الصورة غير متاحة

  م. علي نويتو

 

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلى مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)﴾ (يوسف).

 

فالسجن قيدٌ للمجرمين والقتلة والظلمة والأشرار، وحبسٌ وتجويعٌ وتجهُّلٌ وإذلالٌ وإفسادٌ ومسخٌ للآدمي إلى سائمةٍ يوجِّهها رعاة البقر في السهول والوديان وسفوح الجبال، وهو أيضًا للمرسلين والأنبياء وأتباعهم من المؤمنين بإحسان إلى يوم الدين؛ هو خلوة وجلوة، وتزكية وانفتاح على سائر العلوم المكتسَب منها والموهوب؛ حيث من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.

 

فهم أحباء الله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ (البقرة: من الآية 165)، وأحباء الرسل ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتمهم فيحبهم ويحبونه وهو طبيبهم أسوةٌ لهم؛ يناديهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (المنافقون: من الآية 9).

 

﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ (الفتح: من الآية 11) فأنا أحبكم وأهديكم وأثبتكم وأرضيكم وأوتيكم من كل ما سألتموه، وأحفظكم وأحرسكم وأصبِّركم على بلائكم وأحقق لكم النصر على أعدائي وأعدائكم، فأصدقوني أصدقكم؛ فهي سنتي إلى يوم الدين.

 

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: من الآية 55)؛ فالسجن من الابتلاء، وهو سنة الأنبياء؛ فلقد سُجن نبينا ورسولنا يوسف- عليه السلام- في مصرنا العزيزة، كما سُجِن نبينا ورسولنا يونس في بطن الحوت، والجنين يحبس شهورًا حتى يتنفس الحياة.

 

ومحمد صلى الله عليه وسلم إمام الأنبياء والمرسلين وخاتمهم حُبس في شِعب أبي طالب هو وأصحابه، والقصص القرآني فيه الكفاء والغناء، وفي أيامنا في أرض الواقع حُبس شعبٌ بأكمله في فلسطين وغيرهم عند أولى القبلتين ومسرى الرسول؛ شعب بأكمله في حياتنا وواقعنا والمسلمون حيارى سكارى؛ لا يملكون من أمرهم شيئًا، سواءٌ كانوا في دول الجوار أو غيرها؛ وأبو غريب في العراق خير دليل على ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر).

 

والعبد الفقير وأمثالي من إخوتي كُثرٌ في كل البقاع بفضل ربنا نموذج حي لوعد الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللهِ قِيلاً﴾ (النساء: من الآية 122)؟!.. لا أحد.

 

فمِن حكمٍ عسكري بالإعدام شنقًا عام 1954م وانتظار التنفيذ لمدة ثلاثة أيام (لهم مذاق خاص) ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143).. ثم عشرين عامًا في السجن.

 

إلى انفتاح، إلى الحرية، إلى العودة إلى العمل، إلى وكيل أول وزارة مع الوزير المؤمن "ولا نزكي على الله أحدًا"، الندرة في الوزراء لاستقامته وأمانته وتقنينه ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: من الآية 26).

 

وسيدنا يونس حيث لم يؤمن به ولا واحد في المرة الأولى، كان الاختبار في السجن في بطن الحوت في ظلماتٍ ثلاث، ثم الانفتاح ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)﴾ (الصافات)، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ (الأنبياء).

 

ويوسف الصديق- عليه السلام- من محبسه وسجنه بتهم باطلة هو منها براء كما يجري الآن في كل عصر ومصر، إلى خزائن الأرض؛ حيث كانت الأرض حول مصر قحطًا كأيامنا هذه في فلسطين؛ فمصر هي التي أمدَّت إخوة يوسف الذين جاءوا فقراء وفي عنت وكرب.. يوسف أمدَّهم وأهلهم وكل الجياع في فلسطين، كما حدث اليوم حينما انهار السد بين غزة ومصر، فأتوا جياعًا حتى وصلوا إلى مشارف قناة السويس، وأهل مصر أهلٌ لذلك الخير؛ فحينما انفتح السد بيننا وبين غزة، فمصر هي مصر؛ فالناقلات الضخمة "تريلات عملاقة" مملوءة بالخيرات من أقرب الأماكن، ونخص الشرقية؛ حيث مخازنهم أُفرغت لإخوانهم الجياع، ونقودهم تدفَّقت إلى القناة، وتمَّ توصيلها إلى داخل غزة، وأراد الله أن تمارس مصر اتفاقها مع (بني يهود) في إحكام الرتاج.

 الصورة غير متاحة

سجن وادي النطرون بريشة علي نويتو

 

في هذه الفترة تمكَّن الدكتور أحمد اللبان رئيس قسم الجراحة في جامعة قناة السويس ورئيس نادي هيئة التدريس وأنشطة أخرى متعددة بالجامعة، من الوصول بقافلة طبية كاملة: أدوية، معدات، تجهيزات، ومعونات إنسانية، ووصلت إلى رئيس الوزراء المُنتخَب إسماعيل هنية حفظه الله وثبته هو ومَن معه بجنود لا يراها، فشدَّ من أزر أخيه ومَن معه، وفي عودته كان الرتاج قد أُحكم والسور قد أغلق، فاعتقلوه واحتجزوه في سجن وادي النطرون.

 

أما باقي الإمدادات التي عبرت القناة وحيل بينها وبين الوصول إلى المكلومين والمحتاجين والمرضى، واحتجزت، ويا ليتها احتجزت فقط، ولكن الأمن حقق مع المتبرعين حتى سائقي الشاحنات.. وهكذا مصر: وجه وضَّاء فيه خيرات وبركات، وأخوة وإسلام ومحبة، وخير أجناد الأرض، وبالأمس القريب كنت في درنكة دير العذراء بأسيوط؛ فمصر أرض الأنبياء والمرسلين والموحِّدين؛ فشعبها مؤمن صابر موحِّد تعرفه في الأزمات، أما الوجه الآخر فهو وجه السلطة والسلطان ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47)﴾ (إبراهيم).

 

ففي الحديث: "ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم؛ فإن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم" قالوا: ماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم.. نُشروا بالمناشير وحُملوا على الخُشب.. موتٌ في طاعة خير من حياةٍ في معصية الله".

 

رأيت من أمضى 14 عامًا، ورأيت من يأس من الخروج؛ فعايش الجدران حتى وصل إلى شاطئ الأمان ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: من الآية 110).

 

وآخر من رأيته الدكتور أحمد اللبان؛ حيث إنه كان يُجري عملية بالأمس، فسهر بجوار من يطبِّبه حتى شروق الشمس وعيناه تبكيان، طلب مني أن أدعوَ له بالشهادة، وذكرني هذا بآخر طائرة ركبتها وأنا إلى الوادي الجديد، طائرة البترول، وهي من الصغر بحيث إن عدد الكراسي أربعة يفصل بينها طرقة صغيرة للمرور.. لمحت وأنا متجه لمقعدي إنسانًا يجلّه النور ويشع منه البهاء تبدو عليه النعمة وهو منكبٌ على مصحفه بجوار النافذة، فاستوقفت صاحبي وبصوت مرتفع أسمعته: أريد أن أجلس بجوار هذا الرجل، فاسترعى هذا نظره، ترك المصحف ورفع نظره إليّ، قلت: "أغلق المصحف"، فاستغرب وعيناه تسألان لماذا؟، فأجبته على الفور: أنت قدر الله لي وحظي في الساعة والنصف (مدة الرحلة) حتى الواحات، فأجابني مبتسمًا مغلقًا المصحف: "وأنت قدري وحظي"، وبدأت في الحديث.

 

انتهت الساعة والنصف فإذا به يحمل أمتعتي وينزل المطار وفي انتظاره أربعة أفراد من فروع شركته بالواحات، وردًّا على تساؤل أعينهم: "من هذا الشيخ الذي يكرمه الرجل هذا الإكرام؟" لمح ذلك فأجاب فورًا: "تعرفّت على هذا الشيخ في الطائرة فقط وطلب مني دعوتين: الأولى وهو يبكي وتذرف عيناه الدموع أن أدعُ الله له بالشهادة" فأردفت قائلاً: "لا تقل الثانية؛ فالشهادة تجبُّ ما قبلها وما بعدها".

 

فالدكتور اللبان ومن معه في السجن الصغير، والصاحب في الطائرة في السجن الكبير؛ فالحرية والانطلاقة والبحبوحة وجنات عدن عند مليك مقتدر هي الحياة ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية 64).