![]() |
|
د. الحسيني الجيزاوي |
يوم حنين غنم المسلمون غنائم كثيرة، فوزَّع رسول الله الكثير منها على مَن أسلموا حديثًا من أهل مكة وسادات قريش، حتى إنه أعطى صفوان بن أمية غنمًا بين جبلين، وأعطى أبا سفيان وولديه وزادهما، فحزن بعض الأنصار ووصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الأنصار وخطبهم خطبةً بليغةً، وكان من بين ما قال: "يا معشر الأنصار، أوجدتم من لعاعة من لعاعات الدنيا أتألَّف بها قلوبَ قومٍ، وأكلكم أنتم إلى إيمانكم.. يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يعود الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتعودون أنتم إلى رحالكم برسول الله؟" فبكى الأنصار وقالوا: رضينا بالله ورسوله قسمًا ونصيبًا.
(2)
وهكذا يوزِّع الله الأرزاق في الدنيا؛ فهناك قومٌ ملأ الإيمان قلوبهم، فلا يأخذون من الدنيا إلا بقدر ما يقيم صلبهم ويوصلهم إلى أبواب الآخرة سالمين غانمين، فتراهم في الدنيا غرباء، قابضين على دينهم، زاهدين في المناصب والمغانم، في قلوبهم قناعة؛ هي كنزهم الذي لا يفنى، وهناك فريق آخر ملأ النفاق قلبه فسارع إلى الدنيا يغترف من حلالها ومن حرامها لا يشبع، ولو كان له واديًا من ذهب لتمنى أن يكون له واديان.
(3)
ومن العجيب أنه في كل موقعة من المواقع يخرج فريق فاز بالدنيا وفريق فاز بالآخرة، وكل حزب بما لديهم فرحون، وسبحان من وضع في كل قلب ما يشغله، وإن أردنا أن نعيش مثالاً من الواقع المرّ الذي نحياه اليوم؛ فسنجد المعارك الانتخابية خيرَ مثال، وفيما يجري العجب العجاب.
يُفتح باب الترشيح وعلى الأبواب يقف مئاتٌ يمنعون مَن تسوِّل له نفسه أن يفكِّر في الترشيح، بل وعوقب البعض على النيات، وتنقضي الأيام، ولا ينجح أحد من المعارضين أو المستقلين في التقديم، ولن تمضي إلا أيام أخرى وتنتهي المعركة الانتخابية، ويفوز الحزب الوطني بكل المقاعد، ويخرج المعارضون والمستقلون من المعركة صفر اليدين، هنا نستطيع أن نطبِّق القواعد الربانية على تلك المعركة؛ فالظاهر للناس أن فريقًا فاز بالمقاعد وآخر خسرها، والحقيقة أن فريقًا فاز بالمقاعد وخسر كل شيء، وفريقًا خسر المقاعد، ولكنه فاز بكل شيء.
(4)
فالذين فازوا بالمقاعد خسروا ثقة الناس وخسروا مصداقيتهم، بل وأصبحوا فيما بينهم لا يثق بعضهم في بعض، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء، وكانوا في غنى عن كل ذلك لو تركوا الأمور تجري بالمقادير.
أما الذين حِيل بينهم وبين الترشيح فلقد فازوا في المعركة فوزًا مبكِّرًا ونظر الناس إليهم نظرة احترام وتقدير، وتأكَّد فوزهم، رغم أنهم لم يفوزوا وخرجوا من المعركة مرفوعي الرأس، بعد أن أفسد خصمهم قواعد اللعبة، ورضي أن يخرج من حلبة السباق بعد أن سابق في المضمار وحده بلا منافس في لعبة وضع قواعدها وحده واستأثر بها وحده، وأفسد كل قواعدها وحده، وليس هناك أكثر شبهًا بهؤلاء إلا تلك الدبَّة التي قتلت صاحبها بحجر ضحم شجَّت به رأسه وهي تهش به ذبابة عنه.
إن الناس الآن يتندَّرون بهذا الانتصار المضحك، وتلك المقاعد المزيَّفة التي سيفوز بها الحزب في المحليات من جرَّاء احتجاز المنافسين، ومنعهم من الترشيحات بشتى الطرق والوسائل، ويا لها من وسائل!! ويا له من سباق مضحك ومخزٍ!!
(5)
أما هؤلاء الشرفاء فلا يسعني إلا أن أواسيَهم وأشدَّ على أياديهم، وأقول لهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون أنتم إلى رحالكم برسول الله"، نعم يا إخواني، يا أبطال الحلبة الحقيقيين، أما ترضون أن يعود الناس بمقاعد المحليات، وتعودون أنتم إلى رحالكم بحب الناس وتقدير العالم، وتعودون أيضًا بحب الله ورسوله؟!! رضينا بالله وبرسوله قسمًا ونصيبًا.
---------
