هو أستاذي ومعلمي وأخي الحبيب الفاضل فضيلة الدكتور سناء أبو زيد رحمه الله وتقبله في الصالحين مع الشهداء والأنبياء وحسن أولئك رفيقًا.

 

عايشته عشر سنوات فلم أرَ منه إلا خيرًا؛ أتعلم منه كما تعلَّم كثيرون من أقواله وأعماله؛ فهو دعوة خير تمشي على الأرض، وهو عالم بمعنى الكلمة؛ ففي العلوم الشرعية هو عالم غزير علمه، وفي مهنته كطبيبٍ هو طبيب له أسلوبه الفريد الذي يجمع بين الأدوية الحديثة والطب الشعبي، وهو أستاذ عاشق للغة العربية، وفيض علمه بها ينهل منه أساتذة اللغة العربية، ودائمًا كان يردد: "إنها لغة القرآن، فإن أهملناها فلن نفهم القرآن ونتدبره".

 

ومع عشقه وبراعته في اللغة العربية كان متميزًا في الإنجليزية فهمًا وتحدثًا، عرفته حريصًا على إعطاء كل ذي حق حقه؛ فواجبه نحو الله مقدَّم على كل شيء في الوجود، إذا حضرت الصلاة فلا يعرف أحدًا إلا الله، حتى وهو في فراش الموت، وكنتُ في زيارة له وما إن سمع الأذان حتى طلب الماء فتوضأ وصلَّى وهو في الفراش، وهكذا كان دائمًا في حِلٍّ أو في سفر يسمع الأذان فيتوقف بسيارته عند أقرب مسجدٍ ليلحق بالجماعة، مشغولاً دائمًا بدعوته وبدينه وبإسلامه.

 

لم نعهده إلا ساعيًا في سبيل الله، لا يفتر عن موعدٍ لدعوته، بل كان يعلمنا (إذا جاءك العذر فقل له معذرةً يا عذر).

 

تأخرنا عن موعدٍ معه ذات مرة وكان المطر غزيرًا وهو في مرضِ موته، فاعتذرتُ له عن التأخير بسبب المطر، فقال: "وهل يؤخر أمثالكم المطر؟!"، إذا قلنا: له لا تسافر يا دكتور واسترح فقلبك متعب- وهو مَن أُجريت له عملية قلب مفتوح لتغيير ستة شرايين- قال لنا: "أريد أن ألقى الله وأنا أبذل هذا الجسد الفاني في سبيله".

 

لم يتأخر أو يتخلَّف عن موعدٍ، حتى في شدة المرض كان يأتي ويقود سيارته بنفسه، فإذا قلنا: استرح من القيادة وليوصلك فلان أو غيره. قال: "وهل أتت السيارة إلا لتسير في سبيل الله"، فقد نذر نفسه وماله للدعوة، وأثرى كل عمل دعوي قام به وأقام فيه نهضة دعوية عظيمة.

 

لم تشغله دعوته عن صلةِ رحمه وتربيةِ أبنائه وحقوق جيرانه وغيرها من الحقوق الاجتماعية، بل كان يعتبرها- رحمه الله- من صميمِ دعوته؛ فبيته بيت مسلم في سلوكياته وعبادته ونفقاته، أما أبناؤه فأحسن تربيتهم التربية الإسلامية الصالحة؛ اختار لهم أسماء الصحابة والصحابيات حتى يحييَ هذه الأسماء ويعلمها للناس ويقتدوا بها، واهتمَّ بتعليمهم القرآن والآداب الإسلامية منذ نعومة أظفارهم، حريصًا على أن لا ينطق إلا صدقًا، يقول: "كنت إذا أيقظتهم لا أتعجلهم فأقول الساعة السابعة مثلاً، ولكن أصدق وأقول الساعة السابعة إلا خمس دقائق"، فغرس فيهم الأخلاق بالقدوة الحسنة.

 

لم تمر عليهم مناسبة حتى بعد زواجهم إلا كان مشاركًا فيها، حاضرًا لها، يؤلف شعرًا لأحفاده ويحنو عليهم، فكان نِعْم الأب والجد.

 

كان- رحمه الله- وفيًّا لذكرى زوجته الأولى رحمها الله؛ يذكرها دائمًا بالخير، وبأنها كانت حريصةً على بيته وعلى دعوته، ويحكي أنه في يومٍ كان الأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله- في لقاء في بيت الدكتور، إذ جاء شخص يريد مقابلة الدكتور سناء فرَّدت عليه وقالت: "إن كنت تريد الدكتور فأتِ له بعد الساعة التاسعة"، فأعجب أستاذ مصطفى بردِّها وأثنى عليها ودعا لها، وكان الدكتور إذا مرَّ بقبرها قال: "هناك تسكن أم خلاد" ويظل يدعو لها وقتًا طويلاً.

 

كما كان محبًّا وشاكرًا ومقدرًا للسيدة الفاضلة زوجته الثانية، فيثني عليها جميل الثناء، ويشكر لها وقوفها بجانبه قائلاً: "تحملتني وأولادي الستة في مرحلة الطفولة بعد وفاة والدتهم- رحمها الله- فكانت لهم أمًّا، وأحسنت تربيتهم" ويظل يدعو لها ويذكر مناقبها.

 

ويحكي لي أنه كان حائرًا بعد زواجه منها: بم سيدعونها أطفاله؟ وهو الحريص على تطبيق شرع الله، الخائف من المخالفة، فوجد التأصيل الشرعي في الآية الكريمة (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)(الأحزاب: من الآية 6)، فقال: فليدعونها بـ"أمي"، وكانت أمًّا لهم؛ ترعاهم منذ الطفولة وحتى بعد تخرجهم وزواجهم، وكما كانت زوجته وفيًّةً متفانيةً في خدمته في صحته ومرضه، راعيةً لأبنائه في صغرهم وكبرهم، كان- وما زال- أبناؤه الأوفياء يحبونها ويعاملونها كأمٍّ لهم، فبارك الله فيها من أسرةٍ صالحة.

 

وكان- رحمه الله- وفيًّا لأهله، دائم الذكر لوالده ووالدته، واصلاً لرحمه؛ ما قصَّر يومًا في حقِّ أخٍ أو أختٍ بحجة انشغاله بالدعوة، بل كان يحرص على حضور مناسبات الأهل حتى في فترة مرضه الأخير، علم بمرض زوج أخته المقيم بقرية بالقرب من مدينة المحلة، فيصطحب أبنه أُبَيّ ويسافر لزيارته، كان إذا مرَّ في سفره على مدينة أو قرية بها أحد أقاربه قال: "هنا يسكن أخي فلان أو أختي فلانة" ويقرئهم السلام.

 

كان يعتز بمهنته ويعطيها حقها ولا يبخل بعلمه الطبي أو الشرعي على مرضاه؛ فلا يتأخر عن مواعيد عيادته، ويتعامل مع مرضاه بخلق الداعية، فيحسن الاستقبال ويعطي الهدايا، ويزين عيادته بما يذكِّرهم بالله ويوصل دعوته.

 

وأذكر له- رحمه الله- وبالرغم من براعته كطبيب أطفال إلا أنه لم يكن يتقاضى إلا مبلغًا زهيدًا مقابل كشفه؛ فبالرغم من كونه استشاريًّا (أ) طب أطفال إلا أن أجره كان خمسة عشر جنيهًا، وعندما استشارنا في الأمر وأشرنا عليه برفع أجره كان رده: "والغلابة يعملوا إيه؟!"، وبعد الإلحاح منا ومن مرضاه أنفسهم رفع الأجر خمسة جنيهات رفقًا بمرضاه.

 

كان زاهدًا في الدنيا؛ يشكو أنه كلما أعرض عنها أقبلت عليه وأتته سعيًا، وكان متعلِّقًا بالله؛ يخافه ويرجو رحمته، فإذا جاءه أبناؤه يوم ميلاده مهنئين بكى قائلاً: "علام تهنئوني؟! على سنة مرَّت من عمري سيحاسبني الله عليها؟!".

 

كان- رحمه الله- مستثمرًا وقته كله في سبيل الله؛ إذا صحبته في سفر قال: "ما هو برنامج السيارة؟"، ويسأل: هل عندك سؤال في شيء من القرآن؟، فإذا كان كذلك سمعت منه تفسيرًا وخواطر لم تسمعها من أحدٍ قط، وكنا نطلب منه أن يُسجِّل خواطره فيقول: "لا أحب ذلك.. أنا أقول وأنتم توصلوا".

 

وكان مستثمرًا لكل المواقف، فارسًا على صهوةِ جواد الدعوة.. قال لي ذات مرة: فلنتفكر في خلق الله أثناء سفرنا. ثم قال: انظر إلى الخضرة وإن كانت كلها خضراء إلا متفاوتة الدرجات.

 

ركبت معه مرة المصعد وركب معنا أشخاص عاديِّون فقال: سبحان الله.. الدنيا مثل "الأسانسير"؛ ناس تركب وناس تنزل، كل واحد يأتي دوره ينزل فيه، والمهم أن يستعد كل واحد لنزول دوره".

 

وكان محبًّا لرسول الله حبًّا عمليًّا؛ مطبقًا لسنته جوهرًا ومظهرًا، فعندما نُشرت الرسوم المسيئة للحبيب المصطفى أول مرةٍ أطلق لحيته وقال لي: هذا رد عملي على أعداء رسول الله؛ لنظهر حبنا له وتمسكنا بسنته.

 

وكان- رحمه الله- مثالاً للجندية؛ فلم أره إلا محبًّا ومحترمًا لقادته، مقبِّلاً لأيديهم، لا يتحدَّث عن فضيلة المرشد إلا بكل حب واحترام وإجلال، وعندما زاره فضيلته في مرضه الأخير استكثر هذه الزيارة على نفسه وقال: "ألمثلي تقتطع من وقتك؟!" وأنشده شعرًا فردَّ فضيلته: "أأذهب إلى أعزِّ منك يا سناء؟!".

 

وكان مثالاً في الاحترام والود.. سألته ذات مرة: مَن أكثر شخص أثَّر فيك من الإخوان؟. فقال: "لم أقابل أخًا إلا وتعلمتُ منه شيئًا وإن كان صغيرًا، ولكن مَن تأثَّرت بهم د. محمد الجزار" وقد أوصى بأن يكون حاضرًا لغسله، فعلَّمنا أن نتعلَّم من كل إخواننا، فكما قال: "لا يوجد أخ إلا وعنده خير نتعلمه".

 

وكان- رحمه الله- مع مكانته وفضله ودودًا، حسنَ العشرة، يسأل عن إخوانه وأحوالهم، حتى إنه في آخر زيارة لي قبل وفاته بيوم أخذ يسألني عن أهلي وأولادي وعن ولدي محمود ويقول: "أبو ضحكة جنان عامل إيه؟"، فهكذا كان يُسميه، وهكذا كانت معاملته للصغير؛ كلها رحمة ومودة، ودعوة يستشعرها في كل لحظةٍ وفي كل مكان؛ فهو الداعية في البيت مع الزوجة والأبناء، والداعية مع الأهل والأقارب، والداعية في العمل، والداعية مع الأصحاب والجيران.. هو الداعية في صحته وقوته، والداعية في مرضه وعلته، والداعية حتى بعد وفاته؛ ففي مرضه الأخير أراه باكيًا فظننتُ أنه يبكي من شدة المرض، فإذا به يُفاجئني بقوله: "صعب على نفسي أن تكون غزة محاصرة وأنا هنا قعيد لا أقدر أن أعمل شيئًا لنصرتها".
لم أره إلا صابرًا محتسبًا؛ يشتد به الألم فلا تسمع منه إلا "اللهم صبرني ولا تفتني"، دائم الذكر في كل أحواله، كانت الدعوة هي همه الأول والأخير؛ يوصينا بها ويدعونا إلى حمل الأمانة وتحمُّل المسئولية، وهو يتحدَّث بجهدٍ بالغٍ وقلبٍ عليل وروح شارفت على أن تلقى بارئها.

 

هكذا كانت حياته- رحمه الله- وهكذا كان دائمًا فارسًا على صهوة جواد الدعوة حتى وافته المنية، وقلت: "وترجَّل الفارس عن جواده" إذا بي أُفاجأ بوصيةٍ هي دعوةٌ بعد وفاته، كأنه- رحمه الله- رحل عن الدنيا ولكنه يأبى أن يرحل عن صهوةِ جواد الدعوة حتى بعد وفاته.

 

رحمك الله يا أستاذي، وجعل عملك الصالح في ميزان حسناتك، وعذرًا لكم إن أطلت، ولكن لو استرسلت ما وفيتُه حقَّه، ولكني أدعو تلامذته من الأدباء والكتَّاب أن يُخرجوا سطور حياته المضيئة كتابًا نُعلِّم منه أجيالنا: كيف يحيا الداعية؟.

تلميذك ومحبك ومفتقدك