انتقل إلى رحمة الله- تعالى- الدكتور سناء أبو زيد بعد مصاحبة وملازمة للمرض دامت سنوات يعلم الله عددها، وأمراض يعلم الله نوعها وشدة بأسها، فلم يزده الابتلاء إلا صبرًا واحتسابًا، ولا المرض إلا رضًا وتسليمًا بأمر الله- تعالى- نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكِّي على الله أحدًا، وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
عرفت الدكتور منذ أكثر من خمسة عشر عامًا؛ حيث كنت جارًا له، وفي ليلةٍ كنت مريضًا فيها ومصابًا بأزمة الربو حتى ضاقت بي نفسي وشعرتُ بالتأفف والتضجر؛ لأني كنت أسكن مغتربًا؛ فلا أجد مَن يطببني أو يواسيني، فأتاني الدكتور- رحمه الله- وبعد أن كتب لي وصفة الدواء بخط جميل واضح على خلاف منهج كثيرٍ من الأطباء؛ فقد كتب الأدوية باللغتين الإنجليزية الواضحة والعربية الصحيحة الفصحى، ثم كلمني عن الرضا فكان كلامه أهم لي وأفيد لعلاجي على المدى البعيد من الدواء.
من يومها صارت صداقة بيننا، ولمَّا علم أنَّ لدي بعض العلم عن اللغة العربية والعلوم الشرعية، وعلمت أنه يعشق اللغة العربية الفصحى؛ فإذا تكلَّم بها لا يلحن فيها أبدًا، توطَّدت العلاقة بيننا، وكنت أذهب إليه بأطفالي صغارًا فيكتب الدواء على صفحةٍ ويكتب بعض النصائح بخطه الجميل ولغته العذبة على الصفحة الأخرى، وكلها تدور حول نظافة الطفل والاعتناء به، ويقول مبتسمًا: الصفحة الأولى لك؛ لأنك أنت الذي تشتري الدواء، والثانية لزوجك؛ لأنها هي التي تربِّي.
كان الدكتور سناء أبو زيد- رحمه الله- في ذلكم الجيل النابه؛ فقد عاصر الدكتور حلمي الجزار، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور عصام العريان، وكان يلقَّب بالشيخ؛ حيث كان يحفظ القرآن الكريم ويجوِّده ويقوم على المقارئ التي كانت بمثابة الكتاتيب في هذا العصر بالنسبة للطلاب.
كانت هذه الفترة- فترة السبعينيات من القرن الماضي- فترةً مهمةً جدًّا؛ حيث كان فيها نوع من الانفتاح الدعوي الذي ربما أدَّى في بعض الحالات إلى التشدد، فكان دور الدكتور سناء وأمثاله عاصمًا من الجنوح إلى التشدد؛ جمع الناس على كتاب الله- تعالى- وحوله لا تزيغ الأبصار ولا تضل الإفهام، ولا تقسو القلوب، بل تلين بذكره، ناشرةً الخير والمعروف بإذن الله تعالى كمثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
كان يرى أن اللغة العربية وتعلُّمها فرضٌ لازم على الدعاة والمشتغلين بالدعوة، وكان يقول لي كثيرًا: "أنا لا آمن رجلاً يلحن في اللغة على ديني؛ لأن الخطأ في اللغة العربية سيتبعها لا محالةَ خطأ في فهم نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة"، وقد رأيته غاضبًا حتى بان الغضب في وجه يوم أن سمع أحد خريجي كليات اللغة العربية وهو يتحدَّث باللغة الإنجليزية من باب الظرف، ولم تكن ثمةَ حاجة لهذا إلا إشعار السامع أنه يعرف شيئًا من اللغة الإنجليزية، فقال له: "لقد كنت كبيرًا في عيني، وما أن قلتَ هذه العبارة حتى سقطت من نظري"!!.
كان يعشق كتب التفسير، ويضع فوق رأسه كتاب (التحرير والتنوير) لابن عاشور- رحمه الله- ويقول: "أنا لا أنام إلا إذا قرأتُ شيئًا فيه"، وكان له لفتات ونظرات في كتاب الله تعالى لم يُسبق إليها، ولطالما رجوته أن يكتب هذا أو يمليه عليَّ وأنا سأكتبه وأراجعه حتى ينفع الله به، لكن منعه المرض وكثرة الحركة، ومنعني الكسل وكثرة التسويف، وقدَّر الله وما شاء فعل.
سأله أحد الشباب الأطباء- وكان أمامي- عن التخصص الذي ينصحه به، فنصحه ثم قال: أنا لم أندم على تخصصي في طب الأطفال إلا يوم أن أردت الذهاب مع إحدى لجان الإغاثة في وقتٍ ما وكانت حاجتهم للجراحين مقدَّمةً على التخصصات الأخرى، فحزنتُ؛ حيث لم أستطع أن أقدم شيئًا في هذا المجال".
كان يربط مواعيد عيادته بالصلاة، فيكتب على وصفة الدواء مواعيد العيادة من قبل صلاة كذا بساعة إلى بعد صلاة كذا بساعة أو ساعتين، ويوم الخميس والجمعة إجازة، فلما تعجَّبت من هذا وسألته: ماذا تصنع في يوم الخميس والجمعة؟ فقال: "هذا سهم الدعوة"، على الرغم من أن دعوته كانت تزاحم كل أعماله طوال الأسبوع؛ فلا يعطي لعيادته إلا وقتًا محدَّدًا ثم يجعل الباقي وقفًا لله تعالى.
كان عقلاً منظَّمًا في طريق إعداده لخطبه ودروسه ومحاضراته، تشعر أنه بذل جهدًا كبيرًا في جمع مادتها وتنظيمها وتوظيفها، وكانت له رسالة مختصرة كتبها باسم (ناصح أمين) اسمها- على ما أذكر- "المرشد المعين"، وهي على صغر حجمها كانت مهمةً في هذا الجانب.
كان يفي بوعده وعهده مهما كانت الظروف، ولمَّا كان معافًى في بدنه كان إذا وعد يقول لن يمنعني من هذا إلا الموت، فلمَّا مرض قال "وشدة المرض"، وكان يقول دائمًا: "نعتذر للأعذار ولا نعتذر للأحرار".
زاره بعض جيرانه في مرض موته الأخير فكانت وصيته لهم المواظبة على صلاة الفجر، وقال: "أخشى أن ينشغل الدعاة بأشغالهم الدعوية وأعبائهم المعيشية عن صلاة الفجر فيضيعوا كل شيء".
رحم الله الداعية الطبيب؛ فقد كان مميزًا وسبَّاقًا في كل شيء حتى في المرض والابتلاء.
اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وضاعف حسناته، وتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجرَه، ولا تفتنِّا بعده، واغفر لنا وله وللمسلمين والمسلمات.
----------------
* مستشار النطاق الشرعي بموقع "إسلام أون لاين".