نحن الآن في موسم الحج، أيام كلها بركة وفضل، كما أننا نعيش أوائل ذي الحجة، وهي الأيام التي أبلغ فيها الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء".
وفي هذه الأيام يشارك المسلمون جميعًا في الأجر والمثوبة، الحجاج منهم وغير الحجاج، ويتسابق الجميع في الخيرات وحصد الحسنات، فهؤلاء يطوفون ويسعون، ويؤدون مناسك الحج، ويقفون بعرفات، أفضل يوم تطلع فيه الشمس، ويتجلى فيه الله عليهم برحمته وكرمه، ومغفرته وفضله، والآخرون في كل الدنيا، لا يحرمون الأجر والخير فهم يصومون هذه الأيام المباركة، ومن عزم على الأضحية وقدر عليها، فإنه يعمل أعمال الحجاج من حيث عدم الحلق أو القص أو تقليم الأظافر، وليس الأمر مقصورًا على ذلك إنما المعنى الشامل في هذه الرمزية، أن يعيش المسلم كما يعيش الحاج، فهو يتنزه عن كثيرٍ من التصرفات والسلوك، ويعيش مع القرآن العظيم تلاوةً وتدبرًا، دائم الذكر لله، كثير التسبيح، دائم الحمد والاستغفار.
ولعل أعظم نموذجٍ للتضحية، هو ما قدَّمه سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما همَّ بذبح ولده إسماعيل عليه السلام حبيبه وفلذة كبده، بناءً على رؤيا منامية رآها، ورؤيا الأنبياء حق ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: من الآية102)، وهذا اختبار شديد، وابتلاء عظيم، ويذكر الشهيد سيد قطب "ويُدرك- مقصد سيدنا إبراهيم - أنها إشارة من ربه بالتضحية، فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم، نعم إنها إشارة، مجرد إشارة وليست وحيًا صريحًا، ولا أمرًا مباشرًا، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي، هذا يكفي ليلبي ويستجيب، ودون أن يعترض ودون أن يسأل ربه، لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟! ثم يستطرد، فيقول: والأمر شاق ما في ذلك شك- فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته، إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده، يتولى ماذا ؟ يتولى ذبحه، إنه لا يأخذ ابنه على غرةٍ لينفذ إشارة ربه، وينتهي، إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر، فالأمر في حسه هكذا، ربه يريد، فليكن ما يريد، على العين والرأس، وابنه ينبغي أن يعرف وأن يأخذ الأمر طاعةً وإسلامًا، لا قهرًا واضطرارًا لينال هو الآخر أجر الطاعة وليسلم هو الآخر، ويتذوق حلاوة التسليم.
والحديث عن التضحية، كأول درسٍ وأهم درس، يستفيد منه المسلم في هذه المناسبة الكريمة، وخاصةً أولئك الذين يعملون لنصرة دين الله وإعادة المسلمين لإقامة شريعة الله، إنَّ الحديث عن التضحية يقتضينا أن نعرفها بما عرَّفها به الإمام الشهيدك "بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحيةَ فيه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية إنما هو الجزاء الجزيل والثواب الجميل".
إن مقتضى ومعنى "إسلام الوجه لله" أن يُلبي المسلم أمر ربه في كل شيء، في كل ما يأمر به، ويتجنب كل ما ينهى الله عنه، إن الله يحب أن يرى عبده حيث أمره، ويحب أن يفتقده حيث نهاه، ومن ذلك، أن يُقيم الإسلام في نفسه، وينزل عليه، نزول المحب المطيع، الشغوف، المتطلع إلى حياة كلها سعادة وهناء في دنياه، ثم نعيم مقيم في جنة نعيم، في صحبة عظيمة، في أخراه في الجنة.
إنه يلزمه أن يصبغ حياته- كل حياته- بالإسلام، خلقًا وعبادةً وسلوكًا وفكرًا وولاءً وحبًا، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163).
والأمر يقتضي كذلك أن يُضحي المسلم بأمورٍ كثيرةٍ في واقع حياته العملية، إذا لا يصح في مفهوم هذه التضحية المنشودة أن يكون عبدًا لشهواته، وأهوائه، وعاداته ومألوفاته، لا يجب أن تتحكم فيه، وتبعده عن مرضاة الله، كل مظاهر هذه الدنيا.
في مقياسٍ دقيق ومعيار صادق يضع الله عزَّ وجل أمامنا، تلك الآية الكريمة توضح كل شهوات الدنيا ومتعها وحلاوتها وبهرجها وزينتها، يضع ذلك كله في كفة ثم يضع سبحانه في الكفة الأخرى حب الله وحب رسوله والجهاد في سبيله، فلننظر أي الكفتين نريد أن ترجح وتثقل، إلى أي الأمرين ننحاز، ونتوجه ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).
ومجالات التضحية في حياتنا كثيرة ومتعددة، أن نُؤدي حق الله عز وجل، في العبادات على الوجه الذى يرضيه، لا نؤخر وقت الصلاة، ونقوم إليها متى سمعنا النداء مهما تكن الظروف، وأن تكون هي محببة إلينا كما حُببت إلى رسول- صلى الله عليه وسلم- "حببت إليَّ من دنياكم الصلاة..." وهل نقوم، ونفزع إلى صلاة الفجر في المسجد، ونحرص على ذلك كل يوم؟! ونضبط برنامجنا اليومي بما يخدم المحافظة على هذه الفريضة، إذن لا بد أن ننام مبكرًا حتى نقوم إلى صلاة الفجر، ونحن في نشاط، ويقتضي ذلك كذلك أن نختصر الأوقات التي نقضيها أمام التلفاز أو (النت) فلا تستهوينا البرامج مما كانت فوائدها، ولا تستعبدنا عادات دخيلة على حياتنا مهما كانت محببة، فليس كل محببٍ إلى النفس عواقبه محمودة، بل العكس أصح.
ثم يلزمنا كذلك أن نسأل أنفسنا أين نحن من بر الوالدين، وصلة الأرحام والاهتمام بذوى القربى، والجيران، والزملاء والإخوان، وقضاء حوائج الغير، والنصح والإرشاد، وأخذ يد الضعيف والمحتاج وإغاثة الملهوف، والمكروب، أليست كل هذه الأعمال وغيرها كثير تحتاج إلى تضحية بالوقت والفكر والمال؟ وأليست هي من صميم دعوة الإسلام التي ارتضيناه منهجا وحياة؟.
ثم لنا أن نسأل.. ماذا قدمنا، لأسرتنا الصغيرة للزوجة والأولاد، هل قمنا بواجبنا على الوجه الصحيح، إن مقتضى حبنا للدعوة أن نجعل أبناءنا، صورةً لنا، وأن نُعين زوجاتنا على الطاعة، وعلى طريق الالتزام، وأن نجعلهن في موكب نصرة الإسلام، وأن نشدد على إكسابهن كل فضائل وقيم وآداب الإسلام، حتى تورث الواحدة منهن ذلك إلى أولادنا وبناتنا، وكل ذوي رحمنا من الأهل والأقارب، فهل لا يحتاج ذلك منا إلى تضحية؟!.
إن كل فرد استقرَّ في قلبه حب دعوة الإسلام يلزمه أن يشيع هذا الأمر وينشره، ويدعو إليه "بلغوا عنى ولا آية"، ولا يكتفي بإصلاح نفسه فقط، فالإسلام لا يعرف هذه الذاتية الفردية؛ ولذلك نعرف قيمة نداء الأستاذ البنا رحمه الله "أصلح نفسك وادع غيرك"، ولا نفهم من ذلك أننا لا نتجه إلى إصلاح ودعوة الغير إلا بعد الفراغ من إصلاح النفس، ولكنهما لا بد أن يسيرا متوازيين.
وقد تعددت وسائل الدعوة، في هذا الزمن، ولم تعد قاصرةً على المنير في المسجد أو الدرس الثابت، وإنما المخترعات الحديثة وسعت كثيرًا من هذه المنابر، وأصبح لزامًا على الأخ الداعية، أن يتعلم هذه المجالات ويستوعب هذه المستجدات ويتقنها ويجيدها، ويبذل في ذلك الجهد والوقت والمال، أليست هذه تضحية ؟! ثم يشارك في الدعوة من خلال هذه الوسائل الحديثة، ويبتكر هو كذلك في هذا المجال الواسع من الموضوعات ما يؤكده انتماءه قلبيا ووجدانيا، فيرد على الشبهات، وعلى ما يثيره أعداء الإسلام من اتهامات، ويدفع عن الدعوة كل المفتريات، ويشارك في عمل حائط صد منيعة ضد الانحرافات والمفاسد والتحلل الأخلاقي، والانهيار القيمي، والانهزام النفسي والتفسخ الاجتماعي.
أين أقلام الشباب، وغير الشباب في التصدي لهذه الغارة على الإسلام، وسد هذه الثغور، الموجهة لحياة المسلمين، وتسديد سهامنا وجهدنا وفكرنا إلى ما يجب أن نتوجه إليه؟!!.
أليست هذه المجالات جميعها، والدفاع عن الحياة الإسلامية الصحيحة، والأخذ بيد قومنا وأحبابنا إلى فهم الإسلام، وتطبيق منهج الإسلام في حياتهم، أليست هذه كلها وغيرها، تحتاج إلى تضحيةٍ وجهدٍ وجهاد، نستلهمها من هذه المناسبة الكريمة، من إيحاءاتِ الحج، وعيد الأضحى المبارك .
ثم إن من التضحية كذلك أن ندعو لإخواننا خلف الأسوار ظلمًا وزورًا وعدوانًا، وأن نؤكد لكل الدنيا صدق توجههم وبراءتهم من كل ما نسبٍ إليهم، وأنهم من خيرةِ أبناء الأمة وأشرفها قصدًا، وأنقاها وجهةً، وأن تنبري الأقلام للدفاع عن قضيتهم وتؤازرهم في محنتهم، وتشد على أيدي أهليهم وذويهم، ألا يحتاج ذلك إلى تضحية؟!.. فكَّ الله أسرهم، وأحسن خلاصهم.
وكل عام والجميع بخير وإلى خير.