حَمَلَ البريد الإلكتروني الـ"E-mail" إلى الجميع نصَّ محاضرةٍ ألقاها الأستاذ محمد حسنين هيكل في جامعة أكسفورد تحدَّث فيها عن الصحافة والسياسة والحضارة والتاريخ تحت عنوان "الحضارة شراكةٌ إنسانيةٌ"؛ وذلك يوم الإثنين 29 أكتوبر 2007م.

 

والحقيقة.. إن الأستاذ هيكل كان في هذه المحاضرة مُوفَّقًا ودقيقًا؛ إذ وضع يده على الجرح العميق الذي أحدثه الغرب بسياساته اللامسئولة أحيانًا، والمستهترة أحيانًا أخرى تجاه الجنوب، أو إذا شئت فقل تجاه بلاد الشرق الإسلامي؛ وذلك منذ الحروب الصليبية ثم موجات الاستعمار، وعبر جيوشٍ من المستشرقين، وما أدَّى إليه ذلك كله من عداواتٍ وحروبٍ ودمارٍ لبعض بلدان العالم الإسلامي، ثم مسئوليته كذلك عمَّا لحق المسلمين من تخلفٍ وتعويقٍ عن اللحاق بركب الحضارة والتقدم العلمي.

 

يقرر الأستاذ هيكل من حيث المبدأ أن هناك عالَمَيْن (شمال وجنوب)، وليس عالمًا واحدًا، وإن بدا أن بعض النُّخَب في بلاد الجنوب، وهي متعولمة، وتفكر بعقل الشمال وفهم الشمال، ولكنها لا تمثل الجنوب حقيقةً؛ إذ إننا ننسى بذلك الكُتَل الهائلة من البشر وراءها، بل وبعيدًا عنها.

 

ويَذكر أن المسافة بين العالمَيْن واسعةٌ وتزداد اتساعًا، والأمر يحتاج- بحسب رأي الأستاذ هيكل- إلى جسورٍ لعبور هذه المسافة، وإلا تصادمت الكتل ووقعت انفجارات مهولة تسقط مثل الكواكب التي يختلُّ مدارها في ثقوب سوداء في مجاهل الفضاء.

 

وتُعدِّد المحاضرة ثلاثَ ملاحظاتٍ في صميم الحديث عن العلاقة بين الشمال والجنوب ومدِّ الجسور بينهما، من هذه الملاحظات:

* أننا- كما يَذكر- لسنا أمام صراع حضاراتٍ تتصادم أو تتصالح، بل يراها حضارةً واحدةً صَبَّ فيها الجميع ما زاد عندهم أوقاتَ الفيض، وسحبوا فيها ما لزمهم أوقاتَ الجفاف، وساعدوا- كلٌّ في زمانه- في ملء خزانٍ هائلٍ للحضارة الإنسانية أصبح شراكةً طبيعيةً، ورصيدًا جماعيًّا متاحًا بالحق لمَن يريد ويستطيع.

 

ولا ينسى هنا أن يشير إلى دور الحضارة الإسلامية البارز في حضارة أوروبا وبعدها أمريكا؛ فلقد كانت حلقةً رائدةً في أن يُنقَل منها منارات النهضة العلمية وآفاق التقدم الفكري والفلسفي وطرائق الحياة والحضارة التي كان الغرب وقتها في تخلُّفٍ وجهلٍ، واستحقَّ وقتها أن يُوصم بالظلامية والجهالة، في الوقت الذي كان العالم الإسلامي يشع نورًا وحضارةً في حواضر الإسلام كما في بلاد الأندلس في أوروبا.

 

ويَذكر هنا الأستاذ هيكل أن المحيط الإنساني يُنسَب- ولو من باب المجاز- في كل عصرٍ إلى القوة الغالبة فيه، فهو فرعوني، ثم إغريقي، فروماني، وهو مسيحي، ثم إسلامي، وهو بعد ذلك أوروبي، فأمريكي، ومع تعدد اللغات في حالة الثقافات، فإن الحضارة لها لغةٌ واحدةٌ في كل الأحوال، هي لغة القوة الغالبة.

 

* الملاحظة الثانية كما يسردها الأستاذ هيكل "أن فجيعةً إنسانيةً محزنةً قد ضربت نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وقد تحوَّلت الفجيعة إلى عملية تلاعبٍ مقصودةٍ بالصور وبأسلوب خداع البصر، فإذا بالعالم- كما يذكر- يفاجَأ بأن صور المسلم عربيًّا وغير عربي قد أزيحت لتحل محلها صورة المُتعصِّب الإرهابي، ثم تضافرت عناصرٌ من عوالم القرار والأفكار والحوار تحت ضغوط المصالح المتصارعة بقصد ترسيخ هذا التلاعب بالصور وخداع البشر إلى حد إعادة كتابة قصة الإرهاب في التاريخ، فإذا بالشمال بريءٌ منه، وإذا بالشرق الأقصى بعيدٌ عنه، وإذا بالدين الإسلامي وحده مرادفٌ للانتحار والقتل في المُخيِّلة العامة الشائعة في الشمال"، وهذا كلام الأستاذ هيكل نصًّا.

 

وأحسبه لا يجافي الحقيقة والواقع، وقد قرر عددٌ كبيرٌ من المُنصِفين من أصحاب الفكر والثقافة والسياسة من الشمال والجنوب على السواء؛ حيث سدد الغرب (أوروبا وأمريكا) سهامهم وأسلحتهم إلى بلاد المسلمين، كما أصبح الإسلام مُتَّهَمًا بالإرهاب، بل هو الإرهاب نفسه، وهذا ظلمٌ واضحٌ وكذبٌ فاضحٌ.

 

وتُواكبُ هذه الحملةَ الظالمةَ على الإسلام والمسلمين موجةٌ عنصريةٌ قاسيةٌ، وحربٌ فاشيةٌ جائرةٌ، ودعايةٌ مُغرِضةٌ فجَّةٌ، يشارك فيها كل الأطراف الإعلامية والسياسية والفكرية الغربية، وحتى تابعهم وسار سيْرَهم من العلمانيين واليساريين واللبراليين والقوميين عندنا هنا في مصر والعالم العربي والإسلامي، ويتضافر مع هؤلاء وهؤلاء بابا الفاتيكان؛ حيث يذكر الأستاذ هيكل: "... نلاحظ أن رمزًا دينيًّا له مقامه هو بابا الفاتيكان "بنديكت السادس عشر" وقف يتحدث عن الإسلام وعن الحضارة في جامعةٍ ألمانيةٍ، فإذا هو يُلحِق "التمدين" بالشمال و"الهمجية" بالجنوب الإسلامي، ويقرر- ولو بالتلميح- الفارق بين العالمين: الغرب أخذ من المسيحية ثم من الفلسفة اليونانية ما يميِّزه عن غيره في إعلاء قيمة الإنسان، وكان أملُ كثيرين ورجاؤهم لو تذكر خليفة "بطرس الرسول"، ويقصد بابا الفاتيكان، أن المسيحية كلها غيثٌ نزل على الشرق وفاض على الغرب رسالةً وحكمةً، حواريين وقديسين، قصصًا وتعاليمَ، صلواتٍ وترانيمَ، وأن السيد المسيح من مواليد الناصرة.

 

ويستطرد الأستاذ هيكل فيقول: "الفلسفة اليونانية- التي يدَّعي بابا الفاتيكان أنه أخذ منها كما أخذ من المسيحية أسبابًا للتمدن- فإن هذه الفلسفة لها مقدماتٌ سبقتها، وجوارٌ مشرقيٌّ أحاط بها وانساب إليها، ثم إن هذه الفلسفة الإغريقية ضاعت من أوروبا في ظلام القرون الوسطى، بينما كان الجنوب الإسلامي في حالة انتعاشٍ وتدفقٍ ثقافيٍّ، وضمن تفاعلات هذا الانتعاش والتدفق، فإن الفلسفة الإغريقية عادت إلى أوروبا عن طريق فلاسفة الأندلس المسلمين، وعلى رأسهم الفيلسوف المسلم الأشهر "محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي"، ولم يكن "ابن رشد" وغيره من فلاسفة الإسلام مجرَّد وسطاء أو ناقلين، وإنما كانوا مُجدِّدين، وتوسعوا وأحاطوا".

 

* الملاحظة الثالثة كما يذكرها الأستاذ هيكل في محاضرته القيمة؛ حيث يخص هذه المرة الصحافة- ويقصد صحافة وإعلام الشمال- فيذكر أن العالم الإسلامي قد دفع الضرائب مرتين: الأولى: لأن حركة التقدم العالمي لم تُعطِه حتى الآن فرصةً لالتقاط الأنفاس يمسك لحظتها بالعصر ويواصل معه، وفي حين أن الشرق البوذي نجح أحيانًا في الإمساك باللحظة، فإن الشرق الإسلامي تعذَّر عليهم اللحاق لأسباب مُعقَّدة.

 

والثانية: أن الشرق المسلم يعاني من أن الأقلام والأضواء والعدسات كلها توجهت وتركَّزت عليه بينما هو يعاني المرحلة الأصعب في الانتقال من قديمٍ إلى جديد، ومن تأخُّرٍ إلى سبقٍ، ومن عتمةٍ إلى نورٍ".

 

وأضيف هنا مِن عندي.. أن التخلف عن ركب المدنية والتحضر- وخاصةً في جانبه التقني والعلمي التطبيقي أو التكنولوجي- إنما نشأ عندنا في عالمنا الإسلامي لعوامل كثيرة ومتعددة ليس بالضرورة الإسلام واحدًا منها.

 

وتكاد وسائل الإعلام المعاصرة- على تنوُّعها وكثرتها- تركِّز على حالة العالم الإسلامي، وتُبرِز الفجوة بين الشمال والجنوب، والمسافة الواسعة بين العالمين، بل وتكاد تدمغ الإسلام بالإرهاب، ويجعله صنوًا للإرهاب ورديفًا له ظلمًا وزورًا.

 

وهنا يسأل المحاضر:

ماذا لو كانت الصحافة الحديثة ووكالات الأنباء الشهيرة حاضرةً زمن حرب الأباطرة والملوك، والكرادلة والعلماء، والمذاهب والطوائف، والقوميات والطبقات، والإمبراطوريات والتحديات الإمبراطورية لها في أوروبا؟!.

 

وعلى سبيل المثال:

* مذبحة (سان بارتولميو) حين جرى ذبح مئات الألوف من الهوجونوت الفرنسيين على أيدي مواطنيهم من الكاثوليك.

 

* وفي ميدان الكونكورد حيث مقصلة الثورة الفرنسية تدور وتقطع رءوس الملوك والأمراء والسياسيين والمفكرين.

 

* وماذا لو كان نفس البث الإعلامي حاضرًا ينقل أشد الأعمال ظلمًا في تاريخ البشرية، والتي جرت على أيدي أهل الشمال من ظاهرة الاستعمار، إلى العبودية، إلى مآسٍ أخرى في قلب القرن العشرين مثل الستالينية والفاشية والنازية والهولوكست.. إلخ.

 

* ألم تكن محصلة الفواجع للحربين العالميتين الأولى والثانية ما بين ستين وسبعين مليونًا من القتلى وما بين مائة وخمسين إلى مائة وسبعين مليونًا من الجرحى؟!.

 

* وإن ما يحدث في أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والصومال... إلخ وتنقله وسائل الإعلام ليل نهار؛ ليشهد بحق مَن هو الإرهابي، والدموي، أهو الإسلام؟!، أم أهل الشمال وحضارة الشمال؟!.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.