شعبان عبد الرحمن

 

لم تعد هناك مواربة، فقد غابت كل التعبيرات الدبلوماسية عند الحديث عن الإسلام، قبل سنوات كان التعبير عن العداء للإسلام عبر الحديث عن الإرهابيين والمتطرفين، واليوم صار الطعن في الإسلام ذاته دون "استعارات مكنية"، وأصبحنا أمام دعوات صريحة ووقحة تطالب بتنصير المسلمين جميعًا، وتغيير القرآن، وإعادة هيكلة الإسلام وصياغته بفكر ورؤى غربية مائة في المائة؛ حتى يجد هؤلاء المسلمون (خُمس سكان الأرض) مكانًا تحت الشمس ويكون مرضيًا عنهم!!.

 

هذه الإستراتيجية وتلك التحركات والتصريحات لا تصدر عن متطرفين لا تأثير لهم في مجمل الحياة الغربية ولا عن حركات معدومة الشعبية، وإنما هي حركة تيار له اعتباره، ويمسك بمقاليد السياسة وإدارة المجتمع الغربي، ويتحالف داخل هذا التيار كبارُ السياسيين؛ بدءًا من الرئيس حتى مراكز الدراسات المعتبرة وكبار القيادات الدينية وكبرى المؤسسات العسكرية، ويخدم على ذلك كله آلة إعلامية ضخمة، إنها سياسة دولة، بل سياسة غربية متكاملة تنظر إلى الإسلام بعداء صريح وتتعامل مع المسلم- أيّ مسلم- على أنه واقع في دائرة الإرهاب.

 

ومن هنا لا ينبغي أن نتعامل مع كل حالة هجوم على الإسلام ونبيه كحالة قائمة بذاتها، ولكنها تأتي ضمن حملة متكاملة وإستراتيجية متعددة المراحل والأشكال والأساليب والشعارات.

 

بهذه النظرة أتوقف أمام المؤتمر الذي استضافته الشهر الماضي الأكاديمية الجوية الأمريكية بـ"كولورادو" وشاركت في تنظيمه "الجمعية الأمريكية" بجامعة كولورادو، وتمت الدعوة فيه بكل صراحة إلى "تحويل سكان كوكب الأرض المسلمين إلى المسيحية كطريق وحيد لمحاربة الإرهاب"!!.

 

تلك الدعوات صدرت على لسان ثلاثة كانوا نجوم المؤتمر، وهم: "وليد شوبياط" الذي تحوَّل إلى النصرانية، وكمال سليم وهو قس نصراني، وزكريا عناني الذي يصف نفسه بأنه "إرهابي" مسلم سابق، وتقاضى كل منهم 13 ألف دولار على مشاركته، وغنيٌّ عن البيان أن هؤلاء الثلاثة ومعهم وفاء سلطان (أمريكية من أصل سوري) وإرشاد مانجي (أمريكية من أصل باكستاني) وغيرهم، قد تم دمجهم بالكامل ضمن العديد من المؤسسات البحثية والفكرية الأمريكية، وأبرزها معهد "أمريكان إنترابرايز إنستيتيوت"، وهي مؤسسات تمثل اليمين الصهيوني ذي الصلة الوثيقة مع الكيان الصهيوني. ويعرِّف هؤلاء أنفسهم للجماهير على أنهم خبراء في الإرهاب بصفتهم مسلمين سابقين، ويحوزون خبرةً واسعةً في الإرهاب الإسلامي المزعوم، بل ويقدمون ما يزعمون أنه أسرار وخبايا لذلك الإرهاب المكذوب!!.

 

وقد قدموا العديد من الكتب والدراسات التي تحظى بدعاية كبيرة وتوزَّع على أوسع نطاق داخل الولايات المتحدة وفي الغرب عمومًا، وهي كلها تعمل على شحن عقل القارئ الغربي بفكرة واحدة؛ مفادها "إرهابية الإسلام"!! مثل كتاب "المشكلة في الإسلام" لإرشاد مانجي، والتي تصبُّ فيه هجومًا هابطًا ضد الإسلام لتحريمه الشذوذ الجنسي، وكتاب وليد شوبياط "لماذا نريد أن نقتلكم؟" الذي حقق منه أرباحًا طائلةً.

 

وهؤلاء الساقطون المرتزقة هم ضيوفٌ دائمون على مؤتمرات الجامعات الأمريكية لمخاطبة الطلاب، مثل: جامعة "ميتشجان" وجامعة "ويسكنسن" وجامعة "ياشيفا" للدراسات اليهودية، وهناك دعوة قريبًا لهم في جامعة "نيويورك".

 

وبالعودة إلى المؤتمر الأخير بالأكاديمية الجوية الأمريكية؛ فقد مُنِيَ هؤلاء الذين راحوا يسوقون لفكرة الإرهاب الإسلامي الكاذبة ويقدمون أنفسهم كشهود على الإرهاب الإسلامي بالفشل الذريع، وفوجئوا بانتقاداتٍ لاذعةٍ، وردود فعل قوية من جمهور الحاضرين الذين وصفوا المؤتمر بأنه أشبه بحفلة وعظية في كنيسة!!.

 

وقال عدد من الحاضرين: لقد جئنا من كل مكان لنستمع لرجال يقولون: إن المسلمين قتلوا المئات من الناس، فلماذا لم يسجنوا؟ ولماذا هم خارج السجن؟ نعتقد أنه من غير الصحيح أن نستمع إليهم ليخبرونا ما الصحيح من الخطأ.

 

وقد اضطرت ردود الفعل الغاضبة من قِبَل الحاضرين "الجمعية الأمريكية" إلى التملُّص من هذا المؤتمر، وقالت ميجان دين منسقة البرنامج بالجمعية: "لم يبدُ لي أنهم ممثلون صادقون لأي شيء"!!.

 

هذا المؤتمر لم يكن الأول من نوعه ولن يكون الأخير للدعوة إلى تنصير المسلمين أو تغيير القرآن أو حتى إلغاء الإسلام من على وجه الأرض، فقد سبقته مؤتمراتٌ عدة داخل الولايات المتحدة؛ ففي مارس 2007م تابعنا مؤتمر "القمة الإصلاحية"، لاحظ العناوين البرَّاقة، الذي عُقد برعاية عدد من كبار المحافظين الجدد (اليمين الصهيوني) الموالي لـ"إسرائيل"، وتم خلاله بحث سبل إعادة "صياغة الإسلام" أو "علمنة الإسلام" و"الحاجة إلى نقد القرآن"، وعلى هامش هذا المؤتمر عُقِدَت قمة استخباراتية شارك فيها قادة مخابرات صهاينة وغربيون حول الموضوع نفسه.

 

وقبل ذلك تابعنا إصدار مؤسسات أمريكية لما يسمَّى بـ"الفرقان الحق"، وهو كتابٌ زعموا أنه بديلٌ عن القرآن الكريم كما تابعنا في الفترة من 22: 26 أكتوبر الماضي تنظيم أسبوع ما يسمَّى بـ"التوعية بالفاشية الإسلامية" في أكثر من 200 جامعة وكلية أمريكية.

 

هذه حملة كما قلنا متكاملة الأركان، متعددة المراحل، ومتنوعة في آلياتها، وكلها تصبُّ في خانة الهجوم على الإسلام، وهي لا تتمُّ بمعزل عن الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي، واستعداد المتطرف الهولندي لعرض فيلم مكتظ بالافتراءات ضد القرآن الكريم، وافتراءات بابا الفاتيكان، والرئيس بوش ضد الإسلام، وغيرها، وكلها تصبُّ في محاولة اقتلاع الإسلام وتغييبه من على وجه الأرض، وإلحاقنا بالدين الذي يريدون: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)﴾ (الصف).

 

ترى ماذا نحن فاعلون في بلادنا؟! قبضة حديدية من الأنظمة العلمانية تحاول منع الإسلام من العودة ليسود ويحكم، وحملات متواصلة لتشويه صورة العاملين للإسلام متزامنة مع حملات أمنية متواصلة لقمعهم.. إنه تكامل الأدوار بحنكة وخبث، لكن هيهات!!.

----------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية، Shaban1212@hotmail.com