شعبان عبد الرحمن

انتهت أزمة المعلمة البريطانية "جيليان جيبونز" بعد أن أثارت زوبعةً شديدةً على السودان، وتبقى العبرةَ المستخلصة من هذا الحدث: أننا كعربٍ ومسلمين بات من الواجب علينا أن نتلقَّى السخريةَ والسِّباب والاستهزاء بديننا أو نبينا- صلى الله عليه وسلم- بالابتسامات، وبروحٍ رياضية أو ديمقراطية، وبالأحرى بتبلدٍ وخنوعٍ! وإلا نالنا ما نال السودان من هجومٍ وتهديد طوال الأسبوع الماضي!
لن أتوقَّف عند فِعلة المعلمة بإطلاق اسم النبي- صلى الله عليه وسلم- على دُميةٍ في الفصل الدراسي وإرسال خطاباتٍ بهذا المعنى إلى أولياء أمور التلاميذ وهم مسلمون جميعًا.. فالمعلمة البريطانية أثبتت خلال الأزمة أنها الأكثر احترامًا بين كل أصحاب ردود الفعل، فخلال التحقيقات اعترفت "جيبونز" بأنها أخطأت، وأنها لم تقصد إهانة الدين الإسلامي، وبعد عودتها إلى بلادها بعد قرار الرئيس البشير الإفراج عنها كررت "اعتزازها بالدين الإسلامي العظيم".
ولكني أتوقَّف عند ردود الفعل على قرار محكمة سودانية باحتجاز المدرسة خمسة عشر يومًا، وترحيلها من البلاد، لإدانتها بتهمة "إهانة الدين"، فقد كشفت ردود الفعل تلك إلى أي مدى تكون الآلة الإعلامية الغربية ومعها الآلة العلمانية في بلادنا، متحفزة لأي حادثٍ من هذا النوع، لتصب جام غضبها على المسلمين والشعوب المسلمة، بل وعلى الإسلام، مبرزةً صاحب الفِعلة الأصلي الذي سبَّ، أو سخر، أو أهان، كبطلٍ دولي، وضحية من ضحايا حقوق الإنسان، وأن أزمات مشابهة تمَّت خلالها إهانة الإسلام ونبيه- صلى الله عليه وسلم- على أيدي صحفيين برسومٍ ومقالات، وقساوسة وفي مقدمتهم البابا، وساسة وعلى رأسهم المحافظون الجدد تؤكد ذلك!.
على الصعيد الإعلامي، أبرزت وسائل الإعلام صور المظاهرات التي نظَّمها مئات المحتجين من السودانيين غضبًا لإهانة نبيهم- صلى الله عليه وسلم-، وركَّزت الصور والتعليقات على ما يحملونه وقالت: إنها عصي وسيوف!! حملوها ليقوموا بأنفسهم بإعدام المدرِّسة البريطانية.. ولا أدري من أين جاءت قصة "السيوف"، ومن أين اخترعوا حكاية "القصاص"!!.
![]() |
|
عمر البشير |
وبالطبع تمَّ تسليط الأضواء على الحركة النشطة التي شهدتها الحكومة البريطانية ومعها قنوات التلفزة البريطانية ".. السفير البريطاني في الخرطوم يزور جيبونز.. رئيس الوزراء جوردن براون يتصل مرتين بعائلتها.. موفدان من بريطانيا يصلان للسودان؛ حيث التقيا الرئيس البشير... إلخ".
وبدأ الحديث بتوسعٍ عن فقه الحدود في الإسلام، وتلميحات لإمكانية أن يتم جلد المعلمة، بل اختلقت الروايات بين أربعين وستين جلدة، ولو طال الوقت على "جيبونز" ولم يصدر الرئيس البشير قرارًا بالإفراج عنها، لراجت روايات عن احتمالِ إعدامها، أو رجمها، أو غير ذلك من القصص والافتراءات التي تعوَّدناها من الإعلام الغربي وأذنابه، لإبراز الإسلام والمسلمين في صور مرعبة "صورة الإرهاب"!.
وقد بددت "جيبونز" نفسها كل المبالغات التي حفلت بها وسائل الإعلام الغربية عندما بثت شبكة "تشانل نيوز" البريطانية بيانًا لها، جاء فيه: "أريد أن يعرف الناس أنني عُوملت معاملةً جيدة، وأني أتغذَّى بشكلٍ جيد.. كل السودانيين رائعون، وأسخياء جدًّا، وليست لدي سوى تجارب جيدة خلال الأشهر الأربعة التي أمضيتها هنا.. أنا حزينة جدًّا لأنني سأغادر السودان، وإذا كان في استطاعتي أن أعود للعمل فلن أتوانى".
المهم أن كل الذين انشغلوا بالقضية سواء على المستوى الرسمي البريطاني أو الإعلامي، اهتموا فقط بحرية "جيبونز" وبإدانة السودان، ومن خلاله إدانة الإسلام، ولم يتحرك ضمير.. أي ضمير، ليقول كلمة عن احترام عقائد مليار ونصف المليار من المسلمين مقابل احترام حرية "جيبونز"، وهو نفس الموقف الذي اتخذ مع الذين يهاجمون الإسلام ويسبُّون النبي صلى الله عليه وسلم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهناك فريقٌ من بيننا، استسلم لذلك وما فتئ يدعونا للاستسلام معه تحت ذرائع شتى، بدءًا من "التعقل".. وانتهاء "بضرورة النظر إلى ما يدور في العالم بواقعية"، بل يكاد لسان حال بعضهم مع كل حادثٍ مشابه: يقول "اكفي على الخبر ماجور!".
------------
(*) كاتب مصري ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية-Shaban1212@hotmail.com
