عندما قرعنا أجراس الخطر حول مخطط جهنمي لاستهداف الرأي الآخر، لم نكن أبدًا مخطئين لأنها كانت الحقيقة بعينها، فوزراء الداخلية العرب اجتمعوا بتونس واتخذوا قراراتٍ سابقةً بتجريم ما أسموه التحريض على الإرهاب، وطبعًا كالمعتاد من دون إعطاء تفسير محدد، ودقيق لهذا المصطلح الذي صار شماعةً تعلق عليها جرائم ضد الإنسانية ترتكبها الدول العظمى، وحتى الأنظمة الديكتاتورية خاصةً العربية منها، فقرارات وزراء الإعلام العرب جاءت كتأكيد من أصحاب الشأن لوثيقة تبناها وزراء الداخلية سابقًا، وكأن الوزراء الذين يمثلون ما يسمى عندهم بالإعلام مجرد شرطة في مخافر داخليات دأبت منذ عهود على شتى الانتهاكات في حق الإنسان والإنسانية جمعاء.
الوثيقة هذه التي أبدعها وزراء الإعلام في حق الفضائيات يمكن أن نسميها وثيقة العار، جاءت مغلفةً بأشياء يراد منها إبراز حرص هؤلاء الوزراء على القيم الحضارية للأمة، كتلك الممنوعات المتعلقة بمنع نشر ما يسيء للذات الإلهية والأديان السماوية والرسل والمذاهب والرموز الدينية والأخلاق، وطبعًا سبق ذلك تحريم التعرض للزعماء العرب بالتجريح أو النقد، وهكذا صار "الزعماء العرب" حسب مذهب وزراء إعلامهم من المقدسات التي يحرم تحريمًا لا خلاف فيه بين جمهور الوزراء التعرض إلى عارهم، وشنارهم، وظلمهم للناس، وفسادهم، وانتهاكاتهم المتواصلة لحقوق الناس بالسجن والتعذيب والنفي والقتل خارج أطر القانون ومصادرة الحريات، وتكميم الأفواه واختلاس الأموال.
إن القنوات التي توصف بالجنسية والفنية والإباحية وهي طبعًا كذلك لأنها تنشر الرذيلة بين المجتمعات العربية والإسلامية، وتشجِّع على الفسق والفجور والانحراف، هي بالأصل تُبثُّ بدعم من مسئولين ونافذين في الأنظمة العربية، والمطربات اللواتي ينشرن الانحلال الأخلاقي من خلال كليبات جنسية، وعلى المباشر يستقبلن رسميًّا في الدول العربية استقبال الفاتحات، واستقبال العالمات، وهن عوالم وعاهرات يحرم على من له أدنى الشرف النظر إليهن، فيقدمن الحفلات وبالملايين، وبحضور الزعماء والوزراء في أرقى الفنادق بالدول العربية.
فهذه القنوات الإباحية تُموَّل من طرف الزعماء العرب، وتلقى منهم الدعم المالي منقطع النظير؛ لأنه يراد منهن إفساد الشباب وجعله يتخنَّث ويتشبَّب بقصص العشق والغرام وأجساد الفاتنات، بدل أن يتطلَّع لمستقبله في بلده، ويتشبَّب بقضايا الأمة من فلسطين إلى العراق، هم يريدون من الشباب يفتش عن أخبار هيفاء وهبي التي أمنوا على جسدها وبدعم الزعماء العرب بالملايين، وليس الأمر على هيفاء وحدها، بل نذكر أيضًا نانسي عجرم أو إليسا أو رولا سعد، ولكنهم لا يريدون أن يتابع شبابنا أخبار أطفال غزة ونسائها اللواتي هن أشرف رجولةً من الحكام العرب.
إن كانت القنوات الإباحية تشكِّل خطرًا على أخلاق الناس وأذواقهم، وقد فطن لذلك وزراء الإعلام العرب بعد سنوات صارت فيه هذه القنوات تعد بالمئات؛ حتى كادت تصل إلى أن كل مطربة إغراء تملك قناة تتابع أكلها وشربها واستحمامها وعهرها وسهراتها الماجنة وألبستها الداخلية!!.
أليس ذلك دليلاً قاطعًا على نفاق هذه الثلَّة من المفسدين، الذين يريدون تحصين أنفسهم من الرأي الآخر الذي لم يجد مكانًا يبلغ به رسالته لأمته سوى "الجزيرة" أو "المنار" أو "العالم" أو "الحوار"؛ وذلك بواسطة قرارات ووثائق نحن على يقين أنها ستطبق بسرعة رهيبة ومذهلة، عكس تلك القرارات المختلفة التي خرجت بها ما يسمَّى تجاوزًا "جامعة الدول العربية"، ولكنها ظلت مجرد وثائق عار تلاحقهم إلى أبد الآبدين، لا لشيء سوى أنها تتعلق بربيبتهم "إسرائيل"، التي يزورها وزراء عرب تحت عناوين بارزة؛ منها بحث قضية فلسطين، وحصار غزة، وغيرها، وهم يزرونها لأجل الشرب والسهرات الماجنة مع عاهرات يتقن أولمرت استيرادهن من الدول العربية، وهكذا يلتقي العرب مع العربيات في أوضاع مخلَّة بالحياء والشرف والقومية والرجولة على سرير مجهَّز بمختلف وسائل التصوير والتسجيل والتنصُّت.
الفساد المستشري في الدول العربية يتورَّط فيه الحكام وأذنابهم، فهل عندما نتحدث نحن عن هذا الفساد، والعهر العربي نكون قد خالفنا القانون وأشدنا بالإرهاب؟!
فعندما ننقل واقع الشباب العربي الذي يعيش الإقصاء والتهميش وتنخر أوصاله البطالة المقنَّنة، ونتحدث عن الفقراء وما أكثرهم الذين رفضوا التسوُّل إكرامًا لكرامتهم وراحوا يقتاتون من مزابل الأثرياء، أو أننا ندافع عن شباب يضحُّون بهم من أجل شهواتهم المجنونة بالحكم، فتجدهم يقبعون بالسجون، أو يهربون للجبال متمرِّدين، أو يرمون أنفسهم في قوارب موت ويصبحون لقماتٍ سائغةً في أعماق البحار، أو نكشف تورُّط مسئول في صفقات مشبوهة، أو عمالة ثابتة لدول تصنَّف في خانة العداء، أو نعري مشاريع وهمية تنفخ فيها أحزاب شكّلت خصِّيصًا لاحتواء اللعبة الديمقراطية في الدول العربية، حينها نكون أجرمْنا في حق فضيلة الحاكم العربي، وحينها يحقُّ لهذا الحاكم اتهامنا، ومتابعتنا بالتحريض على الإرهاب، هو صحيحٌ أنه كل من يقرأ ويعرف ما يفعل بثروات الأمة لن يتأخَّر لحظةً في امتطاء سيارة ملغومة، أو أن يتجنَّد بحزام ناسف، ويقتحم المناطق الخضراء في الوطن العربي، وينسف الجميع؛ لأنه لا معنى للحياة وأبناء الفقراء يتضوَّرون جوعًا وبنات الحكام وعصاباتهم يقلِّمن أظفارهن في كبريات عواصم العالم، وعلى حساب الدولة طبعًا.
إن وزراء الإعلام الذين هبّوا بهذه الوثيقة كانوا حينها لا يفكرون إلا في هدف واحد؛ ألا وهو القنوات التي أعطت الفرصةَ للرأي الآخر، سواءٌ في "الاتجاه المعاكس" أو "أكثر من رأي" أو "بلا حدود"، أو حتى في نشرات الأخبار المختلفة، حتى يبوح بمكنوناته، ويبلغها للرأي العربي، وهؤلاء الوزراء أدركوا مدى مصداقية المعارضة، ومدى إقبال الناس عليها؛ لذلك لم يجدوا من بديل يحمي ظهرهم سوى محاصرة هذه القنوات، لتتحوَّل بذلك إلى قنوات رسمية، تتابع رسائل الزعيم إلى نظرائه، وتزركش مسيرته المخزية ومواقفه التي لا تتعدى كلمات يكتبها له مستشاروه، ثم يوقِّع عليها مدينًا بها "إسرائيل"؛ لأنها حاصرت غزة، وقتلت شبابها وأطفالها من دون نيل المباركة من محمود عباس، ثم يمتطي طائرته في اتجاه البيت الأبيض لطلب الأعذار وتقديمها لسيده.
هل من الممكن أن يتخذ وزراء العرب موقفًا من شبكة "روتانا" التي يملكها أمير سعودي ومن العائلة المالكة؟! لا أجيب عن هذا السؤال الذي يبدو أحمق في زمن حمق أناس ساقتهم أقدارهم وأصبحوا يمثلون الإعلام العربي، وفي ظرف أقل ما يقال فيه إن الصراع الحضاري لأجل البقاء صار إعلاميًّا بدرجة كبيرة لا يمكن تجاوزها.
إن تحفُّظ قطر على الوثيقة لدليل قاطع على أن ما كان يدار بين رسل الزعماء العرب يستهدف مباشرة القناة القطرية التي أحدثت طفرةً كبرى، ومنعطفًا بارزًا في تاريخ الإعلام العربي، أو ربما تبادل وزراء الإعلام لواعج الشكوى من هذه القناة التي عرَّت الحكام من زيف لبسوه لسنوات طويلة وبرقته وسائل إعلامهم الداخلية والرسمية؛ فالإعلام ما قبل "الجزيرة" كان مجرد بوق يزوِّر الحقائق، ويكذب على الناس، ويجعل من الباطل حقًّا ومن الحق باطلاً، ويروِّج دومًا للرؤية الرسمية التي لن تحيد عن تمجيد الحاكم، وتأليه قراراته، ولكن بعد "الجزيرة" ما صارت تنطلي على أحد تلك الأكاذيب، وتلك الصباغة المزيّفة التي يكشفها المتابعون للشأن، ويعرُّونها على مرأى الجميع.
أليس هذا دليلاً قاطعًا على أن الحكام العرب، يريدون تأميم الإعلام العربي، وجعل الفضائيات برغم استقلاليتها مجرد أبواق تسوِّق ما يخدم مصالحهم، ويطيل عمر بقائهم فوق أعناق شعوب ستدفعهم ظروفهم الاجتماعية إلى الانفجار بلا أدنى شك، وأنا على يقين أن هؤلاء سيجتمعون مرةً أخرى، ويؤمِّنون شبكة الإنترنت، ويضعون قيودًا على مدوّنات أظهرت متمردين من أمثال "الفرحان" الذي صار غُصَّةً في عنق النظام السعودي، والأيام بيننا سجال.
-------
* كاتب صحفي مقيم بباريس.