إن الذين يتباكون على الخيانة التي اقترفتها أيدي يهود بني قريظة الآثمة الذين تنكَّروا للجوار والمعاهدات المكتوبة، ودمَّروا كل معاني المواطنة، وتحالفوا مع أعداء وثنيين لجلب الخراب والدمار على جيرانهم الذين يحسنون إليهم.. إن هؤلاء يثبتون لنا دون شك أو مواربة أنهم أفَّاكون يتقوَّتون بالغدر، وأنهم على نفس الدرب الدنس يسيرون ووراء ذوي الكذب؛ يهيمون في ممشاهم وفي مسعاهم.

 

 الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

فهل أصبحنا في هذا العالم الحر المتحضر نتعاطف مع الغادرين، ندافع عن منتهكي المواطنة وناقضي العهود.. هل أصبحت القيم الأمريكية والغربية النبيلة تثمِّن موقف رموز الشر ومشعلي الفتن؟! ولكن ما بالنا وكتب اليهود ترفض أفعالهم وتبغض أفكارهم وما تقترفه أيديهم "أما إسرائيل فلا يعرف شعبي لا يفهم ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الآثم نسل فاعلي الشر أولاد المفسدين" (أشعياء: 1-3).

 

إن المرء ليتألَّم ويتمزَّق حزنًا وأسًى أن تُخرج لنا القيمُ الغربية من رحمها العفن أناسًا يتنكَّرون لكل الأخلاقيات.. لكل المثل.. لكل المبادئ السامية، ويكونون بهذا الشكل الفجِّ من الانتهازية والدونية التي تدفعهم تحت سحر الدولار وبريق المال، أن تكون هكذا سُبلهم في الحياة.. إنه الإنسان الذي أنتجته لنا منظومة الغرب الثقافية الفاشلة.. إنه الإنسان الحيوان الذي أوجده الفلاسفة.

 

لقد توعَّدت التوراةُ اليهودَ بعد ما بشَّرهم نبيهم إرميا بأن النبوة والوحي سينتقل منهم إلى أمة أخرى فرفضوا وتعجَّبوا وقالوا: "هلم نفكر على إرميا أفكارًا؛ لأن الشريعة لا تبيد عن الكاهن، ولا المشورة عن الحكيم، ولا الكلمة عن النبي" (إرميا: 18-18).

 

ولكن أيها الحمقى.. هذا أمر الله وقدره، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولكنهم رفضوا وتمرَّدوا فكان دعاء إرميا عليهم بالهلاك والخراب، لقد دعا عليهم بالحصار وترميل النساء وإثكال الأمهات وقتل الرجال والشبان على يد جيش قوي أولي بأسٍ شديدٍ، فجاسوا خلال الديار، ليس كما فعل نبوخذ نصر الذي قام بسبيهم ونقلهم إلى أرض العراق، لا.. بل إن هذا الجيش سيقتل رجالهم وشبابهم، وسيأتيهم بغتةً دون سابق إنذار أو إخبار "لذلك سلم بنيهم للجوع وأدفعهم ليد السيف، فتصير نساؤهم ثكلى وأرامل، وتصير رجالهم قتلى، وشبانهم مضروبي السيف في الحرب ليسمع صياح من بيوتهم؛ إذ يجلب عليهم جيشًا بغتةً" (إرميا: 18-21).

 

أوليس هذا ما فعله محمد رسول الله والذين معه؟! ألم يأمر أصحابه أن يصلُّوا العصر في بني قريظة؛ لأن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، ليفاجأ أولئك الغادرون بجيش المسلمين يحاصرهم خمسةً وعشرين ليلةً جزاءً وفاقًا؟!

 

حتى حكم فيهم سيد المدينة سعد بن معاذ بقتل الرجال وسبْي النساء وتقسيم الأموال، فقال له سيد ولد آدم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة".

 

أجل.. فهذا حكم الله عليهم في كتبهم، بل إن حيي بن أخطب سيدهم حين جاء دوره نظر إلى رسول الله وقال: "والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكن مَن يخذل الله يخذل"، ثم قال للناس: "لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كُتبت على بني إسرائيل" (الكامل في التاريخ لابن الأثير- أحداث السنة الخامسة من الهجرة- غزوة بني قريظة).. فلماذا الصراخ والعويل على بني قريظة؟!

 

إن الأقنعة تتكشَّف يومًا بعد يومٍ عن مزاعم الحضارة الغربية الزائفة، وتتكشَّف دعاوى العالم الذي يدَّعي زورًا وبهتانًا أنه حرٌّ.. فهل الأحرار يساندون الأشرار؟! هل الأحرار يدعمون المتآمرين والمخادعين الذين يأكلون معك ويطعنونك في ظهرك؟! ولم لا؟! ألم يدعم العالم (الحر) تكبيل الشعوب وحرمانهم من الحرية وحقهم في اختيار حاكمهم؟! ألم يحاصر شعبًا بأكمله عقابًا له على اختياره؟! ألم يقم العالم الحر بقتل مليون عراقي وإشعال الفتنة في دارفور وإيقاد فتيل الحرب في الصومال ويقوم بالاستيلاء على ثروات الدول الآن؟! عرفت لماذا يتباكون على بني قريظة؟.. إنهم مصاصو الدماء، لصوص العالم، فمَن يُحاكم أولئك اللصوص؟!.

 

إن محمدًا رسول الله والذين معه هم الذين حرَّروا البشرية من الجهل والخرافات التي أوجدها الوثنيون والفلاسفة السفهاء أنهم يقولون إن سُحب الدخان تحوَّلت إلى بشر.. يا لحماقتهم!! وكل ذلك تمَّ صدفةً.. فهل يقدرون على فعلها بإرادة حرة: "إنهم لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له".

 

إن محمدًا رسول والذين معه هم الذين حرَّروا البشرية من جنود الباطل ومخالب الظلام وأعداء الخير.. هم الذين أقاموا العدل والأمن والقيم والأخلاقيات، خلَّصوا الشعوب من القيود والأغلال.. أنقذوهم من عبادة البشر والهوى، من ظلم القياصرة والأكاسرة، وعروش الفساد والإفساد.. حرَّروا الإنسان من دنس الأرض إلى نور السماء.

 

إن محمدًا رسول الله والذين معه هم الذين علَّموا البشرية عدم الانحناء وإن كانت ريح الطغيان عاصفةً، عدم الانبطاح وإن كان سيف الظلم مسلولاً، عدم الاستسلام لقوى الباطل وإن كانوا أكثر عتادًا وجندًا وجمعًا.

 

ففي سفر أشعياء تخاطب المدينة المقدسة "قومي استنيري؛ لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك.. ارفعي عينيك حواليك وانظري.. قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك، يأتي بنوك من بعيد وتحمل بناتك على الأيدي.. حينئذٍ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع؛ لأنه تتحوَّل إليك ثروة البحر ويأتي إليك غنى الأمم تغطيك كثرة الجمال بكران مدين وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانا تبشر بتسابيح الرب كل غنم قيدار تجتمع إليك كباش نبايوت نخدمك تصعد مقبولة على مذبحي وازين بيت جمالي" (أشعياء: 60-1:7)

 

عيفة: قبيلة عربية تسكن شمال جزيرة العرب تنتسب إلى مديان بن إبراهيم عليه السلام، وشبا: قبيلة عربية تسكن جنوب الجزيرة وتعود إليها مملكة سبأ، نبايوت وقيدار: أبناء إسماعيل عليه السلام، وهم أشهر القبائل العربية، وقيدار على الأخص هو جد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

 ------------

* d.hamedanwar@yahoo.com