الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

لم يظهر المسيح بعد، ولكن اليهود أرادوا أن يوجدوه، أرادوا أن يصنعوه، ولِمَ لا والتاريخ العالمي المعاصر كله مصنوع، وما يحدث على السطح وما قرأناه في كتب التاريخ يختلف عمَّا كان يدور في الكواليس وعمَّا كان يحدث في أعماق المحيط؟!.

 

لقد ألبسوا بوش ثوب المسيح، ثوب كورش الذي نعتته التوراة أيضًا بالمسيح، والتي تعني الملك المنقذ والمحرِّر من الظلم؛ فقد أنقذ كورش اليهود من السبي وأعادهم إلى الأرض المقدسة وبنى لهم هيكلهم، ها هو بوش يشترط الاعتراف بيهودية الكيان الغاصب ويعدهم بالتمكين في الأرض المقدسة.

 

لقد جرى إخراج زيارة بوش إلى المنطقة على أنه المسيح المنتظر، ها هي الأبصار شاخصة والأنظار معلقة، عدسة الكاميرا مسلَّطة على باب الطائرة تنتظر المخلص أن يظهر.

 

يا إلهي.. لقد ظهر، ها هو بابتسامته البلهاء وملامحه الغبية يسرع في النزول من على سلم الطائرة، القلق يعتري ليفني، أولمرت يبدو واثقًا نوعًا ما، بيريز يُسرع؛ ليس هناك وقت كي يضيع؛ يلقي كلمةً في ساحة المطار، إنه يسأل بوش الخلاص من جنون إيران وحزب الله وحماس.. يا تُرى هل هؤلاء هم أطراف المعركة القادمة؟.

 

إن الخلاص الذي يحلم به اليهود منذ الأزل هو ذلك الملك القادم الذي يبني لهم هيكلهم ويضع العالم كله تحت أقدامهم؛ إنهم يرون أنفسهم بدون الهيكل، وما زالوا مستعبدين، ألم يقل بن جوريون: "لا قيمةَ لفلسطين بدون أورشليم (القدس)، ولا قيمةَ لأورشليم (القدس) بدون الهيكل"، مع أن هذا يخالف مكتوب التوراة الذي جاء في سفر أرمياء، والذي قلَّل من قيمة الهيكل كليةً؛ حيث جاء في الإصحاح السابع: "لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين: "هيكل الرب, هيكل الرب", هيكل الرب هو؛ لأنكم إن أصلحتم إصلاحا طرقكم وأعمالكم، إن أجريتم عدلاً بين الإنسان وصاحبه، إن لم تظلموا الغريب واليتيم والأرملة، ولم تسفكوا دمًا زكيًّا في هذا الموضع، ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لاذائكم.. فإني أسكنكم في هذا الموضع، في الأرض التي أعطيت لآبائكم" (أرمياء: 7-4).

 

ولكنهم أقاموا الظلم وسفكوا الدماء، وسيسيرون وراء المسيح الدجَّال؛ لقد أفسدوا في الأرض.

 

﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الإسراء: من الآية 7)، فكما دخله الفاروق عمر أول مرة بعد سحق الروم في معركة كبرى هي اليرموك، كذلك سيدخلها مرةً أخرى المجاهدون بعد سحق الروم في ملحمة بيت المقدس، في "هارمجدون"؛ لذلك فهم الآن يخشَون النهاية؛ لأنهم يرون سيف القدر يقترب منهم أكثر وأكثر، إنه يسوق المجاهدين ليجتث خرافاتهم، إنهم يخشون المجاهدين أكثر من خشيتهم اللهَ.. ﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللهِ﴾ (الحشر: من الآية 13).

 

ذهب بوش إلى بيت لحم مولد المسيح، ذهب إلى كنيسة المهد، بحيرة طبرية، إلى جبل التطويب؛ حيث ألقى المسيح- كما ينسبون- إليه موعظته الأولى أن بوش يقتفي خطا المسيح.

 

ولكنَّ مرافقيه يخافون من زلاته المحرجة لأنه يتكلَّم في حفل استقباله: "لا تتنكروا لأولمرت، اثبتوا خلفه"، أدركت رايس خطورة الأمر، ما زالت كلمته: "إنها حملة صليبية" تقرع في الآذان، أرسلت إليه ورقةً تقول فيها "اخرس" ليظهر تقرير فينوجراد بعدها يُبرِّئ أولمرت.. ما أروعك يا بوش!!.

 

تنقَّل بعد ذلك بوش في العواصم العربية يُستقبل فيها استقبالاً أسطوريًّا؛ لقد أتى إلى الإمارات، إنه يلقى كلمةً على المسلمين، لقد جاء ليحرِّرنا من أولئك الظلاميين الذين يكرهون صندوق الانتخابات وحرية المرأة، أولئك الذين يريدون الإيقاع بينكم وبين الأنظمة، لقد ذهبت دعاوى الإصلاح أدراجَ الرياح.

 

ألم يخبر أحد هذا المخبول بأن الانتخابات في مصر قد فسدت وتم تنحية القضاة، وملهاة المحليات ومبكياتها أيضًا فصولها الهزلية قد بدأت وها هم يستديرون على الإعلام ليكمِّموه؟! أين ديمقراطيتك المزعومة أيها المخلص الكاذب؟! أين الحرية الموعودة التي تعد المسلمين بها؟!.. إنها حرية العفن الثقافي، أما الحرية السياسية فهيهات هيهات لما توعدون.

 

لقد أتى بوش إلينا ومعه جنةٌ نارٌ؛ جنة الديمقراطية ونموذج مدينة دبي ونموذج اليابان، ونارٌ تضرب المخالفين له.

 

لقد ضربت الطائرات أثناء زيارته جنوب بغداد بأربعين ألف رطل من المتفجرات في عشر دقائق.. ما أهون الدماء لديك أيها المسيح!!، وها هي نار الحصار تحرق قطاع غزة.
علينا أن نختار: جنته، أم ناره؟.

 

ونسي هذا الكذوب أن اليابان تزداد فيها معدلات الانتحار؛ ثلاثون ألفًا كل عام، أي أكثر من قتلى الانتفاضة الفلسطينية منذ بدايتها؛ إنهم يهربون من الجنة الأمريكية.

 

ودبي أُقيمت فيها قاعدة فرنسية، بينما رفضت إدارتها الموانئ الأمريكية.. بئس الجنة جنتك يا بوش!!.

 

وفي هذا الوقت تغض إدارة بوش الطرفَ عن التمدُّد الإيراني في المنطقة وعن تصريحات الساسة الإيرانيين العنترية، بل فرضت على أكبر حلفائها (مصر والسعودية) السماحَ بإقامة علاقات معها؛ لأنها تريد لعدوها أن يتضخَّم؛ حتى إذا حقَّقت النصر عليه كان إيذانًا بإعادة هيبتها في المنطقة.

 

ها هو بوش يعلن عن عودته مرةً أخرى في مايو المقبل ليرى محصلة الخلاص، ولكن- للأسف- كل المؤشرات التي لديَّ وأشياء أخرى لا داعيَ لذكرها الآن، تدل على أن المعسكر الإيراني هو الخاسر، وأكرِّر: الخاسر في هذه المواجهة لو تمَّت، والتي حدَّد بيريز أطرافها، وها نحن منتظرون.

------------

* d.hamedanwar@yahoo.com