تحركت الأحداث في الأسابيع الأخيرة، وتسارعت خطى الحِراك العام والفاعل في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وغيرها من بلاد أوروبا والغرب جميعًا، وتلاقت قلوب ومشاعر المحبين للخير المناصرين للمظلومين والمقهورين، وهبوا جميعًا في مسيرات واحتجاجات تندد بممارسات الكيان الصهيوني، وبكل مَن يسانده ويؤازره ويقف وراءه.

 

ولعل القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون هي ما أقدم عليه حكام الكيان الصهيوني المغتصب من ممارسات شاذة، وتصرفات غريبة، بدأت عشية زيارة الرئيس الأمريكي بوش للمنطقة العربية في جولةٍ استعراضيةٍ مساندة لليهود ومحرضة لهم على تشديد الحصار على غزة، وأهلها وعلى المقاومة فيها وعلى رأسها "حماس"، وبقية فصائل المقاومة، وصولاً إلى إنهاء هذه المقاومة، والتخلص من كابوسها الجاثم على صدر الكيان الصهيوني، وكافة القوى المؤيدة له المساندة لمشاريعه التوسعية، فبدأت بحملة عسكرية رهيبة وسالت بسببها الدماء أنهارًا في غزة وبعض المدن في الضفة، ونالت هذه الصواريخ أعدادًا ضخمةً من الفلسطينيين، لا تفرق بين مدني، ومقاتل، بين صغير وكبير، بين رجل وامرأة، فهي صواريخ عمياء، هدفها إحداث رعب وبث هلع في قلوب الجميع، يؤدي كما يزعمون إلى استسلامٍ كاملٍ لإرادة العدو المغتصب، وإلقاء المقاومة لسلاحها، وترك ساحة الجهاد، وهيهات هيهات.

 

ثم كانت الطامة الكبرى، قطع التيار الكهربائي عن غزة، وتوقف المحطات المولدة له، نتيجةً لتوقف إمدادها بالغاز والوقود من الكيان المغتصب، فعاشت غزة في ظلام دامس، وخرج الجميع في تحدٍّ ظاهر يحملون الشموع في مظاهرات حاشدة وعصيان مدني لقوى الظلم والقهر، وأخطر ما تأثر بذلك المستشفيات؛ حيث إن أغلب المرضى، وهم بالمئات تتوقف حياتهم على الكهرباء في تشغيل الأجهزة والمعدات الطبية، وهم من الأطفال والنساء وكبار السن والجرحى والناقهين.

 

استفز ذلك كله مشاعر الأمة كلها وأهل الخير في العالم- وما أكثرهم والحمد لله- وحرك مكنون الغضب في نفوسهم، فخرج الجميع في تجمعات وتظاهرات سلمية، تساند المظلومين المقهورين، وتطالب برفع وإنهاء الحصار الظالم المضروب على غزة وأهل فلسطين.

 

وتدل هذه الهبة الميمونة على أن جسم الأمة ما زال بعافية، ولم يصب التخدير أو الإحباط أو الإعياء، كما يتوهم خصوم الأمة، وهذا أهم درس في هذه الشدة.

 

ولعل أهم عامل يبقى على الأمة، ويحافظ على مقوماتها الأساسية، هو روح المقاومة وعمق الممانعة.

 

والإسلام- دون غيره- هو الذي يحيي موات النفوس، ويبعث الأمل في القلوب، ويبذر بذور العزة والكرامة، ولا يرضى الدنية في الدين، ولا التفريط في الأوطان أو الاستسلام لمخططات الأعداء وأطماعهم.

 

وكل جيل من أجيال المسلمين يستقر في يقينه، ووجدانه أنه هو المعنى باستنهاض همة الأمة، والذود عن حياضها والدفاع عن أرضها، ومقدساتها وأعراضها، وأنه لا بديل له عن ذلك، حتى لا يقع في ذلك المحذور ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).

 

وجزى الله الشدائد كل خير، فهي قد وحدت أهل فلسطين، بعيدًا عن ذوي المصالح والأهواء من المستسلمين لخط الأعداء، وعبَّأت النفوس والأرواح، وأعلت من روح التشبث بالأرض، وبالوطن، وعدم مغادرته أو تركه مهما كانت الخسائر والآلام.

 

ولم تقتصر غضبة الأمة، ومؤازرتها ومساندتها لأهل غزة والمطالبة برفع الحصار عنها إلى الأبد، لم يقتصر ذلك كله على الاتجاهات والحركات الإسلامية الواعية، بل شمل ذلك كل قطاعات الأمة المتدين منهم وغير المتدين، شمل المثقفين والكتاب- اليساريون منهم والعلمانيون- وأهل الفن والتمثيل والغناء، كلهم يعلنون استنكارهم للعبث والكيد الذي يدبر لأهل غزة، وهذا بلا شك، يستلفت أنظار الذين يرصدون هذه الظاهرة العجيبة، إذ يجمع الجميع على التعاطف مع المظلوم، والوقوف مع المعتدَى عليه، ورفض الظلم والظالمين والمعتدين والمغتصبين، وكشف زيف الباطل وفضح الممارسات اللا إنسانية التي يتذرع بها الصهاينة المحتلون.

 

وهذه الشدائد، فضلاً عن أنها وحَّدت مشاعر الأمة، وجمعت قلوب أبنائها، فإنها كذلك فتحت عيونها على الخطر الداهم الذي ينتظرها من خلال السلبية واللامبالاة، التي تبث جهات معادية ومتعددة عبر وسائل الإعلام والفضائيات المختلفة، تبث عوامل الضعف والتخاذل، وتنشر الانحرافات والرذائل، وتوهن من قوة الرجال وتدمر طاقات الشباب وتزين لهم اللهو والمجون وتبعدهم عن ساحات الجد وعلو الهمة وقوة الإرادة، وتجعل الكثير منهم صرعى المخدرات والشرود والتيه.

 

وهذه- بلا شك- من التداعيات المؤسفة لإبعاد الأمة عن مصدر قوتها، وعزتها وشرفها، ومن آثار تصدي بعض الأنظمة في المنطقة لظاهرة التدين العام، ومحاربة هذه الظاهرة وقطع الطريق على العاملين لها، حتى بدت أمريكا، وكل بلاد الغرب، وكل من يسير في ركابهم، بدوا وكأنهم يربطون بين الإسلام والإرهاب خاصةً بعد أحداث سبتمبر 2001م، ووضعوا الإسلام والتدين، في قفص الاتهام.

 

ويشاء الله بقوته ورحمته أن تأتي أحداث مزلزلة، مثل حصار غزة، فيوقظ الناس، ويحرك غضبهم، ويهز مشاعرهم، ويجعلهم يدركون خطورة التآمر، وقسوة الشراك المنصوبة التي تُحاك لأغلب بلاد الأمة، وأن الأخطار ليست بعيدةً عن كل أهل المنطقة، ولسان حالهم يقول "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، وجرس الإنذار هذا، هو تنبيه للجميع وكشف للخط المعادي، أقول، إن الآية الكريمة في سورة إبراهيم ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: من الآية 27)، تعني أن تدابير أعداء الإسلام، إنما نهايتها الفشل والخسران ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)﴾ (الطارق) ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43).

 

ومن بركات هذه الهبَّة أو الصحوة، أن حركت وعي الكافة على الطبيعة التوسعية للكيان الغاصب، وشراهته لالتهام مزيدٍ من الأرض، حتى تتحقق أحلامه في بسط مخالبه على المنطقة من النيل إلى الفرات، ويتحقق حلمه الموعود، والذي خطط له منذ 1897م هرتزل، مرورًا بوعد بلفور عام 1917م، الذي أعطى فيه من لا يملك لمن لا يستحق، وقبل ذلك بأكثر من قرن، حاول نابليون صاحب الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م أن يقيم وطنًا قوميًّا لليهود في فلسطين أثناء حملته على تلك البلاد، ولكنه باء بفشل ذريع، ورجع إلى القاهرة مهزومًا مريضًا، منكسرًا.

 

ويعجبني ما أشار إليه بعض الكتاب، وهم يستنكرون الحصار على أهل غزة، إلى أن الفطرة السليمة لا يمكنها أن تتصور حصار حديقة حيوان، وتقطع عنها الماء والكهرباء والغذاء والدواء، وكل مقومات الحياة، فكيف نتخيل أن يتم ذلك على خلق من الناس تعدادهم أكثر من مليون ونصف المليون، وماذا ننتظر منهم، إلا الثورة والرفض وتحطيم الأغلال والقيود والسدود مهما كانت فداحة الثمن.

 

ثم إنه لا مجالَ للمقارنة بين ما انتهى إليه حال الهنود الحمر في أمريكا من إبادة جماعية، على يد المهاجرين المغامرين الأوروبيين الأوائل، وبين ما يحدث الآن على أرض فلسطين الباسلة الصابرة، فالشعب هنا، في فلسطين، له عمق حضاري في التاريخ، وجذور راسخة في الجغرافيا، وينسب إلى أمة قوية راسخة عظيمة لا تبخل بأى شيء لنصرة الحق وإعادة القضية إلى بؤرة الاهتمام مهما أراد لها المتربصون من تعتيم وتجهيل وتآمر.

 

وأخيرًا، أحب أن أؤكد على نقطتين:

الأولى: أن كل عاقل يدرك أن القضية التي عبَّرت عنها الفعاليات الداعية لفك الحصار عن غزة، لا تستهدف العداء للأنظمة بالضرورة ولا تشتبك معها في صراع، فهذا يخرج عن دائرة حركة الجماهير الواعية لخطورة المرحلة، والعلاقة إذن لا تخرج عن التناصح والحوار الذي يؤدي إلى إصلاح حال الأمة، والخروج بها من حالات الاختناق والانغلاق السياسي الذي يؤدي إلى الفساد ومزيد من التأخر والانهزامية.

 

الثانية: وأن العداء الذي يملأ صدور أغلب المسلمين لا يتجه إلى اليهود، كديانة يعترف بها الإسلام، إنما ينصرف إلى ما يحمله هذا الكيان من اغتصاب أرض الغير، وتفريغها من أهلها، وطردهم منها، بغير حق، فهؤلاء لا بد من التصدي لهم، وعدم الاعتراف بوجودهم أو مهادنتهم أو السكوت عن جرائمهم.