يُخطئ مَن يتصوَّر أن الضغط على أصحاب العقائد وإعمال آلة القهر وإلقاء المئات في السجون والمعتقلات، وزوار الفجر الذين يروِّعون الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى، وما إلى ذلك من الممارسات العجيبة والانتهاكات الصارخة.. يُخطئ مَن يتصوَّر أن ذلك كله أو بعضه يمكن أن يؤديَ إلى إيقاف حركة التاريخ أو يقضيَ على تطلع الأمة لحياة أفضل وغدٍ أكثر إشراقًا، أو يقتل أملاً يراود النفوس ويلهب الخيال نحو تصوُّر واقع كريم تتحقق فيه كرامة الإنسان وتحترم فيه آدميته، وتزول إلى النهاية عوامل التكبر والاستعلاء بغير حق، والظلم الصارخ من الإنسان لأخيه الإنسان، وتُرمى في صندوق النسيان كل القوانين والتشريعات المقيِّدة للحريات والمكبِّلة للإرادات الحرة الطليقة، ويتفرَّغ الجميع للبناء الراسخ للأمة؛ لتأخذ مكانها بين الأمم الناهضة وتُعوِّض ما فاتها من تخلُّفٍ وتقهقر وانكسارات بدت واضحةً في مختلف مجالات الحياة.
ولقد شغل الرأي العام في الأسبوع الأخير حدثان بارزان:
الأول: حجز قضية قيادات الإخوان المسلمين المنظورة أمام القضاء العسكري للنطق بالحكم يوم الثلاثاء الماضي 26/2/2008م، بعدما جاوزت جلسات المحاكمة أكثر من ستين جلسةً، واستمرَّ حبسهم أكثر من خمسة عشر شهرًا رهن هذه القضية الظالمة، وفيهم المرضى وكبار السن، وفيهم كذلك النخب والصفوة من أساتذة الجامعات ورجال الأعمال الشرفاء الذين تعتز الأمم بأمثالهم، وتفخر بانتسابهم إليها، أما عندنا هنا في بلادنا فالأمر مختلف، والمعايير مضطربة، والموازين يحكمها الهوى.
المهم أن إعلان الأحكام قد تأجَّل حتى يوم 25/3/2008م لاعتباراتٍ لم يتم الإفصاح عنها، وقد تكون لاعتبار المواءمات السياسية أو لأمرٍ آخر يُريده الله- عزَّ وجل- علام الغيوم؛ إذْ "ما بين طرفة عين وانتباهتها يحوِّل الله من حال إلى حال".
الثاني: والأمر الثاني الذي انشغل به الرأي العام هو الاعتقالات الواسعة في صفوف قيادات الإخوان، في كل أو أغلب المحافظات، والتي طالت كثيرًا من كبار السن ممن جاوزوا الثمانين من العمر.. كل ذلك على خلفية انتخابات المحليات المزمع إجراؤها في الثامن من أبريل القادم.
ولقد بلغ عدد المعتقلين حتى الآن أكثر من 400 معتقل، ويعيش أكثرهم في سجونٍ لا يصح أن يودع فيها آدمي أو إنسان له كرامة وحق يليق به كإنسان؛ فهم محشورون في غرفٍ ضيِّقة مثل "علب السردين"؛ لا تهوية، ولا شمس، ودورات المياه فيها يتعذر تمامًا على ذوي الأجسام الضخمة دخولها وقضاء حاجتهم فيها، فهل هناك أكثر من ذلك تعذيبًا وإيلامًا وانتقامًا؟!.
فضلاً عن أن أماكن الزيارة في هذه السجون غير مناسبة وغير لائقة، ويختلط فيها الحابل بالنابل، ويجلس الأهالي والمعتقلون في زحمة غريبة؛ لا فرقَ بين هذا وذاك، وطبيعي أن أحدًا من الإخوان لا يتأفَّف من غيره من عامة المعتقلين، ولكن أليس من حقهم أن تنزلهم الإدارة منزلتهم أو أن تخصص أماكن للزيارة خاصة بهم؛ حتى لا تقع أعينهم أو يتسرَّب إلى آذانهم ما لا يصح سماعه أو رؤيته، خاصةً أن معتقلي الإخوان أغلبهم مهندسون وأطباء وأساتذة جامعات ومدرسون نابهون وذوو شأن في مجتمعاتهم، وكذلك أسرهم وزوجاتهم وأبناؤهم؟!.
وسواءٌ تحدَّثنا عن المحاكمات العسكرية المثيرة للجدل من حيث أنها لا يجب أن يمثل أمامها المدنيون، وأن القضاء الطبيعي المدني هو الجهة الوحيدة التي يجب أن يقاضيَ المدنيين في كافة القضايا السياسية والجنائية وغيرها، وأن هذا حق طبيعي للإنسان.. إذا كنا حقًّا نتغنَّى بأننا نحترم حقوق الإنسان ولا نهدر هذه الحقوق، أو ندَّعي بأن القضاء العسكري أكثر سرعةً في البت في القضايا المحالة إليه.. ولماذا هذه السرعة وهذه العجلة إلا أن تكون الأحكام مطبوخةً وجاهزةً ومعلَّبةً، وطابعها سياسي، وليست وفق معدلات ومعايير منضبطة وقانونية تصدر الأحكام فيها وفق العدل لا وفقَ الهوى والانتقام والظلم؟! ثم أين هذه السرعة والبت العاجل في مثل هذه القضية التي استغرق نظرها أكثر من خمسة عشر شهرًا ولمَّا تنتهِ بعد؟!.
أقول: سواءٌ كان الحديث عن المحاكمة العسكرية للمدنيين أو عشنا مأساة الاعتقال العشوائي للإخوان المسلمين في هذه الأيام، فإننا نقف أمام مأساة غاية في العجب؛ ذلك أن هؤلاء المظلومين جميعًا- سواءٌ في القضية العسكرية أو المعتقلين- لهم زوجات وأبناء وآباء وأمهات وأقرباء وذوو رحم وإخوان، وكل هؤلاء يشكون إلى الله ما وقع عليهم من بأسٍ وما ألمَّ بهم من ظلم؛ فهو- سبحانه- إليه المشتكى، وإليه المرجع والمآب، وهو- سبحانه- الذي يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وهو- سبحانه- لا يرضى الظلم، وقد حرَّمه على نفسه وجعله بين الناس محرَّمًا.
وقد أفاض والدنا الأستاذ مصطفى مشهور المرشد الخامس للإخوان- رحمه الله- في الحديث عن الظلم، وأفرد لذلك مقالات عديدة نشرها في جريدة "الشعب"، ولم يكن حديثه- رحمه الله- ذا طابع نظري فكري فقط، إنما كان نتاجَ معاناةٍ خاصة ومعايشة عملية؛ فلقد حوكم في قضية سيارة الجيب وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ثم دخل محنة عام 54 وحُكم عليه بعشر سنواتٍ أكملها، واعتقل ضمن من اعتقلوا في أحداث 65 وخرج بعد ست سنوات كاملة في المعتقل؛ فهو إذن يتحدَّث عن الظلم من واقع تجربة عملية.
وكان يركِّز على أن "الظلم ظلمات يوم القيامة" كما في حديثٍ لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن صور الظلم متعددة ومتنوعة، وأنه قد صار علمًا تتم فيه بحوث وتخصصات وفنون حديثة وأجهزة جديدة وفي تطور مستمر، وأن المرء عندما يرى أو يسمع عنه يشفق على الظالمين أكثر مما يشفق على المظلومين؛ فعقاب الظالمين أشد وأبقى في الآخرة مما يتعرَّض له المظلومون في الدنيا.
ما أتعس الظالمين وما أشد بؤسهم!! وما أشقاهم في دنياهم وفي أخراهم!! يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، فيعتدون ويعتقلون الأبرياء، ويسجنون ويخربون البيوت، ويقطعون الأرزاق ويصادرون الممتلكات ويروِّعون الآمنين، وقد يزيَّن للكثير منهم أن هذا الذي يفعلون إنما هو لحماية الناس من شرِّ هؤلاء المعتَدى عليهم، أو المفتَرى عليهم بمعنى أصح، أو هكذا يزعمون تسويغًا لظلمهم وطغيانهم.
وهذا- بالطبع- منطق مرفوض وعفا عليه الزمن، ولم يعد مقبولاً في عصر التنوير والتقدم في مجالات حقوق الإنسان، وفي عالمٍ أصبح كالقرية الواحدة، وأن سمات الاستبداد فيه قد ذهبت إلى غير رجعة، وأن الديمقراطية التي يبشِّر الغرب بها هي قارب النجاة للمستضعفين والمهمَّشين، ولكن يبدو أن هذه مجرد دعاوى وشعارات خالية من المضمون، ولا مكانَ لها في عالم الواقع وعلى الأرض؛ فما زالت أغلب بلاد المسلمين في منأًى عن نسمات الحرية وممارسة الديمقراطية الحقيقية القريبة لدينها وعقيدتها، بل إن أصحاب المشروع الإسلامي والمنهج النهضوي يعانون أشدَّ المعاناة في أن يجدوا لهم مكانًا في بلادهم وبين بني دينهم وإسلامهم؛ فهم إرهابيون تارةً، ومخربون تارةً، ومعتدون ثالثةً، ويريدون قلب نظام الحكم وتغيير دستور البلاد بالقوة تارةً رابعةً!! فالاتهامات تترصَّدهم، وأصابع الشك والريبة تشير إليهم، والتشويه والتشنيع وسيلة غادرة لكل ما يحملون من مبادئ وقيم فيها الخير والفلاح للمسلمين بل وللناس أجمعين، وفيها إنقاذ ونجاة في الدنيا والآخرة.
وهذا، ما عبَّر عنه ربعي بن عامر أحد جنود الجيش الإسلامي، عندما ذهب مبعوثًا من أمير هذا الجيش إلى رستم قائد الفرس؛ حيث سأله رستم: "ماذا جاء بكم؟!" قال- رضي الله عنه-: "ابتعثنا الله ليخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام" وهذا في الحقيقة هو لُبُّ الدعوة وجوهر الحركة.
وعاقبة الظلم وخيمة؛ فهو تعاسة وبؤس وشقاء وهوان في الدنيا، أما في الآخرة فالويل كل الويل والعذاب المقيم والذل والحسرة والندم؛ حيث لا ينفع الندم يوم لا ينفع مال ولا بنون، ويقتص الله من أهل الظلم، ولا حجةَ لهم بأنهم كانوا- كما يدَّعون- ينفذون الأوامر، وأن المسئولية كلها على رؤسائهم، وأنهم كانوا مضطرين لتنفيذ التوجيهات.
والقضايا التي يواجهها الإخوان الآن هي قضايا سياسية فكرية منهجية، تحتاج إلى حوارٍ وحلولٍ سياسية من نفس طبيعتها، ولا يحلها البطش ولا العصي الغليظة، إنما تُعالَج هذه القضايا في جوٍّ من النقاش والحرية واحترام الحقوق المشروعة للإنسان، وتكون المصلحة العليا للأمة وتحقيق الخير العام لها بأجندة وطنية خالصة، بعيدًا عن الأهواء الخاصة والمصالح الشخصية الآنية، ولا نرى ذلك متحقِّقًا إلا أن يلتقيَ الجميع على كلمةٍ سواء والنزول إلى الحق متى بدت حجته وظهر دليله.
وأخيرًا.. كم نُشفق على الظالمين وندعو لهم- لا عليهم- أن يهديَنا وإياهم سواء السبيل، والله المستعان على ما تصفون.