أثار قرار الشيخ خليفة بن زايد- رئيس دولة الإمارات المتحدة- بزيادة رواتب الموظفين العاملين بالحكومة مدنيين أو عسكريين من إماراتيين أو وافدين (العاملين من الجنسيات المختلفة)، وكذلك أصحاب المعاشات بنسبة قدرها 70% دفعةً واحدةً؛ اعتبارًا من يناير 2008م.. عاصفةً من التساؤلات والطلبات وعلامات التعجُّب على مستوى النخب وعلى مستوى الأفراد.
فلقد شهد موقع (العربية) على النت سجالاً غير مسبوق حول هذا الموضوع، وصل عدد التعليقات فيه لرقم قياسي لموضوع يناقَش على الإنترنت بلغ (741) تعليقًا، وتباينت التعليقات التي شارك فيها أفراد يمثلون جميع الدول العربية، ما بين ممتنٍّ لهذه الخطوة غير المسبوقة وما بين ساخط على الأوضاع في بلاده.
واتفق الجميع أن هذه الخطوة جاءت بعد أن ارتفع سعر برميل البترول إلى 100 دولار، فأراد النظام الإماراتي أن يقول لشعبه نحن نتذكرك، ولا بد أن يكون لك من الخير أوفر الحظ والنصيب.
وكانت المفاجأة غير المتوقعة والنادرة الحدوث هو ذلك الهجوم الضاري والجريء من مئات السعوديين على حكامهم، متسائلين ومتعجبين أن بلادهم تعوم على بحيرة من البترول ورغم ذلك الأسعار ارتفعت بنسبة 50% والأجور متجمِّدة من 25 عامًا، ولم تتحرك إلا منذ عامين بنسبة 15% فقط، ولماذا خير السعودية تحتكره عائلة واحدة فقط؟!!
بصراحة تامة بعد أن قرأت هذه التعليقات وفاجأني خبر وجود تهديدات نيابية ونقابية في الكويت للحكومة بضرورة زيادة الرواتب، والتي استجابت سريعًا، ووعدت بالزيادة في فبراير المقبل، قلت: الله يبارك لكم إخواننا في الخليج، ويزيدكم من خيراته لتنعموا فيها وتحسوا بها.
أما تعليقات المصريين فقد أصابتها حالة من الاندهاش الذي وصل لمرحلة الانبهار من أنه يمكن أن تزيد المرتبات في دولة أحوال الأفراد فيها أصلاً جيدة بهذه النسبة الكبيرة، واكتفى بعضهم بتذكير أهل الخليج بأن الخير الذي يعيشون فيه سببه مصر؛ لما شاركت فيه من مجهود في بناء بلادهم وإمدادها بالكوادر التي تحتاجها من أطباء ومهندسين ومدرِّسين!!
لكن لم يقف مصري واحد للأسف وقفةً صريحةً مع نفسه ويسألها: أين نحن مما يحدث في دول الخليج ودول العالم من تطور لمستوى للحياة والمعيشة؟! يوم حلو ويوم مر!! لماذا أصبحت أيامنا كلها صعبةً ومن أصعب إلى أصعب؟! لماذا لا ينعم ولا يستحق الشعب المصري حياةً كريمةً مثلهم ومثل سائر البشر؟! لماذا يسير منذ عشرات السنين في أطول عنق زجاجة عرفها التاريخ؟! ولم يخرج منها بعد؟! ولماذا يبشر بالخير بعد انتهاء الخطة الخمسية والسباعية، ويفاجأ بعدها بضنك أكبر وحياة أصعب؟!
لماذا المطلوب منه دائمًا أن يربط الحزام ويتحمَّل هذه الضريبة وتلك الرسوم وهذه القرارات؟! ويقال له: هانت.. خلاص... فإذا به يفاجأ هذه المرة بصوت يعرفه جيدًا ولا يعرفنا، يخرج علينا ويقول أجيب لكم منين؟!
دعونا نخرج من صمتنا ونقول له: بلادنا عامرة، وفيها من الخيرات ما هو أكثر من البلاد العربية مجتمعةً.. نقول لك يا سيدي تجيب لنا منين؟!
(1) من تحويلات المصريين في الخارج والتي تبلغ مئات المليارات..
(2) من عائد السياحة الضخم بالعملة الصعبة..
(3) من دخْل قناة السويس الذي تضاعَف عدة مرات في الأعوام الأخيرة وبلغ عام 2006 20 مليار جنيه مصري (الهيئة العامة للاستعلامات)..
(5) من مبيعات البترول والغاز وأسعارها العالية القياسية..
(6) من حصيلة الضرائب العامة وضرائب المبيعات، والتي تُحصَّل من المنبع ومن الرسوم الوهمية التي تُفرض على الخدمات..
(7) من تقليل البذخ الحكومي المفرط، وتقليل عدد السيارات في المواكب إلى خمس سيارات فقط..
(8) من حصيلة الخصخصة وبيع الشركات والبنوك والأراضي وتمليكها لغير مصريين..
(9) من وقف تهريب أموالنا للخارج بالمليارات..
(10) من وقف المهرجانات والمؤتمرات والسفريات لمدة عام فقط؛ حتى يستردَّ الاقتصاد عافيتَه ونقترب من نصف عنق الزجاجة..
(11) من غلق "حنفية" الفساد لمدة عدة شهور..
يا سادة... لو نظرنا لإحصائية نشرتها "الإيكونومست" لمتوسط دخل الفرد في عدة دول- ومنها مصر- نتعجب أين يذهب خير مصر؟! لماذا لا نجد له أثرًا؟!
مصر
عدد السكان: 77 مليون نسمة.
الدخل القومي: 116 بليون دولار.
حصة الفرد: 1500 دولار سنويًّا؛ "حوالي 125 دولارًا شهريًّا".
معدل الغلاء: 6%.
السعودية
عدد السكان: 26 مليون نسمة.
الدخل القومي: 370 بليون دولار.
حصة الفرد: 14.50 دولارًا "حوالي 1200 دولار شهريًّا".
نسبة النمو: 5%.
الكيان الصهيوني
عدد السكان: 7 ملايين.
الدخل القومي: 150 بليون دولار.
حصة الفرد: 1200 دولار: " حوالي 1750 دولارًا شهريًّا".
نسبة النمو: 4%.
معدل الغلاء: 2.5%.
مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام في المتوسط، وبالتالي مع عدم وجود عدالة في التوزيع وفي ضآلة الدخل تكمن المشكلة، متوسط دخل الفرد في مصر المفروض أن يكون 125 دولارًا شهريًّا، أي حوالي 700 جنيه، ولكن أين هي؟!
يا سادة.. هناك في مصر أُسَر تعيش على معاش، وعلى دخل يقل عن 100 جنيه!! وتسكن في المقابر أو في العشوائيات، كما صرَّحت وزيرة الشئون الاجتماعية (الأهرام 26 أبريل 2005) بأنه يوجد مليون شخص يحصلون على معاش الضمان الاجتماعي الذي يبلغ 50 جنيهًا شهريًّا، أي حوالي 8 دولارات، وبفرض أن متوسط الإعالة 4 أفراد للأسرة، إذن نحن أمام 4 ملايين مواطن متوسط دخل الفرد منهم دولاران فقط شهريًّا!!.
يا سادة.. هناك الملايين من أبناء هذا الشعب العريق لا يجدون مكانًا يؤويهم، "كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 12 مليون مصري يعيشون في العراء بلا مأوى، وأوضح التقرير أن هؤلاء يعيشون في المقابر والعشش والجراجات والمساجد وتحت السلالم، وأشار التقرير إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون بالقاهرة في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبَّانات عين شمس ومدينة نصر ومصر الجديدة".
يا سادة... لن نتجاوز في أحلامنا ونتخيَّل أن نصحُوَ يومًا ونجد زيادةً حقيقيةً لا يتبعها زيادة فورية في الأسعار في مرتباتنا بهذه النسب أو نصفها، ولكن دعونا نقول ونتساءل: ألم يحِن اليوم الذي يحيا المصري حياةً كريمةً، فيها أبسط مفردات ومعاني الحياة، من سرب وبيت ينام فيه آمنًا، وعملٍ يؤمِّن له قوت يومه، وشربة ماء نظيفة، ورعاية صحية لائقة؟!
يا سادة.. أحلام المصريين بسيطة، بيت.. لقمة عيش.. شربة ماء.. هل هذا صعب عليكِ يا مصر يا أم الحضارات و"يا هبة النيل" ويا أم الدنيا؟!
أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال ليس صعبًا، بشرط إنهاء عقد التأجير أو التمليك وإعادتها لأصحابها!!.
---------