يتكلم بعض الناس في اجتهادات بعض الدعاة ومواقفهم السياسية، ويتهمونهم بالتناقض والميوعة والمداهنة، وسبب ذلك أن هؤلاء المسلمين (ومنهم بعض الصالحين) لم ينتبهوا إلى أن المسلم غير مكلَّف بما لا يطيق، وأن السياسة ما هي إلا ترجيحٌ بين المصالح، بل إن مدار الشريعة قائم على ذلك.
يقول الإمام ابن تيمية في (السياسة الشرعية): "فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية 16)، المفسِّر لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ (آل عمران)، وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ورفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع".
ويقول كذلك الإمام ابن تيمية: "فمن وَلِيَ ولايةً يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرَّمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه".
إن الحقيقة التي ينبغي للمسلمين أن يدركوها أن الدعاة إلى الله لا يملكون زمام الأمور كلها، بل تحيط بهم مخاطر كثيرة، ورُبَّ موقف واحد يتخذونه قد تتعرَّض بسببه الدعوة الإسلامية والدعاة إلى مهالك كثيرة.
لذلك فإنهم في الغالب يجتهدون في أمورهم، ويرجِّحون بين المصالح، ويسعَون إلى درء أكبر المفاسد، وكل ذلك من أجل حفظ دعوة الله من أن يمسَّها ما يجعلها عاجزةً عن القيام بواجبها تجاه هذا الدين، وهم بعد ذلك غير مطالبين شرعًا بما عجزوا عنه.
إن الذي يجلس على أريكته، والذي لا همّ له إلا القراءة والتعلم (رغم أهمية ذلك) في الأماكن المريحة الآمنة، دون أن يقارع الظلم والظالمين، ودون أن يخوض معترك الحياة العملية، ليواجه الفساد بشتى أنواعه وهو يدبُّ في جسد هذه الأمة، أقول من كان هذا هو حاله فإنه يصعب عليه أن يدرك أبعاد الاجتهادات السياسية للدعاة.
ولذلك لما جرَّب بعض مثيري الشبهات والاتهامات وخاضوا المعتركات السياسية، وواجهوا الواقع المرير، اضطرُّوا إلى اتخاذ المواقف والاجتهادات التي اتخذها من كانوا ينتقدونهم من قبل ويتهمونهم بالميوعة والتناقض والانحراف.
يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه القيِّم (العوائق): "ويتداول حديث عن أخطاء سياسية ترتكبها القيادات، وما هي بأخطاء في حقيقتها لمن أمعن النظر، لكنه تفضيل بين المصالح، واتباع لقاعدة الفقهاء في الحرص على أكبر المعروفَيْن عند تعارضهما ولو بتفويت أدناهما، واحتمال أيسر المفسدتين العارضتين لإبعاد أعظمهما وأكبرهما.
ولقد أطال الإمام ابن تيمية رحمه الله النفس في بيان هذه القاعدة وتصويبها، والأمر بالعمل بها، حتى أنه أفتى في هذا الباب بإفتاءات يظنها من لا يخبر السياسة غريبة معيبة.
وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد، فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعله حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الإفتاء.
ولا ندّعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابًا دومًا في نتائجها، فإن ذلك ليس ركنًا في توثيق المسلم، إنما هو يجتهد في باب السياسة كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعًا لمدى فراسته وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.
ومع ذلك فلا يمكن للقيادات على طول الخط أن تكشف حوارها حين تقرير مثل هذه الخطوات القائمة على الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ ذلك لأنها قد تعتمد على أسرار لا يسوغ كشفها، أو تبريرات مضمرة لا تريد أن يتسرَّب علمها إلى أعداء الإسلام، فيحوِّرون خطتهم العدائية تبعًا لذلك، فأنصف أيها الناقد، ذلك خير، وكفاك هذا أيها الداعية، لا تطلب الردَّ حرفًا بحرف، فإنها والله متاهة الردود".
لذا ينبغي أن ندرك هذه القاعدة التي سطَّرها علماؤنا من قبل، وأن نعذر إخواننا في اجتهاداتهم السياسية، وإذا لم نتفق مع اجتهادهم فينبغي أن ندخلهم في دائرة الخطأ والصواب؛ لا دائرة التفسيق والتضليل، وشتان بين هاتين الدائرتين.
ولتعلم أخي أن من طبيعة هؤلاء أنهم يطربهم دائمًا أن يوقعوا بالخصم، وأن يستدرجوه إلى الزلل، وأن يستثيروا أعصابه حتى يفقدها، وعندها يقع فيما لا تُحمد عقباه، يتكلم بما لا يعي، ويتصرف بما لا يدرك، وربما يزلّ في أخطاء قاتلة، فيصبح في موقف لا يُحسَد عليه.
ماذا جرى بيني وبينك قبل ذا مما يَجُرُّ خصومةً وجِدَالا
حتى شهرتَ عليَّ سيفكَ تبتغي ضربًا يُقطِّع منيَ الأوصالا
إن من الناس من يتصيَّد الأخطاء، ويصطاد في الماء العَكِر، ويستغل الفرص كالذبابة التي لا تقع إلا على المَوَاطن النتنة، فتكون النتيجة أن الناس تنفض عمن لا يستطيع أن يضبط نفسه، وتبتعد عمن يكون ألعوبة بيد الآخرين، بل وتزداد تصديقًا وقناعةً وإيمانًا بأن الشبهة صحيحة؛ إذ إنه قد استقر في نفوس الناس أن صاحب الحق قوي واثق من نفسه لا يُستثار ولا يُستدرج.
لذا يجب عليك أيها الداعية أن تحذر من أن تُستدرج إلى ما يفقد السيطرة على عاطفتك، أو أمانتك العلمية، فهناك بعض الناس لا يبحثون عن حقيقة، ولا يجادلون إلا بالباطل، وتدرَّبوا على فن المناظرة والاستثارة والاستفزاز والجدل والإيقاع بالآخرين، لا يتقون الله فيما يقولونه، ولا يتورَّعون عن الأفكار المضلّلة، وقد يعمدون إلى الكذب الرخيص بُغية إحراج من يناظرون من العلماء أو المفكرين أو الدعاة أو أصحاب المبادئ.
والسيطرة على النفس أمر ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى تدريب نفسي طويل، ومن أنجح وسائله محادثة النفس في أوقات الهدوء، وإقناعها أن الانفعال الذي يخرج بها عن حدودها فيه أذى لها، وللفكرة التي تحملها.. كن هادئ النفس، ومنبسط الأسارير، وابتسم إن استطعت.
إنُِي أُحيّي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات
وأُظهرُ البِشْرَ للإنسان أبغضه كأنما قد حشا قلبي محبات
وحاول أن تجعل لك محطات تراجع فيها نفسك وتسائلها: "هل أنت ملتزم بما سبق أن هيأته من أفكار؟ وهل أخرجك النقاش عن جادَّة الاتزان؟ وهل الأفضل أن تستمر على هذا النسق أم الأفضل أن تُعدِّل من انفعالاتك وطريقتك في الحديث؟
إن مثل هذه المحطات ذات فائدة كبيرة؛ لأنها تجعل أمرك في يدك، وتجعلك مسيطرًا على نفسك، متحكمًا في لسانك، متى تقول، ومتى تسكت، ومتى تردّ، ومتى تتجاهل؟" (أصول الحوار: الندوة العالمية للشباب الإسلامي).
إن المتتبع لأحوال نفر من الصالحين يجد التشنُّج واضحًا في تصرفاتهم، والاستثارة جلية في ردود أفعالهم، حتى إنه ليخشى على أحدهم أن يُصاب بالضغط والسكري وأمراض القلب وهو في ريعان شبابه، والأمر لا يستدعي كل ذلك، لا سيما إذا فقهنا أن درب الصالحين والدعاة مليء دائمًا بالأشواك والإيذاء والاتهامات والشبه، ولم ينجُ من ذلك أحد حتى الأنبياء والمرسلون، فعلام كل ذلك؟! وصدق من قال: "ما رأيت شيئًا ككثرة الجدل، يُحبطُ الأملَ، ويُهلكُ العملَ".
رويدًا رويدًا أيها الدعاة المخلصون!! والعقلَ العقلَ أيها الأحباب المجاهدون، والصبرَ الصبرَ أيها السالكون المثابرون، والذكاءَ الذكاءَ أيها الفطناء العاملون، واعلموا أن العاقبة للمتقين، وأنه لا عدوان إلا على الظالمين.
-----------------
* رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على "إسلام تايم".