ناقشنا قضية الظلم والظالمين في المقال السابق، ووصلنا إلى أن الظلم عاقبته وخيمة، وأنه كذلك ظلماتٌ يوم القيامة، وأن الله تعالى حرَّمه على نفسه وجعله بين الناس محرَّمًا، ونهى سبحانه الناس جميعًا عن أن يقترفوا جريمة الظلم أو تستهويَهم هذه الفعلة الشنعاء، أو يزيِّن لهم الشيطان سبيل الظلم والتسلُّط على الناس بغير حق، أو ينظروا باستخفافٍ إلى تحريم الله سبحانه للدماء والأموال والأعراض؛ فلقد قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إنها "حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا (عرفة) في شهركم هذا (شهر ذي الحجة) في بلدكم هذا".

 

إذن هناك محاذير كثيرة، تردع الناس أن يقعوا في مهاوي الظلم والاعتداء على الناس بغير حق، خاصةً في الدماء والأموال والأعراض.

 

وقلنا إننا وكل الدعاة المخلصين نشفق على الظالمين، ونخاف عليهم من عذاب الله وغضبه في الدنيا والآخرة، وأنه لا حجة للظالم أيًّا كان موقعه؛ جنديًّا أو مسئولاً أعلى؛ فكل فردٍ سيقف أمام ربه فردًا ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95).. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38).

 

ولا يقتصر الظلم على من يلقي القبض على الأبرياء ويزُورُهم في ظلمة الليل أو في الفجر، ويروِّع النساء والشيوخ والأطفال الآمنين، أو يلفِّق لهم التهم جزافًا، ويرميهم في غيابات السجون والمعتقلات، إنما ينسحب الظلم على من يسُنُّ من القوانين والتشريعات ما من شأنه تسويغ الظلم وتقنينه وإرساء قواعده ومحاسبة الناس عليها ظلمًا وجَوْرًا.

 

وتبقى لنا كلمةٌ نوجِّهها إلى المظلومين

لا شك أن مآل الظلم الخيبة والخسران وسوء العاقبة والقصاص من الله عز وجل في الدنيا والآخرة، والظلم له نهاية بالتأكيد، واستقراء التاريخ القديم والحديث يبيِّن لنا أن الدنيا والمظهر والجاه والسلطان والسطوة.. كل ذلك لا يبقى على حالٍ واحدةٍ؛ فدوام الحال من المحال، وهي (أي الدنيا) لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، وزينة الدنيا تغرُّ وتفتن، ولكنها زائلةٌ لا محالة، ولا تعقب إلا الندم والحسرة، والظالم والمظلوم كلاهما في ابتلاء، بمعنى اختبار ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية 20).

 

ومن يقع عليه الظلم، وخاصةً إذا كان ذلك بسبب الدعوة إلى الله بالموعظة والحكمة ووفق منهج الاعتدال والوسطية والنهوض بالإصلاح في واقع حياة الناس ليعم الخير ويسود العدل وتنتشر الفضيلة.. أقول من يقع عليه الظلم وهو على هذا النحو من الخير؛ فإنه يلزمه قبل كل شيء أن يُخلص النية لله تعالى، ويجرِّد نفسه من الهوى أو المصلحة الذاتية؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا تامًّا لوجهه، ولا يجب أن تتعلَّق نفسه بحظوظ الدنيا وأهوائها ومناصبها وهو يدعو إلى الإصلاح، وإلا دخل في عداد طلاَّب المنفعة وأصحاب المصلحة، وقد يحبط عمله.

 

والإخلاص أساس قبول الأعمال، ومعلوم أن الأعمال بالنيات، كما أشار إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسواءٌ كان العمل في ميدان الجهاد أو في مجال السياسة وإصلاح حال الناس، فلا بد من عقد العزم وتحرير القصد لتكون كلمة الله هي العليا.

 

وفي عملنا الذي نؤديه في ميدان الإصلاح السياسي والقانوني والدستوري؛ فإن كلمة الله العليا التي ننشدها تتلخَّص في تعبيد الناس لرب العالمين، والعمل على الدعوة لتحكيم شرع الله في واقع حياة الفرد والمجتمع، وإقامة منهج الله وشريعته في خاصة النفس والأمة؛ دعوةً ومنهجًا وسلوكًا، وهذا كله يدعمه الإخلاص في القول والعمل والفكر؛ حتى يكتب الله له القبول والبركة والاستجابة عند الله وعند الناس.

 

وليحذر الدعاة دائمًا، وخاصةً مَن يقع منهم تحت طائلة الظلم، أن يقترف إثم الظلم أو الجَوْر، فليكن عبدَ الله المظلوم، ولا يأتِ يوم ينقلب فيه الحال فيكون عبد الله الظالم، والعياذ بالله!!، حتى ولو في أدقِّ الأمور وأخفاها.

 

والصبر عُدَّة المظلوم وسلاح أصحاب الابتلاء، وهو البلسم الذي يعالج الجراح ويُذهب آلام المحن، ويعين على تحمُّل مشاقِّ الطريق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي المسلمين الأُول وهم يُعذَّبون بالصبر، ويبشِّرهم بالجنة والنصر.."صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".. "واللهِ.. ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

 

وخصيصة الصبر تسكب في القلب الطمأنينة والراحة والهدوء، وتغرس في النفس ثقةً فيما عند الله وثقةً في ميزان الحق والعدل ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).

 

ومن أشدِّ المصائب أن يُبتلى المسلم في نفسه وماله وحريته الشخصية، فيصادَر حقه في الحياة الحرة الكريمة، ويتم تهديده بالاعتداء على حريته، ويُعتَدَى على خصوصياته وأمواله، ويُروَّع أهله وأولاده، وما أسهل أن تلفَّقَ له التُّهَم وتحاكَ له القضايا ويقضيَ خلف القضبان سنوات وسنوات!! وقد ذقت بنفسي، ولا نمنُّ على الله شيئًا، مرارةَ هذا الظلم وهذه القضايا المزوَّرة، وفي كل هذه الأمور ليس للمؤمن المحتسب إلا الصدق والصبر.

 

وأمام الصبر الجميل تهون الخطوب، وتصغر الشدائد، ويكفي أن للصابرين منزلةً عظيمةً عند الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10).. ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).

 

وليس الصبر حيلةَ العاجز كما يروِّج المبطلون؛ فنحن أصحاب دعوة نرى أنها هي الحق في هذا الزمن، ووفقًا لفقه الواقع فإننا والحمد لله لا نرفع يدًا بالبطش، ولا نردُّ عدوانًا بالقوة، ولا نكفِّر أحدًا مهما نال منا أو أصابنا بسوء أو شوَّه صورتنا أمام الناس بالإعلام الظالم والتُّهَم الجزافية والكذب المكشوف.. لا نرد على ذلك كله إلا بخُلُق الدعاة وروح المصلحين ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: من الآية 34)، ونتجمَّل بالصبر، ونحاول أن نوضِّح الحقائق بقدر الإمكان وفي حدود الطاقة وبقدر الوسع طبعًا؛ باللسان والبيان والتوضيح، وما كان غير ذلك فليس من منهجنا، ولا تطلبه منا دعوتنا.

 

فالصبر هنا إيجابي وليس سلبيًّا، وهو قوةٌ عظيمةٌ في وجه الظلم والظالمين، ويُبقي على جذوة الدعوة فلا يخمد شعاعها ولا تنطفئ شعلتها، ويتحقَّق بذلك استمرارية الحق وبقاء الخير وأستاذية الإسلام.. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

 

والصبر لا يعني الرضا بالظلم أو الاستكانة والذلة أمام الجبروت والبطش، وليس ذلك من صفات المؤمنين، الذين وهبهم الله العزة والكرامة ثمنًا لإيمانهم وتقواهم ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: من الآية 54).

 

والعاقل هو الذي يفرِّق بين الرضا عن الظلم وهو مرفوض، وبين الرضا بقضاء الله وقدره وهو مطلوب، وفيه الخير وإن بدا غير ذلك ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216).

 

وكما أن الصبر فضلٌ من الله للعبد الصالح، فكذلك الثبات منحةٌ منه سبحانه ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27)، والثبات ثمرةٌ من ثمرات الإيمان الصادق واليقين الذي لا يتطرَّق إليه شكٌّ، واستقرار حقيقة الإسلام وأحقيَّته في إنقاذ البشرية جميعها مسلمين وغير مسلمين من الضلالة إلى الهداية ومن الظلمات إلى النور، ويتأتَّى ذلك بالإيمان العميق والفهم الدقيق والعمل المتواصل، وبقدر استقرار حقيقة الإيمان في أعماق القلب بقدر ما تحوطنا رحماتُ الله وسكينتُه وأمنُه ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: من الآية 18).

 

ويدخل في عداد المظلومين في المفهوم الشامل أهل فلسطين؛ فلقد شاء الله لهم أن يتصدَّوا لأكبر قوة عنصرية في هذه الأيام، ويقف المقاومون منهم في وجه البطش والإرهاب الذي يمارسه الصهاينة بدعمِ قوى البغي العالمية والإرهاب الدولي، وبصمتٍ مطبق وخرسٍ رهيب من حكام العرب والمسلمين، وظلم ذوي القربى أشد مرارةً..

 

فالظلم يقع على شعب فلسطين عمومًا وعلى رجال المقاومة خصوصًا، والتواطؤ واضحٌ في صف العدو الصهيوني، وليس والله للمقاومة إلا الصدق والصبر والثبات على الحق والاعتصام بحبل الله المتين وتعميق الإيمان وتقوية الصلة بالله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).

 

وأخيرًا.. فإلى كل المظلومين في ميدان السنان أو اللسان بشرى وأمل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5 ).. والله غالب على أمره.