من سمت الطغاة والمستبدِّين أنهم لا يألون جهدًا في محاربة الدعاة والمصلحين, ويبذلون قصارى جهدهم بما يملكون من مال وسلطان في الصدِّ عن دين الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وآخرها حملة الاعتقالات الكبيرة التي طالت عددًا كبيرًا من كوادر وقيادات جماعة الإخوان المسلمين؛ وذلك بمناسبة وبغير مناسبة!!.

 

أما هذه المرة فالمناسبة هي ضرب مبدأ المواطنة في الصميم الذي صدَّعوا به رءوسنا وغيَّروا الدستور من أجله وجعلوها في البند الأول منه, ولكنهم- على ما يبدو- أرادوا أن يعلنوها صراحةً: لا مواطنون سوى مواطني الحزب الوطني الحاكم وتحالف المال والسلطة في مصر, أما الباقون فهم عبيد لم تلدهم أمهاتهم أحرارًا، ومصر ليست للمصريين، بل هي للطغمة الحاكمة وتحالف الفساد والاستبداد.

 

وهذا هو منطق فرعون الذي أراد أن يُقنع شعب مصر بفساده واستبداده، فأعلن أنه يملك الأغلبية الكاسحة من الشعب المصري، وأن من يعارضه هم أقلية حاقدة, حين نادى على الملأ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)﴾ (الشعراء)، وعلى الرغم من وصف فرعون للفئة المؤمنة بالشرذمة، يعني القلة التي لا قيمةَ لها، إلا أنه وصفهم بأنهم يغيظونه ويطيرون النوم من عينيه, في مشهد عبثي مناقض للحقيقة والواقع!!.

 

هكذا أراد النظام الحاكم في مصر والماكينة الأمنية المستبدة التي تعاونه ليقطع الطريق على الأحرار الشرفاء من الأمة من الترشُّح لانتخابات المجالس المحلية المزمع إجراؤها في 8 أبريل المقبل في تحدٍّ غير مسبوق للدستور والقانون بعد أن عصف النظام بكل الدساتير والقوانين.

 

فبالإضافة لمبدأ المواطنة، وناهيك عن المادة 40 التي تنص على: "المواطنون لدى القانون سواءٌ، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة؛ لا تمييزَ بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة", فقد قرَّر النظام مصادرةَ الحياة السياسية وإقصاء كل المعارضين من الساحة السياسية.

 

يظن النظام بجبروته أنه يستطيع أن يفعل أي شيء في سبيل الغاية غير الشريفة في التسلُّط والاستبداد والمحافظة على كرسي الحكم، حتى لو ألغَى الشعب المصري كله وصار يحكم دولةً بلا شعب, لكن الله جعله أداةً لتمحيص المؤمنين الصادقين.

 

اختبار الثبات

يقول الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في الثبات: "وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة، وتطاولت السنوات والأعوام حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين؛ فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 23)، والوقت عندنا جزء من العلاج، والطريق طويلة المدى، متعددة المراحل، ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة".

 

ويقول: "إن دعوة الله حتى تحيا وتثبت وتنتشر وتزدهر تحتاج إلى رجال من تكوين خاص؛ رجال مخلصين عاملين يجاهدون ويضحُّون ويظلون على ذلك ويثبتون أمام المحن والابتلاءات والتهديدات, ويصبرون على المشقَّات ويغالبون العقبات.. كل ذلك بلا كلل أو ملل, ولا انقطاع ولا فتور" (رسالة التعاليم).

 

ويرشدنا ربنا إلى أن طريق الجنة محفوف بالمكاره والعقبات ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

 

إن الاعتقالات والمطاردات وحرب الأرزاق التي يشنُّها النظام الحاكم على جماعة الإخوان لن تزيد الصف إلا ثباتًا وإصرارًا على المضيِّ قدُمًا لنصرة دين الله في الأرض.

 

اختبار الطاعة

ويقول الإمام البنا في الطاعة: "وأريد بالطاعة امتثال الأمر وإنفاذه توًّا, في العسر واليسر, والمنشط والمكره".

 

إن اختبار الطاعة لن يكون حقيقيًّا إلا في العسر والمكره, انظر إلى بني إسرائيل حين طلبوا من سيدنا موسى النفير لمحاربة الظالمين من أعدائهم, وحين جاءت لحظة الحقيقة والمواجهة قالوا لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآية 24)، غير أن المؤمنين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في نفس المشهد قالوا: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".

 

وحين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالخروج من أجل عير قريش، ثم تحوَّل الهدف من العير إلى النفير, انظر إلى القرآن حين يصف اختبار الطاعة عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)﴾ (الأنفال).

 

وجماعة الإخوان لن تقيل ولن تستقيل, بل ستظل وفيَّة لدين الله، مطيعةً لقادتها في الخير في أحلك الظروف حتى تلقى الله على ذلك.

 

اختبار التضحية

يقول الإمام البنا في التضحية: "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه, ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل".

 

مطلوبٌ من الصفِّ بذلُ هذه التضحية عند المحن والابتلاءات، وهي بذل كل شيء يملكه الأخ, هذه هي التضحية التي دعا الله إليها، وربَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه عليها ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111).

 

والآن.. ما هو المطلوب في هذه المرحلة؟ المطلوب هو رجل العقيدة الصادق المطيع والمضحي والثابت على طريق دعوة الله بعد التمحيص من العقبات والابتلاءات.

 

يقول الشهيد سيد قطب في كتابه (السلام العالمي والإسلام): "على هذا المستوى من الصدق يجب أن تكون القاعدة التي نريدها اليوم؛ فطريق النصر هو طريق الآلام؛ أرضه أشواك، وسماؤه عواصف وأخطار, ومعالمه شهداء ورجال, قاعدته الصوَّامون القوَّامون الخاشعون المخبِتون, رهبان الليل فرسان النهار، الذين يأخذون بأساليب الرقيّ العلمي والتكنولوجي، ويخطِّطون لمستقبل الإسلام ويجتهدون ليل نهار لإنجاح خططهم، ومن هؤلاء تتكوَّن الأسرة المسلمة التي هي نواةُ المجتمع المسلم المنشود, هذه هي طبيعة المرحلة ومتطلَّباتها, والله يقدِّر الأمور وهو القوي العزيز".