كما يصر الإخوان على الإصلاح يصر النظام على الاحتفاظ بالسلطة وتوريثها لمن بعده، واختار الإخوان تحمُّل أعباء وتضحيات ريادة الأمة في طريق الإصلاح، واختار النظام أعمال البلطجة وقطع الطريق على الإخوان وعلى الأمة، واستخدم البلطجة ضد الدستور؛ فعدَّل المادة 76 وغيرها من المواد، ومنع الإخوان أو أيّ إصلاحي مستقل من دخول مجلس الشورى، وأصبحت المحليات لا قيمة لها في معركة التوريث.

 

ووقف العالم الحر وأصحاب مؤسسات ترويج الديمقراطية متفرجين على ما يجري بمصر؛ من انتهاكاتٍ فجَّةٍ لأبسط حقوق الإنسان، وفي استحياء خرجت تصريحاتٌ تستنكر زيادة عدد المعتقلين، وسكتت عن الجرائم البشعة التي وصلت إلى استخدام السنج في الاعتداء على أعضاء المجلس التشريعي، كما سكتت عن بلطجة التعديلات الدستورية من قبل، وبلطجة إهدار أحكام القضاء من بعد..

 

فلماذا هذا الظلم والاستبداد المحلي والمداهنة والنفاق العالمي فيما يجري في المحليات؟!

الإجابة بيقين هي: كسر إرادة الإصلاح التي بدت واضحةً في معركة المحليات؛ فالشعب المصري عمومًا لا يهتمُّ بالمحليات مثل اهتمامه بالانتخابات التشريعية، إلا أن معاناة الشعب المصري في الحصول على لقمة الخبز وشربة الماء ودورة مياه يقضي فيها حاجته، ولا أقول سكنًا يستر من هدمت بيوتهم أو أرادوا أن يقيموا بيوتًا في الحلال.. جعلته يوقن بأن الإصلاح ضرورة حياة.

 

ثم وجد هذا الشعب قدوةً وروَّادًا للإصلاح، خَبَرَهم في أعمال الخير على مستوى الأفراد أو الجمعيات أو النقابات، كما خَبَرَهم في وظائفهم الحكومية أو شركاتهم الاقتصادية التي تهدف إلى تخفيف معاناة الناس، كما خَبَر نجدتَهم في المواقف الصعبة والكوارث، وتأكد من صدقهم وخبرتهم وتضحيتهم، كما تأكَّد من إصرارهم، لم يرهبهم اعتقال أو محاكمات عسكرية أو بلطجة أو محاربة في الرزق؛ فهم يقومون بكل ذلك لإصلاح الواقع وردّ المظالم وقبل كل ذلك أداءً للواجب وابتغاءً للثواب؛ فشعارهم من قبل المحليات وبعدها: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: من الآية ).

 

تلاقت رغبة الأمة في الإصلاح مع إرادة الإخوان، وبطبيعة هذا الشعب وفطرته السوية قبل الإصلاح على أساس الإسلام، فالإسلام دين للمسلمين، ومشروع نهضة لهم ولغيرهم.

 

سارع الناس في القرى والنجوع قبل الحواضر والمدن للمشاركة الإيجابية، سواءٌ في ترتيب العائلات للمرشحين أو عمل البرنامج الانتخابي المحلي في هيئة مشروعات لإصلاح الواقع الأسيف..

 

فماذا كان من النظام؟

البلطجة الناعمة بعد البلطجة الخشنة لكسر إرادة الإصلاح.. تمثلت البلطجة الخشنة في الاعتقالات؛ فبلغ عدد المعتقلين على ذمة المحليات حوالي ثمانمائة، وأُقفلت المحلات، وصُودرت البضائع، ونُقل الموظفون وشرِّدوا إلى غير بلادهم، واستخدم البلطجية السِّنَج لمنع المرشحين والمحامين وأعضاء مجلس الشعب من تقديم طلبات الترشيح لموكِّليهم، وتحرَّشت المسجَّلات خطرًا وربَّات السوابق بالنساء والرجال، وأحاطت جحافل الأمن المركزى مقارَّ تقديم الأوراق لمنع المرشحين وحماية البلطجية.. وأصناف من البلطجة الخشنة لا يمكن حصرها!.

 

واجهت الإخوان والأمة معًا هذه البلطجة الخشنة بحكمة وصبر وإيجابية، وتقدَّم الإخوان بمرشحيهم على مستوى جميع المحافظات، باستثناء المحافظات قليلة السكان كسيناء والوادي الجديد، وردَّت الأمة على هذه البلطجة بتجمُّعات ووقفات، وفي بعض الأحيان مظاهرات تؤيِّد وتحاول حماية الإخوان من الاختطاف أو وقوع ضحايا في مرحلة استخراج وتقديم أوراق الترشح.

 

هذه المظاهرات المحدودة عبَّرت عن نموٍّ في إرادة الأمة للإصلاح، كما أكدت أنَّ الإصلاح على منهج الإسلام وقيمه العليا هو الحلّ لمشكلات المجتمع بكل فئاته؛ فإن من البلطجية من حُبِسَ جرَّاء امتناعه عن الاعتداء على الإخوان، بل إن منهم من فاضت عيناه بالدمع بعدما تبيَّن له صدقُ الإخوان وتضحياتهم في سبيل الحياة الكريمة لهم وللشعب كله!!.

 

هذه مواقف رمزية ولكنها تعكس انحياز أفراد من فئاتٍ لم نكن نتوقع انحيازَهم إلى الإسلام بمفهومه الشامل.

 

وفي الجانب الآخر رأينا من ضباط الأمن، وإن كانوا قلةً، من أبناء هذا الشعب الكريم مَن حاول تخفيف العقبات وتقليل التزوير.

 

أما رجال القضاء في عمومهم فقد ازداد عزمُهم على إحقاق الحق؛ وذلك بإصدار أحكام تُلزِم النظام بإدراج أسماء من مُنِعُوا وأحكام أخرى ببطلان الإجراءات، ورغم أن هذه الأحكام لم تنفَّذ إلا أنها تعكس بقاء إرادة الإصلاح في فئة مهمَّة من أبناء هذه الأمة.

 

فماذا كان من النظام قبل هذه الإرادة؟

استخدم النظام البلطجة الناعمة؛ أي الوسائل الدنيئة من الغش والخداع والحِيَل والكذب والتزوير؛ فعوضًا عن استخدام البلطجة والسِّنَج استخدموا الموظفين في عمل طوابير لا تتحرك من أمام مكتب تقديم الطلبات حتى آخر دقيقة من الموعد المحدَّد، وبدلاً من استخدام اعتقال المتقدم للترشيح لمنعه من تقديم أوراقه، تركوه يقدِّم أوراقه وأعطَوه إيصالاً مزوَّرًا، وبدلاً من تمزيق أوراق المرشَّح استبدلوا الأوراق الأصلية الصحيحة بأوراق مزوَّرة بعد انصرافه.

 

بدلاً من محاصرة المحاكم بقوات الأمن لمنع وصول الممنوعين من الترشيح من الوصول إلى القضاء، تركوهم يذهبون، واستدعوا المحضرين إلى أمن الدولة، وأمروهم بالغياب أو رفض تقديم الإنذارات، بل لجئوا في بعض الأحيان إلى إعطاء الموظفين المكلَّفين باستقبال الإنذارات إجازةً مفتوحةً طوال فترة تقديم الأوراق.

 

فما هو الواجب علينا؟

1- أن تظل راية الإصلاح مرفوعةً بعزم وثبات مهما كانت نتائج الانتخابات؛ فما المحليات إلا جولة سيعقبها جولات، ولكي تظل الراية مرفوعة لا بد من الاستمرار بجدٍّ فيما بقي من مراحل العملية الانتخابية وما بعدها؛ حتى تنتصر إرادة الإصلاح.

 

2- الدعاية.. كل من لجأ إلى القضاء لإدراج اسمه واجبٌ عليه أن يستمر بوسائل الدعاية كلها؛ من طرق الأبواب، والدعاية المنشورة والمصوَّرة (البوستر- الدعاية الإلكترونية- رسائل SMS- وغيرها).

 

3- رفع الهمة ومنع اليأس أن يتسرَّب إلى القلوب؛ باليقين في قدرة الله تعالى أن يبارك فيما يُبذَلُ من جهود، ويحقّق به ما يشاء من خير للأمة، وهذا ثواب الدنيا، وأعظم منه حسن ثواب الآخرة، وهو مضمونٌ عنده متى خلصت النية وبُذِل الجهد.

 

4- لا يضيع حق وراءه مطالب، والمطلوب دعم وتنشيط الحملة القانونية للوصول لحق هذه الأمة في تحقيق الإصلاح عن طريق انتخابات نزيهة؛ فرغم عدم الإشراف القضائي إلا أن القانون يعطي للقضاء الإداري الحق في إعطاء رموز للمرشحين يتحركون بها، وإلزام لجنة الانتخابات بإدراج الأسماء حتى قبل الانتخابات بساعات، وقد حدث مثل هذا في انتخابات سابقة، كما يعطي حق إبطال أي مرحلة من مراحل العملية الانتخابية، أو إبطالها من أصلها وإعادة الانتخابات، فمن حق هذه الأمة إجراء انتخابات نزيهة.

 

5- نداء القرآن العظيم في هذه الأمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2)، كما أمرنا بالتعاون على البر والتقوى ووعدنا أعظم الثواب عليه، فإن الله تعالى نهانا عن التعاون عن الإثم والعدوان وألا نطيع المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولا نجاةَ للأمة من سخط الله تعالى إلا إذا نهت الظالمين عن ظلمهم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 165).

 

6- البرامج العملية.. أن نشرح برامجنا العملية للناس لنتعاون على إنجازها، سواء دخلنا المحليات أم مُنِعْنَا؛ وفي العمل الخيري والعمل التطوعي متسعٌ للإصلاح، وليكن همُّ كلِّ أخ في نفسه "نافعًا لغيره"، فيكون بذلك قدوةً في تنفيذ أمر الله تعالى للأمة جميعًا ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: من الآية 77)، فرغم طول الطريق فالنصر قريب ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214).

--------

* الأمين العام للإخوان المسلمين.