يكاد الناس يموتون جوعًا وكمدًا وحزنًا، نتيجة الغلاء الفاحش الذي نعيشه الآن، وسبب هذا البلاء انتشار مظاهر الكسب الحرام من سرقةٍ وربا وتعاملٍ بالرشوة واحتكارٍ للسلع، وأصبح الكثير لا يتحرى الكسب الحلال، المهم عنده أن يجمع المال، من حرام أو حلال لا يهم.

 

وأصبحنا نرى الكثير من المسئولين ورجال الأعمال ينهبون المال بالمليارات ويتركون الشعب يموت جوعًا ولا يبالون به، وقد يقوم صاحب الكسب الحرام بعمل حجةٍ أو عمرةٍ أو توزيع بعض الصدقات وكأنه بذلك يُطهر ماله ويظن أن أعماله هذه مقبولة، مع أن الله لا يقبل العمل إلا إذا تحرَّى صاحبه الكسب الحلال، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

 

فتعالَ معي أخي القارئ نتجول جولةً من الصحابة والسلف الصالح؛ لنرى كيف كانوا يتحرَّون الكسب الحلال، وخاصةً الخلفاء والأمراء؛ حيث كان المال العام أمامهم لكنهم عفُّوا أنفسهم عن الحرام، وأخذوا القدر الذي يكفيهم، وحاسبوا أنفسهم وأولادهم عن أي مالٍ يأتي إليهم، أهو من حلالٍ خالص أم من حرام، فلمَّا عفُّوا عن المال الحرام انتشر الأمن والرخاء وازدهر الاقتصاد، ثم نُلقي نظرةً إلى واقعنا نحن الذي نحياه؛ لنرى الفرق بيننا وبينهم، ثم نختم بثمرات الكسب الحلال.

 

لقد كان السلف الصالح يتحرَّون أكل الحلال، وفي غاية الخوف من أكل الحرام والمبالغة في التحذير منه، حتى قال بعضهم: "لو قُمتَ في العبادة قيام السارية ما نفعك ذلك حتى تنظر فيما دخل بطنك".

 

وهذا خليفة رسول الله أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- يتحرى كل لقمةٍ يأكلها حتى لا يُدخِلَ بطنه حرامًا، فقد كان يسأل غلامه عند مصدر الطعام كل يومٍ قبل أن يتناوله، وقد روى البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان لأبي بكر الصديق- رضي الله عنه غلام- فجاء له يومًا بشيء فأكل منه، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال: أبو بكر وما هو؟ فقال: تكهنتُ لإنسان في الجاهلية وما أُحسنُ الكِهانة إلا أني خدعته فَلقينِي فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" وفي رواية أنه قال: "لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، اللهم إني أبرؤ إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء".

 

سبحان الله!! لقمة أكلها وهو لا يدري مصدرها، فلما علم أنها من حرامٍ حاول إخراجها بكل السبل؛ لأنه يخاف أن ينبت جسده من حرام؛ لأنه يعلم قول الحبيب- صلى الله عليه وسلم-: "ما من جسدٍ نبت من حرام فالنار أولى به".

 

وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- شرب لبنًا ذات مرةٍ فأعجبه، فقال للذي سقاه من أين لك هذا؟ فقال مررتُ بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذتُ من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء.

 

وعن عبد الله بن عمر قال: اشتريتُ إبلاً ورجعتها إلى الحمى فلمَّا سمنت قال: فدخل عمر رضوان الله عليه السوق فرأى إبلاً سمانًا فقال: لمَن هذه الإبل السمينة فقيل: لعبد الله بن عمر فجعل يقول: عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين. قال: فجعلتُ أسعى فقلتُ: ما لكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قلتُ: إبل اشتريتها وبعثتُ بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون. قال: يُقال: أرعوا إبل ابن أمير المؤمنين, اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر: اغدُ على رأسِ مالك واجعل باقيه في بيت المال".

 

سبحان الله.. أين حكام زماننا من الفاروق عمر؟ وأين أبناء الحكام من عبد الله بن عمر الذي استجاب لوالده وردَّ الإبل إلى بيت مال المسلمين؟ أين الذي يجمعون المال من الحرام ومن قوت الشعب ولا يتورعون عن الحرام اعتمادًا على مناصبهم؟!.

 

بل وصل الأمر بعمر بن الخطاب في التورع عن الكسب الحرام وهو خليفة المسلمين أنه رأى زوجته ذات مرة تأكل الحلوى فقال لها: من أين لكِ هذا؟ فقالت: اشتهيتُ الحلوى فاشتريتها. فقال لها: "قومي لبيت المال رُديها، ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به".

 

وأوصت إحدى الصالحات زوجها وقالت له: "يا هذا، اتق الله في رزقنا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار".

 

حال المسلمين اليوم

أما اليوم فقد قلَّ مَن يتحرى الكسب الحلال، وأصبح الكثير يتعامل بالحرام، عن طريق الربا والرشوة والسرقة والغصب والغش والخداع في البيوع والمعاملات وإنفاق السلع بالأيمان الفاجرة، وأكل أموال اليتامى والقاصرين والاستيلاء على الحقوق والممتلكات واختلاس الأموال الخاصة والعامة بأساليب مختلفة وسبلٍ متنوعة بلا خوفٍ من الله ولا حياءٍ، بل أصبح الكثير من المسئولين يستغلون مناصبهم في الحصول على ما لا حقَّ لهم فيه ويستولون على الملايين بل والمليارات من أقوات الشعوب، ولا يضعون في اعتبارهم أنهم سوف يحاسبون أمام الله عز وجل عن الفتيل والقطمير والنقير، وينسون أنهم سيتركون ما جمعوه كله ويرحلون عن الدنيا إن آجلاً أو عاجلاً في وقتٍ وقته الله ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (الرعد: من الآية 38)، فسوف يتركون ما جمعوه كله ويحاسبون عليه كله، ونسوا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "مَن اقتطع حق امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله، قال وإن كان قضيبًا من أراك" (رواه مسلم في صحيحه)، وإنه ليكاد يصدق على هذا الزمان ما جاء في الحديث عند البخاري وغيره: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام".

 

ثمرات الكسب الحلال

من ثمرات الكسب الطيب والمال الحلال أنه يُنير القلب ويشرح الصدر ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح، كما أن الكسب الحرام يحجب قبول العمل؛ حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "والذى نفس محمدٍ بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه عملٌ أربعين صباحًا"

 

ومن ثمراته أيضًا البركة في الرزق والعمر والذرية؛ حيث إنه يُطعم نفسه وأهله الحلال فيبارك الله لهم فيه.

 

ومن أهم ثمرات الكسب الحلال استجابة الدعاء، كما قال- صلى الله عليه وسلم- للصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة"؛ ولذا على كل مسلم أن يسأل نفسه هل مطعمي من حلال؟ وهل أتقن عملي حق الإتقان حتى إذا أخذتُ راتبي أصبح حلالاً صافيًا لا شبهةَ فيه؟ هل أتحرَّى المكسب الحلال؟.

 

وحتى نعلم أهمية المكسب الحلال في استجابة الدعاء نذكر حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي رواه مسلم في صحيحه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.. ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له".

 

فهذا الرجل قد توفَّرت له كل أسباب إجابة الدعاء من سفر، ورفع اليدين إلى السماء، وقوله يا رب، وهو أشعث أغبر، ومع ذلك لا يُستجاب له؛ لأن كسبه حرام، ومطعمه حرام.

 

كما إن للمكاسب المحرمة آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع فإنها تُضعف الدين وتعمي البصيرة، ومن أسباب محق البركة في الأرزاق وحلول المصائب والرزايا وحصول الأزمات المالية المستحكِمة والبطالة المتفشية وانتشار المحن والشحناء والعداء والبغضاء.

 

فعلى المسلم أن يتحرى الحلال في كل شيء، خصوصًا فيما يتقرب به إلى الله؛ لأن الله - تعالى- طيب لا يقبل إلا طيبًا، وعلى مَن اقترف مالاً حرامًا أن يُطهِّر نفسه منه قبل أن يُفاجِئه الموت، فباب التوبة مفتوحٌ للعبد ما لم تبلغ الروح الحلقوم، فليسارع بتوبةٍ صادقةٍ مع ربه، وليرد الحقوق إلى أهلها، فإن الله يقبل توبة التائبين ويقيل عثرات المتعثرين، وليعلم المسلم أنه لن يأخذ أكثر من رزقه الذي كتبه الله له وهو في بطن أمه، وسوف يأخذه لا محالةَ، فلا يأخذه إلا من حلال.

 

أما أعظم ثمرة تعود على المجتمع من الكسب الحلال فهي الرخاء الاقتصادي والرفاهية التي سيعيشها المجتمع إنْ تحرَّى كل فردٍ فيه الكسب الحلال، من أكبر مسئول إلى أصغر مسئول؛ حيث تختفي السرقة والرشاوى والاحتكار، ويتقن كل فرد عمله، وبالتالي يختفي الغلاء الذي نعيشه الآن.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الحلال، ويباعد بيننا وبين الحرام كما بَاعَدَ بين المشرق والمغرب، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمَّن سواه.. اللهم آمين.