الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

في يوم 30 سبتمبر عام 1882 كان فرنسي يسوعي حاضرًا لأول استعراض عسكري تُقيمه قواتُ الاحتلال الإنجليزي في القاهرة، وقام "رجل الدين" هذا بإحصاء حوالي 18 ألف رجل من جميع الأسلحة يسيرون بهدوء بلا طبول ولا أبواق خلف علمَين مليئَين بثقوب الرصاص، وكان الخديوي حاضرًا مع وزرائه والدوق والأميرالات الإنجليز.

 

إن صفحةً جديدةً تبدأ، ويدوِّن اليسوعي الفرنسي في مرارة: "في أعماق القلب لا أستطيع أن أتمالك نفسي من الصياح: يا لتعاستك يا فرنسا!!.. إنه أنتِ التي كان يجب عليها غزو هذه البلاد وغرس الصليب فيه.. قد يكون عقابًا من الله على جرائمك، إنه أسند هذه المهمة إلى آخرين؛ الأمر الذي يبدو مؤكدًا أنه بشكلٍ أو بآخر ستصبح مصر إنجليزية إن لم تكن مسيحية" (روبير سوليه كتاب "مصر.. ولع فرنسي" صفحة 211، ترجمة لطيف فرج، وصادر عن مكتبة الأسرة).

 

لقد قام الاحتلال الإنجليزي في مصر بمهمة تغيير منظومة القوانين المصرية، وإعادة تشكيل الشخصية المصرية من جديد، ورغم أنه فشل في ذلك فشلاً ذريعًا إلا أنه قام بترسيخ ما يُعرَف بالامتيازات الأجنبية في مصر، والتي بدأت بعد الحملة الفرنسية؛ حيث بدأ الأجانب في مصر أرض الكنانة يحصلون على مزايا خاصة بهم، تفوق أصحاب الأرض (السكان الأصليين)؛ فهم لهم حق الإقامة في مصر وحرية الاتِّجار وحرية التنقُّل، وكانت لمساكنهم حرمةٌ لا يمكن القبض على أحدهم أو اعتقاله إلا بحضور قنصليته، لا يمكن خضوعهم إلا لقوانين بلادهم أو للقوانين المصرية التي توافق عليها دولهم، ويحاكمون أمام محاكم خاصة، وهم لا يخضعون لأية ضرائب مباشرة، وحصل الأجانب على حق تطبيق هذه الامتيازات على الأشخاص، الذين تحت حمايتهم القانونية، بل وخدَّاميهم وموظَّفيهم أيضًا.. إنهم كما لو كانوا لم يتركوا وطنهم الأم.

 

فهل يا تُرَى تغيَّر شيء من هذه الامتيازات؟ أم أن الأمر كما هو لم يتغيَّر، بل أصبح أشدَّ ضراوةً وأعظم أثرًا؟! إننا نتوسَّل إليهم من أجل المجيء إلى بلادنا وجذب رءوس أموالهم وشركاتهم، وهم يتمنَّعون علينا.. لقد وقَّعت الحكومة على كل ما طُلب منها؛ من اتفاقيات حرية انتقال العمالة، ورفع الدعم، وإضعاف دور الدولة والتملص من واجباتها؛ حتى يصبح اقتصادنا وأقوات أولادنا في أيديهم!!.

 

هل يمكن محاكمة أيٍّ من الأجانب المقيمين في مصر وإجبارهم على احترام العادات والمبادئ المتعارف عليها في بلادنا؟! أم أنهم يُعامَلون بنوعٍ من "السوبر" مواطنة؛ فهم فوق أهل البلاد؟! هل يقوم السيد يوسف بطرس غالي بتحصيل الضرائب منهم وإلزامهم بتقديم الإقرارات الضريبية وتجميع الفواتير حتى يتم خصمها من حصصهم الضريبية كتكاليف؟! هل هم رجال (متفوترون)، من الفاتورة كما يقول الإعلان الساذج، أم أن المصريين فقط هم الذين يجب أن "يتفوتروا"؟!

 

لقد قامت بعض المصريات بإجراء عملية الولادة في أمريكا حتى يحصل أطفالهم على الجنسية الأمريكية، ونحن لا نلومهم بقدر ما نلوم الذين دفعوهن إلى ذلك دفعًا؛ فهل أصبح المصريون يتسوَّلون الأمن والطمأنينة في أرضهم.. في بلادهم عبر جواز السفر الأمريكي؟!

 

إن هذا الأمر لم يحدث في أشدِّ لحظات الانحطاط في التاريخ المصري كله، فلماذا لا تتم مساواة الأجانب والأوروبيين في مصر بأصحاب البلاد؟! لماذا لا يرضى أنصار الإخاء والحرية والمساواة بمساواتهم بالمواطنين وإخضاعهم للقوانين المالية وعادات البلاد وقيمها؟! ألم يقولوا في أمثالهم: إذا كنت تعيش في روما فيجب أن تعيش كما يعيش أهل روما؟! فهل هم يعيشون في بلادنا كما نعيش نحن أم يعيشون كأنهم في نيويورك ولندن؟! لماذا نُجبَر على تقديم الخمور إليهم تحت شعارات وهمية؟! وهل لقمة العيش تبرِّر للمصريين أن يتخلَّوا عن كرامتهم وكبريائهم من أجل حفنة دولارات؟! هل أصبح لزامًا علينا أن ننحر معتقداتنا تحت أقدامهم حتى يتم تنشيط السياحة؟!

 

وفي حين أن شرفاء مصر يحاكَمون أمام محاكم عسكرية ويتم السطو على أموالهم؛ فإن هؤلاء- أصحاب الامتيازات الأجنبية- لا تستطيع الحكومة المصرية الاقتراب منهم، بل إن سائحًا أمريكيًّا يستطيع أن يفصل مأمور قسم لدينا إن لم يقم بإغلاق القسم كله.

 

إنهم يخدعوننا بأننا شعبٌ يتميز بكرم الضيافة وحسن استقبال الأجانب، ولكن هل هم ينظرون إلينا من نفس المنطلق؟ يقول أوجين فرونتامان، وهو كاتب فرنسي (1820- 1876) عن المصريين: ورغم أنني أدرك جيدًا أن هذه النظرة متأثرة بأحقاد قديمة؛ نتيجة فشل الحروب الصليبية، وأسْر لويس التاسع، وإجبار نابليون على التخفي في زيِّ النساء، إلا أنني سأنقلها كما هي؛ حتى يعلم الجميع كيف ينظر أولئك الحاقدون إلينا ويستهزئون بنا، وأننا لم نجبرهم على احترامنا.

 

يقول فرونتامان: "هذا الشعب وديع مرِح إلى أقصى حدّ، بالرغم من بؤسه ومن خضوعه.. إنه يضحك من كل شيء ولا يفور غضبًا ويصرخ، كما يكثر من الإشارات والحركات؛ مما يجعلنا نعتقد أنه غاضب، في حين أنهم يضحكون.. هل هو شعب مجتهد؟ لا أعتقد ذلك؛ لا يوجد سوى عاطلين عن العمل في كل مكان؛ في الريف كما في المدن؛ إنهم شعب متسوِّل، إنهم شحَّاذون بالسليقة، وكلمة "بقشيش" توجز مفردات اللغة المعتادة، وحين تعطيهم يطلبون مرةً أخرى، كما أن تطفلَهم بلا حدود.. لا توجد لديهم ذمة أو حياء بشري" (كتاب: مصر.. ولع فرنسي، صفحة 220).

 

إنهم يقابلون طيبتنا وحلمنا بالسخرية؛ يقابلون كرم الضيافة لدينا بقلة الأدب!.

--------

* d.hamedanwar@yahoo.com