ودَّعنا يوم الخميس 21/2/2008م الدكتور "سناء عبد الله أبو زيد"، وبكاه الآلاف من أبنائه وإخوانه ومحبيه وعارفي فضله؛ ذلك أن مثل "سناء أبو زيد" حاضرٌ دائمًا في بؤرة اهتمام الجميع، ويشغل مساحةً كبيرةً في قلوب إخوانه حُبًّا ومودةً، وولاءً ووفاءً، ثم زاد على ذلك كله أنه في أيامه الأخيرة عانى من الأمراض والآلام؛ ما جعل كلَّ مَن يعرفه يدعو له ويتضرَّع إلى الله- عزَّ وجل- أن يخفف عنه ما نزل به، وأن يُتم عليه العافية والشفاء.

 

ولم يكن حب الناس للدكتور "سناء" من فراغ، وإنما جاء بناءً على صفاتٍ وشمائل وفضائل أكرمه الله بها وألبسه إياها، فصارت كلها من كثرة التخلق والاصطباغ والالتزام بها لازمة من لوازمه وخصيصة من خصائصه، لا ينفك عنها ولا تنفك عنه، وهي في محصلة القول نتاج لحب الله- تعالى- له ورضاه عنه وتوفيقه له؛ فإن الله تعالى إذا أحب عبدًا فإنه يُنزل محبته في قلوب الناس، فتنشرح له القلوب وتنفتح له الصدور.

 

ولقد تعرفتُ على الدكتور "سناء" منذ مدةٍ طويلةٍ، وجمعتني به دعوة الله- عزَّ وجل- تحت مظلة دعوة الإخوان المسلمين، والتقينا على معانٍ كثيرةٍ، وقيمٍ عظيمةٍ؛ أولها ضرورة الإخلاص للدعوة والعمل لها، والالتزام بها وصبغ النفس بلونها، وأن تدور حياة الأخ حول محور الإسلام، يدور معه حيث دار؛ نعمل له ونعيش من أجله، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾  (الأنعام).

 

كان- رحمه الله- يتحلَّى بالصدق مع النفس ومع الناس، وفوق كل ذلك الصدق مع الله عزَّ وجل، وهذا الصدق جعله يتحرَّى الصواب في كلِّ ما يفعل وفي كل ما يقول؛ يضع أمام عينيه مرضاة الله وموافقة تصرفاته للشرع المتمثِّل في القرآن والسنة وعمل السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإذا ما ظهر له الدليل الصحيح فإنه يقبله ويتحرَّك به ويدعو إليه، ولا يهمه بعد ذلك سواءٌ أرضي الناس أم سخطوا؛ فإن مرضاة الله- عزَّ وجل- هي الغاية وهي المبتغى.

 

ولا أحسب أن ما كان عليه الدكتور "سناء" من هداية وتوفيق قد بدأ منذ تعرَّف على دعوة الإخوان، أو هي التي غرست فيه هذه القيم والفضائل، إنما الذي أطمئن إليه هو أن فطرة الدكتور "سناء" التي فطره الله عليها كانت مستجيبةً لدعوة الله ونداء الخير، وأنه كان مهيَّئًا لحمل هذه الدعوة قبل أن يتعرَّف على رموزها ورجالها، وأن نفسه كانت تهفو إلى هذا الطريق وحمل هذه الدعوة ووضوح الرؤية، وما إن تمَّ له ذلك بفضل الله وقدرته حتى شمَّر عن ساعد الجد، وأسرع الخطوات نحو مرضاةِ الله وأداء حق الدعوة عليه، وقيامه بالواجبات التي يجب أن يقوم بها نحو نفسه ودينه وإخوانه والناس أجمعين.

 

أقول: إن الدعوة وجدت تربةً خصبةً نزل عليها الماء فأنبتت من كل زوجٍ بهيج، وكالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تُؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

 

ولقد كان الدكتور "سناء" جمَّ الأدب، كثيرَ التواضع، لا يحب أن يُذكر فيُحمد، أو أن يُشار إليه بالبنان، ويفضِّل أن يكون مستورَ الحال، مسكوتًا عن أفعاله وما أعظمها!، وهذا من شيمِ الصالحين الصادقين، ولأن قلبه معلَّق بمرضاة الله عزَّ وجل فإنه كان- وبحق- من الأخفياء الأتقياء الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا، وما كان يتحقق له ذلك في كل الأحوال؛ فإن حضوره وسط إخوانه يجعله دائمًا في المقدمة، وإن كان ذلك على غير رغبته أو هواه، ولم يذكر حين يتحدَّث لفظة (أنا)، إنما كان إذا لزم الأمر أن يشير إلى نفسه أنه (العبد الفقير) زيادةً في التواضع، وحتى لا يتسرَّب العُجب والخُيلاء إلى نفسه، فيؤدي إلى إحباط العمل والعياذ بالله.

 

وكان- رحمه الله- يحب إخوانه ويجلهم ويثني عليهم؛ يوقر الكبير وينزله منزله اللائق به، ويعرف قدره ويفسح له في مجلسه، ويُقدِّمه على نفسه بكل تواضعٍ وحب، وخاصةً إذا علم أن هذا الكبير له سابقة جهاد وابتلاء في سبيل الله عزَّ وجل.

 

ثمَّ إنه عظيم التقدير والحب لأبناء جيله الذين عملوا للدعوة معًا منذ أن كانوا في مرحلة طلب العلم، سواءٌ في كلية الطب أو في غيرها من الكليات، الذين جمعهم حب الإسلام والعمل له والالتزام به، أما علاقته بالأجيال التالية وهم الأصغر منه سنًا، فكان دوره معهم دور المربِّي، دور الوالد والموجه والحادي والناصح الأمين، فكان يأخذ بأيديهم في حب ورقة وشفقة؛ فهم أبناؤه وأحبابه، يرجو أن يخرج منهم مَن ينصر دين الله- عزَّ وجل- ويواصل مسيرة العمل للإسلام؛ ولذلك يُخلص لهم في كل قولٍ أو توجيه أو نصيحة، ويحرص على أن تصدر إليهم من القلب عامرةً بالإخلاص؛ فهم امتداد للخير الموصول، وهم كذلك يوصلون الدعوةَ إلى أجيالٍ لاحقة، فيظل الخير في الأمة دائمًا، ويتحقَّق بذلك قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الخير فيَّ وفي أمتي إلى أن تقوم الساعة".

 

وتبقى الأجيال على الفهم الصحيح والعقيدة السليمة والمنهج القويم كالحلقات؛ يأخذ بعضها ببعض بغير انفراط أو انفصام، ولسان حال الجميع يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: من الآية 10).

 

كان الدكتور "سناء" يأخذ نفسه بالعزيمة، ولا يلجأ إلى الرخصة أو الترخص إلا ما ندر، ولكنه كان مع ذلك يحذر من أن يفرض ذلك على غيره؛ لئلا يطيق ذلك الغير؛ فلقد كان الورع شيمةً من شيمه، والتعفف خصلةً من خصاله، والتخفف من الدنيا وعدم الولوغ في ملذاتها وماديًّاتها لازمةً من لوازمه، وقد ظهر ذلك جليًّا بعد تخرجه في كلية الطب مباشرةً؛ إذ ما إن وفَّقه الله إلى اختيار الزوجة الصالحة- وقد كانت تدرس في نفس الكلية- حتى أسرع في إتمام هذا الزواج، وتمَّ البناء في مسكن غايةً في التواضع وأثاثٍ في منتهى البساطة؛ فالحصيرة كانت سريره وبعض الأغطية والأواني الضرورية فقط، وهو بذلك أراد أن يخرج من دائرة تعقيد متطلبات الزواج، ويتحرَّر من القيود التي يفرضها الناس على أنفسهم في مثل هذه الأمور"أقلهن مهرًا أكثرهن بركة".

 

ثم نراه بعد ذلك وبعد أن منَّ الله عليه بالذرية المباركة، ينتقل إلى مسكنٍ بسيطٍ متواضع كذلك، قليل التهوية على مناور داخلية ولا تدخله الشمس، يظل في هذا المسكن أكثر من عشرين عامًا يحمد الله عليه ولا يتبرَّم منه، ولا يحب الخروج منه أو البحث عن آخر أكثر ملاءمةً لظروفه ولأحواله الصحية، خاصةً بعد ما ألمَّ به المرض.

 

ومع أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة شاملة تجمع بين أمور الدنيا والآخرة، وتهتم بشمول الدعوة لكل مناحي الحياة، وتشتمل على كل شأنٍ من شئون هذه الحياة؛ فهي تجمع بين السيف والمصحف، والعبادة والقيادة، والعلم والقضاء، والثقافة والقانون... إلخ، ومع أن الدكتور "سناء" يقرُّ بذلك وينزل عليه ويدعو إليه ويعتقد في نفسه أنه الحق، ومع ذلك لم يكن يومًا عضوًا في مجلس نقابة ولا جمعية، ولم يترشَّح لانتخابات نيابية أو مجالس شعبية، لا عجزًا إنما تعففًا ورغبةً أكيدةً في التخفف من هذه الأثقال كلها، والتفرغ للدعوة والتربية، فاستحقَّ أن يُوصف بأنه نعْم المربي ونعْم الموجِّه، ونعْم الوالد الحاني لكل الأجيال من بعده ونعْم القدوة والأسوة.

 

وليس معنى ذلك أننا نفصل بين الدعوي أو التربوي والسياسي، ولم يكن الدكتور "سناء" ينهج هذا النهج أو يقتصر نشاط الدعوة، وينحصر في هذا الشأن التربوي فقط، لم تكن قناعته كذلك، إنما المسألة لها اتصال بالاستعدادِ النفسي والإمكانات الفردية الخاصة لكل فردٍ من الإخوان على حدة.

 

وخلاصة القول: إن كل جانبٍ من جوانب دعوة الإخوان له وزنه النسبي، ولا يحسن أن يطغى جانب على الجوانب الأخرى، إنما التوازن بينهما هو الأولى.

 

وهناك محطات مضيئة في حياة الدكتور "سناء"، منها إطلاق أسماء على أولاده (بنين وبنات) قد تبدو للوهلة الأولى غريبةً على الأسماع، ثم ما يمضي وقت يسير حتى يتعوَّد الناس عليها، وتصبح عادية جدًّا يفضل البعض خلعها على أبنائهم؛ وبذلك يتحقق إحياء هذه الأسماء بعد ما هجرها الناس.

 

كما أنه- رحمه الله- كان يهتم باللغة العربية حديثًا وتخاطبًا بقدر الإمكان، وكان متبحِّرًا في علومها وآدابها، ويهتم بالشعر، وله مساهمات عديدة في هذا الميدان، ثم كان له باع طويل في كتابة المقال السياسي والتربوي، وقد سطَّر موضوعات متناثرة هنا وهناك تحتاج لمَن يعكف على جمعها وإصدارها في كتابٍ واحدٍ ليعم نفعها.

 

ويطول بنا الوقت إذا ذهبنا نتبع آثاره الطيبة أو عددنا أخلاقه وصفاته وشمائله وتأثير ذلك كله على الدوائر والمجالات ذات الصلة به.

 

رحمه الله، وألحقنا به في الصالحين، وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.