يا فضيلة الشيخ.. ألا تسمعني، أُعبِّر لك بكلمات عما بداخلي، أناديك بصوت خافت، وبنيَّة المُذكِّر، على الرغم من أني ما ارتقيت إلى هذه المرحلة، وهي أن أُذكِّر شيخي، أو أن أَعِظَ عالِمي، ولكن أضع نُصب عينيَّ المرأة العجوز التي رفعت رأسها وأعلت صوتها، ووثَّقت خطواتها، وقالت: "اتق الله يا عمر"، وهو أمير المؤمنين، فحملتني فعلتها هذه على الشجاعة لمخاطبتك، ولا أنسى أبدًا حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، ولفظ "سلطان" لُصِقَ على وجه كل رجل له على الناس يد، وأعظم يد أراها هي اليد التي تتحكَّم في شرع الله، فإن كانت عادلةً بالنطق في شرع الله ارتقت عنده- سبحانه- وإن كانت ظالمة فحقها البتر يا سيدي.

 

يا فضيلة الشيخ.. أين فتواك؟! .. فلم نسمع منك إلا كل ما هو غير لائق بأمة منكوبة؟!، بوطن ظالم لكل داعٍ شريف؟!، بدولة لها من القمع والقهر ما يُذكر وليس لها من العدل ما أتذكر؟!، فأين فتواك فيما يحدث بالسجون من تعذيب و إهانة للبشرية؟!، وأين فتواك في المدنيِّين الذين مَثُلُوا أمام محاكم عسكرية؟!، وأين فتواك في وسائل الإعلام وما يظهر فيها من عري قادر على هلاك شباب الأمة؟!، وأين فتواك في المدارس والمصانع والحكومات والربا والتطبيع مع ألدِّ أعداء الأمة؟!، وغيرها الكثير والكثير يا سيدي.

 

يا فضيلة الشيخ.. أين مناظراتك مع علماء الإسلام وعلماء أعداء الإسلام؟!، فكل عالم لا يعرف قدر نفسه إلا بمناظرته قرنائه من مسلمين وغيرهم، وأنت تعلم جيدًا بأن تاريخ العلماء حافل بالمناظرات التي رجَّحوا فيها آراء غيرهم، وقصموا ظهور أعدائهم بأحكامهم، لم يخنعوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا لهم، فاللهَ اللهَ لو تقتدي بهم يا سيدي.

 

يا فضيلة الشيخ.. أين نصحك وإرشادك لحكَّامك وبطانتهم؟!، هل تركتهم لأنهم لا يجدي معهم النصح و الإرشاد؟!، أم أنهم تبرَّءوا من الظلم وارتقوا إلى مرحلة الكمال فلا يحتاجون لناصح؟!، أما نصَّبت أمام عينك في يومٍ صورة عطاء بن أبي رباح ونصحه لأمرائه وملوكه ورفضه الزعامة والمال؟!، أما راجعت قصة ابن جبير ووقفته أمام الحجاج؟!، فهل ستتبعهم أم أنك خائف على كل زائل يا سيدي؟!.

 

يا فضيلة الشيخ.. لم نسمع لك صوتًا بين مخلصي الأمة، الخائفين عليها، الثابتين على الحق، الرافضين لكل غازٍ، المدافعين عنها بما يستطيعون من مال ودم وعرض، الذين شُرِّدوا لإظهار الحق فيها، الذين قُتلوا لثباتهم أمام كل طاغوت يريد هدمها، ففارقوا دنياهم.. رجال يُذكرون، فبِمَ تُذكر أنت يا سيدي؟!.

 

يا فضيلة الشيخ.. كلمةٌ من قلبي باقيةٌ وإن فنِيت، فعسى أن يجمع بيني وبينك رب العبيد: "إن لم يظهر لك الحق إلى الآن، فهذا الحق.. فهل من جديد؟!".