نقولها بقلب مكلوم ونفس راضية بقضاء الله وقدره "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا شيخ عبد الله يا أبا حسين لمحزونون".
ما من أحد زار اليمن أو قرأ عنها خلال العقود الخمسة الماضية ما بعد ثورة سبتمبر 1962م، إلا ووجد شخصية الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر قد فرضت نفسها، صانعةً للأحداث وفاعلةً لها، ومؤثرةً فيها، فقد صدق فيها حَدْس أبو الأحرار الشهيد الزبيري، حينما كتب إلى الشيخ الشاب قائلاً "إنك الآن تحمل أثقال جبال اليمن وسهولها ووديانها، وأن هيكلك النحيل امتحنه القدر، فحمَّله الأمانةَ الكبرى نحو الشعب والبلاد".
ومع تناقل خبر وفاته- رحمه الله- تذكرت مقولة "إن حياة الإنسان لا تساوي شيئًا إذا عاش لنفسه فقط، لكنها تساوي الكثير إذا عاش لغيره"، لقد عايشت فترةً من حياة الرجل وعايشت الأحداث التي شارك في صناعتها، وقابلته في مراتٍ قليلةٍ محدودةٍ ما بين 90 و97م، ولكنها كانت كافيةً لتكشف لك عما في هذه النفس من معانٍ وملامح عظيمة، قلما اجتمعت في رجل واحد، أقل ما يقال فيه وعنه أنه رجل بأُمَّة؛ فهو رجل المواقف والبطولة والمجد والتاريخ الحافل بنصرة الدين والوطن.
لقد قيل عنه بأنه رجل أكبر من الأحزاب، وأنه من ثوابت الحياة السياسية في اليمن، وأنه الثائر الذي ساهم في إخراج اليمن من ظلمة عهد الإمامة إلى عهد الجمهورية، وأنه النجم اللامع في سماء السياسة والإعلام والعمل البرلماني والعمل العام، وأنه العمود الأبرز والأقوى في أعمدة الحياة السياسية والاجتماعية والتربوية والقبلية في اليمن، وأنه الركن الركيز لأركان بناء دولة اليمن الحديثة، وأنه الجبل الشامخ والمناضل الوطني الجسور.. ذلكم هو الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، رائد وقائد حركة الإصلاح الحديثة في اليمن.
نم قرير العين يا شيخ اليمن.. أقولها بكل ثقة في موعود الله للشيخ الفقيد، نم قرير العين يا شيخ، فلن تنسى الساحة السياسية الحراك الذي أوجدتَّه بها، حينما قمت مع إخوانك الصالحين بتأسيس التجمع اليمني للإصلاح لمواجهة زحف الشيوعيين باليمن؛ فقد كنت قمةً من القمم الشامخة، التي ارتطمت فيها قوى الظلام وكل قوى الشرّ، التي كانت تريد النَّيل من الإسلام والثورة والجمهورية والوحدة، فقد كنت منافحًا عن العقيدة والثورة والجمهورية، ولن تنسى اليمن قرارَك الحاسم بخوض غمار الحرب ضد الشيوعيين في 94 بعد تدهور الوضع العسكري وميله لكفة الشيوعيين، فكانت وقفتك الجسورة ومعك (الإصلاح)، والتي قضت على فلول الانفصاليين.
ولن ينسى (الإصلاح) أنك كنت غطاءً وظلةً له ولجماعة الإخوان المسلمين، الذين ارتبطتَّ بهم منذ بداياتهم المبكرة في اليمن، وأنك أعطيت للحركة وللحزب الكثير من الجهد والوقت والمال، فكنت الشخص الذي كانت له اللمسات الكبيرة في مراحل نمو الإصلاح.
نم قرير العين يا شيخ اليمن، فلن ننسى دفاعَك عن قضايا الأمة، فكم كنت على الدوام مدافعًا صُلبًا عن المثل العليا، ولن تنسى الأمة العربية والإسلامية إيمانَك العميق والصادق بوحدة هذه الأمة، واهتمامك البالغ بالقضايا الإسلامية عامةً، وبالقضية الفلسطينية خاصةً، ودعمك غير المتناهي لإخوانك بفلسطين، ووقوفك الشامخ أمام المحاولات التطبيعية للعدو الصهيوني مع اليمن.
نم قرير العين يا شيخ اليمن فلن تنسى الأمة أنك كنت مهندسَ اتفاقية الحدود التي وُقِّعت بين اليمن والمملكة في عام 2000م؛ لتُنهِيَ خلافًا حدوديًّا بين البلدين امتد لأكثر من سبعين عامًا.
نم قرير العين يا شيخ اليمن، فلن ننسى أنك جعلت من ممارستك للسياسة بوابةً لتوثيق عرى الأُلفة والأخوَّة والمودة والوئام، ونبذ الشقاق والفرقة، والبُعد عن الخداع والغش السائدَين في العمل السياسي، ولن ننسى إثراءك العمل السياسي والحزبي بمفاهيم الوسطية والاعتدال، والقائمة على التوازن المنحاز إلى المصلحة الوطنية، ولن ننسى صفة الاعتدال في تعاطيك مع كافة الأحداث والمواقف، وجمعك بين مهام تنوء بحملها الجبال، فأنجزت كل مهمة دون ميل أو تحيُّز، ما بين رئاسة مجلس النواب ورئاسة الإصلاح وشياخة قبائل اليمن.
نم قرير العين يا شيخ اليمن؛ فلن تنسى اليمن سعيَك إلى إصلاح ذات البين، بين جميع قبائلها الذين يكنُّون لك ودًّا واحترامًا وتقديرًا فاق كل التصورات، فقد كنت بعيدًا عن التعصُّب لهذا أو ذاك، ولم تدخل في قضية إلا وحلَّلتها وأوجدتَّ لها مخرجًا، وكان دورُك السياسي أكثرَ وضوحًا، فقد كنت بحق الشخصية اليمنية الحقيقية في الوفاء والصدق والشفافية والتواضع وحب الوطن، مع تمتعك بذكاء خارق وبصيرة نافذة ورؤية ثاقبة، فاستطعت أن تبقى على الدوام صاحب علاقة متميزة مع الجميع، ولك مرجعية ترجيحية في سائر الأحوال والمواقف طوال نصف قرن، فلن ننسى حياتك المفعَمة بالنضال والتضحية والإيثار والحيوية والنشاط، فقد كنتَ ممن نالوا احترام الجميع وتقديرهم على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية.
نم قرير العين يا شيخ اليمن، يا صاحب القلب اليمني الكبير، ويا صاحب الوعي البصير البعيد عن التهوُّر واستعجال الأمور قبل أوانها.. الشخصية الجامعة التي حملت من الصفات العظيمة نادرًا أن توجد في غيره لأحد حكماء التاريخ السياسي اليمني، الذين مثَّلوا في فترة تاريخية صمام أمان وعامل من عوامل الاستقرار، فقد علمتنا أسلوبًا فريدًا في التعامل مع الخصوم، ألا وهو الغضب الصامت ورد الفعل المختصر، والانحناء بحكمة كبيرة للعاصفة العاتية التي سرعان ما تنقشع؛ فكنت بحق ضابط إيقاع الحركة السياسية في اليمن عبر تاريخها الحديث.
نم قرير العين يا شيخ اليمن، فلن ينسى أيتامُ اليمن دموعَك المنهمرة التي تنساب منك وأنت تراهم في حفلاتهم السنوية، وحينما تستمع إلى شكواهم، فكنت تسارع إلى كفالتهم، ولن ينسَوك وأنت ترعاهم وتحتوي همومهم وآلامهم، ولن ننساك وأنت تشجِّع حمَلة القرآن الكريم وتحفيظه والعلوم الشرعية، وتشجِّع الجمعيات الخيرية في رعاية الأيتام والأرامل والمساكين، ولن ننسى دورك البارز ومساهمتك المادية والمعنوية في جميع هذه المجالات، ومناصرتك قضايا النقابات والاتحادات الجماهيرية، ودعمك هذا العمل بنفسك وبجهدك ومالك، ماديًّا ومعنويًّا.
نم قرير العين يا شيخ؛ فلن تنساك سهول اليمن ولا جبالها ولا هضابها، ولن تنساك صنعاء وميادينها وأحياؤها، والتي شهدت صولاتك وجولاتك، ولن ينسى ميدان السبعين مسيرتك المليونية الحاشدة، ولا ميدان التحرير، ولا باب اليمن، ولن تنسى شوارع صنعاء (الزبيري وعلي عبد المغني والقصر وجمال وغيرها) مواكبك الحاشدة نصرةً للحق، ولن تنساك ساحة وجنبات ورواد مسجد الدعوة المجاور لبيتك في حي "الحصَبة"، والذي كنت ملازمًا له في صلواتك.
كل هذه الأماكن وغيرها لن تنساك، فستظل بصمات سيرتك وما تركته من آثار على مسيرة اليمن مناراتٍ يستلهم منها اليمنيون ما يستكملون المسيرة به، وهم مزوَّدون بالمثل العالية العظيمة التي تجسَّدت في مسيرتكم.
اللهم إن عبدك (عبد الله بن حسين الأحمر) في ذمتك، رحل إلى جوارك، اللهم هوِّن عليه سكراتِ الموت، وارفع درجتَه في المهديِّين، واخلفه في عقبه في الغابرين، وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرِم نزُله، ووسِّع مدخله، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه، ويسر حسابه ويمن كتابه، وشفِّع فيه نبيك ومصطفاك.
-------
* كاتب مصري