جمال ماضي

 

 ليلة النطق بالأحكام

كانت رؤيا رأيتها بكل وضوح، وما زالت أمام عيني حتى اللحظة، وقد أسررتُ بها إلى فضيلة الشيخ السيد عسكر وكان معنا في القضية العسكرية، فقال: إنها واضحة تمامًا، فالقاضي لن يكون رجلاً وسيستجيب للظلم، ولن يكون عادلاً؛ "فقد رأيت نفسي في زيارة لبيت شقيقتي الكبرى وهي تقوم بضيافتنا بوجه بشوش وكرم زائد، ونحن جلوس في حجرة الاستقبال التي رأيت فيها الأنوار مبهرةً جدًّا ومصوَّبةً على وجه القاضي اللواء أحمد عبد الله، الذي كان جالسًا معنا، ولكنه تحوَّل إلى امرأة بشعر سافر وكل مساحيق الزينة على وجهه ويرتدي فستانًا قصيرًا يكشف عن ساقيه"!!.

 

وبتأويل الشيخ سيد عسكر نزل على قلبي اطمئنان عجيب، ممزوج ببهجة داخلية تدعوني كلما استعدت المشهد إلى الضحك والابتسام.

 

ولم يكن السؤال الذي دعاني للحيرة مدة الحكم أو سنينه، أو كيفية استقباله مني أو من أهلي، وإنما كان سؤالاً يتردُّد في داخلي ولم أسِرَّ به لأحد لعلمي أنه شيءٌ قد خصَّني به الله عن جميع إخواني، وربما كان يتردَّد في داخلهم أيضًا ولم يفصحوا به، ولكن لمسته في نظرة عيونهم وقسمات وجوههم.

 

ففي محن الإخوان رأيت هذه الحقيقة، وهي انشغال الإخوان بغيرهم، لدرجة أن ينسوا أنهم في نفس البلاء، مما يجعل الإنسان يحمد الله تعالى على نعمة الألفة بين القلوب: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 63)، وحتى لا نذهب بعيدًا ما السؤال الذي حيرني؟!

 

السؤال الذي حيرني

من عبث المستبدِّين أنهم صمٌّ عميٌ أغبياء؛ لأنهم لا يبصرون إلا مصالحهم، وعلى الدنيا السلام!!، وكنت في عام 95 في القضيتَين العسكريتين معًا، بمعنى أنني كنت متهمًا في القضية 8 عسكرية بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين وأنني قياديٌّ بها، وبنفس التهمة في القضية 11 عسكرية، وفي نفس المحكمة ومع نفس القاضي ونفس هيئة المحكمة، ولم يكن هناك اختلافٌ إلا تشريفي مع كواكب مصر من أهل الإصلاح ونهضتها وتنميتها من الإخوان، فكان على حدِّ تعبيرهم: "المتَّهمون في القضيتين مختلفون".

 

وكان السؤال المحيِّر في داخلي: يا تُرى أي القضيتين سيُحكم عليَّ فيها 8 أم 11؟! وكنت أحسب أنه بعد الأحكام ستكون كل قضية بعيدة عن أختها، ولذا سأحرَم على هذا الحال من مرافقتي للجميع؛ مما يجعلني محرومًا من أغلى أوقات الحياة!! ولكن الله سلَّم.

 

في الطريق إلى المحكمة

تجمَّعنا عقب صلاة الفجر، في يوم مشرق جميل، ونظرت إلى السماء من خلال السقف الحديدي لباحة السجن، وتساءلت سؤال كل يوم: لماذا أنتِ مسجونة يا سماء؟ فما كنت أشعر إلا بالحرية التي تربَّينا عليها في صفوف الإخوان، فحريَّتنا في قلوبنا ومن أفئدتنا تنطلق عواطفها ومشاعرها، وهذا لا يحسُّ به إلا من تعرضوا لتربية إيمانية وعقيدة سليمة بربهم، وهذا هو منهج الإخوان مع الشعوب، وهو ما يهدِّد الظالمين على عروشهم الزائلة، وكراسيُّهم الهشَّة: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه).

 

ولذلك لم يكن في طريقنا إلا الدعاء والابتهال والتكبير والتهليل و"حسبنا الله ونعم الوكيل"، والقرآن الكريم، الذي كان خير صديق؛ مما أضفى علينا روحًا وجوًّا من السحر، وكأننا في الطريق إلى الجنة ولسنا إلى المحكمة العسكرية!!.

 

وكان معنا في سيارة الترحيلات المجهَّزة لغير الإنسان وبعددنا جنود من الأمن المركزي، فكان نصيب كل أخ جندي تربطهما القبضة الحديدية حتى لا يهرب الجندي! فاستغلها الإخوان إلى دعوتهم إلى الصلاة والإيمان والطاعة والهداية، وقد لمسنا الاستجابة في عيونهم ومسلكهم، وهكذا طبيعة الشعب المصري الرقراق بعيدًا عن الفراعنة اللئام:﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا (27)﴾ (النساء).

 

في انتظار الأحكام

كانت مشكلتهم الدائمة معي هي نفسها ما كنت أسرِّي بها على إخواني، وبذلك كنا ننتظرها مع كل ترحيلة لننال قسطًا من الضحك والسعادة، ليست بيدي وإنما بيدي عمرو، وأقصد بيدي عمرو هنا: النظام العتيق الذي لا يؤمن بتطور الحياة أو نهضة الأزمان، وما زال غارقًا في التخلُّف والأساليب العتيقة التي انتهت حينما علم البشر أن لهم عقلاً!!.

 

لما كنت في القضيتين معًا، فقد كانت حيرة كل ترحيلة أن اسمي في الترحيلتين؛ فالأولى تقوم بالعدِّ فيكون سليمًا، بينما الثانية تصرخ لغيابي، وحينما أنقذ الموقف وأذهب إلى الثانية تصرخ الأولى، قائلةً أين ذهب المتهم؟ فلما اكتشفوا الأمر كانت تأتينا ثلاثة كشوف، وبالتالي كان اسمي مدرجًا في الثلاثة كشوف، وزادت مشكلتهم، وزادت بهجتنا.

 

ولكن اليوم كان مختلفًا فقد أدرج اسمي في القضية 8 فقط، ولم نُعِر الأمر اهتمامًا؛ فقد تتعدَّد الكشوف والحكم واحد، وصارت بنا السيارة كالصاروخ، ومن أماكن جديدة لم نتعود على السير فيها؛ حيث اكتشفنا بعد ذلك النية المبيَّتة من هذا النظام الدقيق، وكأنك في معركة حربية، أتدري ما هو؟ وحتى لا تأخذنا الأفكار فأحيانًا نجتهد في التفكير بطرق عقلية طبيعية، ونكتشف بعدها أمورًا لا تخطر على عقل بشر ولا بال إنسان، وهذا بالفعل ما تبيَّن من هذه الحرب، التي كانت على أبنائنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، الذين جاءوا من شرق وغرب وشمال وجنوب مصرنا؛ من أجل نظرة عين تتلاقى؛ حتى هذه حرموهم منها في أعتى معارك الوجود عندهم!!.

 

ولك أن تتصوَّر إصرارَ الأهالي الذين أدرك بعضُهم الخديعةَ الحربيةَ فقابلونا من بعيدٍ وهم يركضون نساءً وأطفالاً وشيوخًا في حصارٍ من الجنود ببنادقهم الآلية وأسلحتهم الخفيفة والثقيلة والثقيلة جدًّا.

 

وكان ما تألمنا له هذا المشهد القميء لأهلنا، الذي أنسانا أن الأحكام تصدر اليوم، كما أنسانا الأحكام بعد صدورها: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)﴾ (البقرة)، فانقلب اليوم كله خيرًا لنا: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11).

 

كيف استقبلنا الأحكام؟

كانت التوقعات ثلاثة بأجيال الجماعة الموجودين في هذه المحنة؛ فمنا الذين تعرَّضوا لمحنة 54، وكانت توقُّعاتهم "عشرات وخمس عشرات وعشرينات"، ومنَّا الشباب الذين نهضوا بالدعوة في السبعينيات على يد الإخوان، وشاركوا- ويشاركون- في كل مؤسسات المجتمع المدني؛ كنقابات واتحادات وجمعيات ومراكز ونوادٍ، وكانت توقُّعاتهم خيرًا من شركائهم في العمل، فقالوا: هي شهور وينتهي الأمر، ومنا الأعم والأغلب الذين لم يفكِّروا أصلاً ولم يتوقَّعوا، وكنت منهم، فلم أخُضْ هذه التجربة من قبل، كأساتذة الدعوة في 54 فكنت في علم الغيب، وإن كنت قد تلقَّيت منهم الدعوة، ولم أخُض التجربة الثانية وإن كنت من جيلهم.

 

وعلى كل الأحوال لمست الحكمة الإلهية في الابتلاء بأنها تنزل على كل العباد وفيها ثلاثة: التخفيف واللطف وساعة الفرج، وهذا ما شعرنا به في كل لحظاتنا، فكان استقبالنا لمجريات الأحداث هاشًّا باشًّا ليِّنًا جميلاً.

 

وكان الإخوان قد أعدُّوا بيانًا، ووقف الدكتور محمد حبيب بعد خروجه من القفص لتلاوته، وكأن كل أخ يتلو البيان مع لسان الدكتور الحبيب، فقد عبَّر به عن خلجاتنا وأنفاسنا ونبضاتنا، ثم عاد إلينا؛ حيث لم نكن في حاجة لسماع الأحكام بعد إلقاء بياننا، وكأن المهمة قد انتهت.

 

وكان بجواري لحظة النطق بالحكم شيخ الدعاة الأستاذ محمد حسين، الذي تهلَّل وجهُه نورًا على نور وكأنه يُزَفُّ إلى الجنان قائلاً: يا دي الهنا اللي احنا فيه.

 

وخرج كواكب 8 عسكرية وهم مكبِّرون مهلِّلون مثل من ظفر بمكافأة أو شهادة نجاح أو نيشان تقدير، ولكنني أدركت بعد أن تركوني وحيدًا في الأقفاص التي كانت منذ لحظة مكتظَّةً بالحياة والحيوية، أدركت في نظراتهم عمق الانتباه إلى أخيهم في وحشته بعد هدوء نشوة النياشين، والذي تركوه مع مصيره المجهول في القضية 11 التالي الحكم فيها.

 

ولعل أخي الحبيب الدكتور عصام العريان ممن له مبادرة في التعبير عن مشاعر الآخرين وليس تفهُّمًا فقط أو التعاطف معها، فقال كلمته المعهودة ممزوجةً بضحكته المشهورة، التي هي أقوى من الابتسام وتدغدغ المشاعر ولكنها دون القهقهة، يقول لي: الله يعينك يا عم جمال.

 

فما ردني إلى جوِّ المرح وانتشلني من جوِّ الوحدة بعد أن تركوني إلا أمران: الأول سماع كلمة الدكتور عصام وما وعيت منها إلا كلمة (الله) فكانت بردًا وسلامًا، والأمر الثاني رؤيتي للمحبوب جدًّا الأستاذ محمد عبد القدوس، الذي سلمتُه بيان الإخوان الذي تلاه الدكتور محمد حبيب؛ لكي يصل صوتُنا للإعلام بصفته صحفيًّا وإعلاميًّا، فحمدت الله تعالى على حسن قضائه وحكمة تصريفه للأقدار، وأدركت لماذا أنا في القضيتين معًا؟! وما هي إلا لحظات وعادت للأقفاص الحيوية والحياة مرةً أخرى بدخول إخواننا في القضية 11 عسكرية فتلقَّوا مني نبأ الأحكام التي أمدَّتهم بروح عجيبة لاستقبال أحكامهم؛ فقد جاءت عليهم تثبيتًا واطمئنانًا وإيمانًا، وكان ممن بادر إليَّ محتضنًًا إياي الأستاذ محمد شحاتة، فلما علم بخبر الحكم الصادر عليَّ بثلاثة أعوام بكى؛ ليس للحكم وإنما للظلم، فقال: وسيحكم عليك مرةً أخرى!!.

 

والغريب أنه لم يتملَّكني إلا شعور واحد، هل ذهب إخواني في القضية 8 إلى السجن أم ما زالوا هنا لكي أعرِّفهم بأحكام القضية 11؟ وحاولت أن أعرف ممن صادقتُهم اليوم من ضباط الشرطة العسكرية الأحداث التي انفردت بها، فعرفت منهم أنهم لا يعرفون شيئًا مما يجري، وكأنهم يشاهدون مسرحيةً غريبةَ الأطوار!!.

 

وقد تحقَّقت أمنيتي وبعد الأحكام في القضية 11 اصطحبوني بسرعة لوحدي، عن يميني ضابط أمن دولة وعن يساري آخر في كامل تسليح لهم، وعن يسارنا ويميننا جحافل من القوات المسلَّحة في وضْعِ استعداد، وكانت العيون كلها تتجه إليَّ، ودار حديثٌ خاطفٌ بيني وبين من اصطحبني قائلاً: الأناشيد التي كنتم تردِّدونها أهي من تلحين سيد قطب؟ فقلت له: لا.. إنها من تلحين محمد عبد الوهاب، فقالوا: أنت "بتنكّت" في هذه اللحظات، فقلت: دي أحلى اللحظات، فرأيت العجب في وجوههما!! وطبيعي أن تمتلكهما الدهشة، ثم سألتهما سأرحل مع أي ترحيلة؟ قالوا: مع 8 لأن اسمك في كشف 8، فازددتُّ فرحًا وبهجةً، وتحقَّقت أمنيتي، لأُطلِعَ الإخوان على أحداث وأحكام ومفاجأة القضية 11.

 

المفاجأة

ربما الآن ما يدور في الأذهان ما الحكم الذي تفتَّقت به عقولهم للخروج من مأزق القضيتين معًا؟ خاصة وقد تم الحكم بـ3 أعوام في القضية 8؟ لقد كان أول نطق بالحكم قبل البراءات والأحكام هو اسمي؛ حيث حكم عليَّ فيها بالبراءة، وبذلك أصبحت أحمل حكمًا بـ3 أعوام والتهمة: أنني أدير وأقود وأنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ومن نفس القاضي ومن نفس المحكمة وفي نفس اليوم: حكم بالبراءة من تهمة أنني أدير وأقود وأنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وكانت بحق المفاجأة!!.

----------

* gamalmady@yahoo.com