الزملاء أو الجيران أو الأقارب أن يركب معها في سيارتها ليوصلها إلى مكان ما؛ فالأخذ في الاعتبار تقوى الله ومراعاة المرأةِ مكانةَ زوجها أو والدِها أو أخيها وغيرتهم عليها وعدم إحراجهم في ذلك من الضرورات، فلا تَدَعْ نفسَها إلى شبهة أو تترك المجال للحديث عنها بسوء، خاصةً إذا كانت شابَّة أو طالبة أو موظفة، فربما كانت موضعًا لطمع الرجال.
وحكمت غيرة الصدِّيق دخول رجل بمفرده على امرأة بمفردها في بيتها إلا ومعه رجل أو اثنان؛ لدرء الشبهة عنها، وضرب مثلاً للرجال الذين يثورون لأتفه الأسباب، ومنهم من يرمي على زوجته يمين الطلاق لمثل هذه المواقف؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهي تحته يومئذٍ، فرآهم فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لمَ أرَ إلا خيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد برَّأها من ذلك"، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "لا يدخلنَّ رجلٌ بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان" (رواه مسلم، ج: 4، ص:1711، ح: 2173).
وربما أوضح لنا هذا الحديث جوانب خطيرة في حياتنا لا يلقي لها الكثير بالاً أو اهتمامًا، وربما اعتبره البعض من لوازم الحياة العصرية، فإذا دخلنا في بعض أماكن العمل التي تشترك فيها الرجال مع النساء في العمل، فإننا نرى في كثيرٍ منها خلوة الرجل أو الشاب بالمرأة في مكانٍ مغلق؛ وقد وفَّرت أجهزة التكييف هذا الأمر بشدة؛ فمن دواعي كفاءة عمل هذه الأجهزة غلق الأبواب؛ وهذا ما يفتح المجال لخلوة غير شرعية؛ فالأمر هنا لا يتعلَّق بالسمعة؛ لأن المكان يعرف الجميع أنه مكان عمل، ولكن الأمر يتعلَّق بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن اجتماع الرجل والمرأة وثالثهما الشيطان؛ فتناوبُ الأحاديث والنظرات، وربما المشاركة في الطعام والشراب يفتح المجال لعمل الشيطان؛ ولذلك كان على من قُدِّر لها العمل في هذه البيئة، وحتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، مراعاة الحشمة في لبسها، والحديث الجاد في الأمور الأساسية، ومراعاة الصوت الجاد، وقول المعروف، وعدم تخطِّي الألقاب بين الزملاء، والجلوس على مسافة مناسبة، وغض البصر، وعدم إبداء الزينة لعدم لفت الانتباه إليها.
وقد يكون هناك نوع جديد من الخلوة التي أتاحتها الفضائيات في منازلنا ودخول الإنترنت حجرات نومنا واستخدام الهواتف النقالة؛ فأصبح البعض يقضي ساعات مع أشخاص وشخصيات غريبة، وكم من حالات طلاق سبَّبتها تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وكم من منازل هُدِّمت وحالات قتل حدثت داخل الأسر بسببها!.
ومن غيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على الشباب نتعلَّم حثَّهم على فضيلة غض البصر، والاقتصار في الحديث والحوار مع الإناث في أقل الكلمات، وكان التغير باليد أوقع من التغيير باللسان أو بالقلب؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: كان الفضل بن عباس رضي الله عنه رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله.. إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحجُّ عنه؟ قال: "نعم"، وذلك في حجة الوداع (رواه مسلم، ج: 2، ص: 973).
فهذه نماذج للغيرة افتقدها الإعلام العربي كان يمكن الاستفادة منها بغرض الإصلاح للمجتمع، ولكن عندما يجد الإعلام الغيرة الحسنة تترجم في حياة الناس، قولاً وعملاً، داخل البيوت مع الأب وأولاده، فيحافظ عليهم من اقتراف المعاصي ولا تدفعه المدنية لتركهم في غابة الفواحش، ومع الابن الذي يراعي غيرة أمه عليه، فلا ينادي زوجته بـ"ماما"، ولا يسرف في حنانه عليها أمام أمه، وعندما توجد الزوجة التي تراعي طبيعة عمل زوجها ولا تقصر في أداء واجبها نحوه وتشبع رغباته وحاجاته نحوها، وتحسن تبعُّله، فيسود الود والألفة..
وعندما تترجم الغيرة بين الإخوة والأخوات بالتذكير بالحلال والحرام، وفتح مجالات الحوار البنَّاء دون عنف أو انحياز، وعندما يجد الإعلام مؤسسات الدولة والقائمين عليها حريصين على الحفاظ عليها وتنميتها، وغيورين على وقوع الفساد بها، من خلال نماذج مخلصة تدفع الفساد والظلم والرشوة والمحسوبية، وعندما يعطي الشباب حق الشارع؛ فلا يؤذون الفتيات، بل يدافعون عنهن إذا أصابهن مكروه، ويدفعون عنهن الأذى، وعندما يجد الإعلام أنموذج رجل الأمة الذي يدافع عنها بماله ونفسه من أجل رفعة بلده وصلاح أحواله، ويرد السوء عن بلده ويلبي نداء المستغيثين، وعندما يجد الدولة التي تغار على مواطنيها فتحرِّم الحرام وتحلِّل الحلال.. فإن عليه حينئذٍ رفع هذه النماذج في الأعمال الإعلامية إلى الدرجة التي تليق بها وتفعيل مواقفها المشرفة كنماذج يُقتدى بها ويتعلَّم منها أبناؤنا وأبناء غيرنا.. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).
----------
* كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر.