يوم السبت 24 من نوفمبر, تمر أربع سنوات على وفاة الكاتب الصحفي الكبير, والمحلل السياسي والإعلامي القدير, الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة, رحمه الله رحمةً واسعة, وأنزله منازل الشهداء, وعوَّض الأمة فيه خيرًا.

 

وُلد عبد المنعم سليم في قرية كفر جُبارة- مركز فاقوس- محافظة الشرقية بمصر, في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر عام 1930م, وانضمَّ لجماعة الإخوان المسلمين في الأربعينيات, وحصل على درجة الليسانس من كلية الآداب- جامعة القاهرة عام 1955م في تخصص الجغرافيا, وكان أحد القيادات الطلابية البارزة في الجامعة, حتى إن هيئة التحرير, التي شكلتها حركة يوليو 1952م, كتنظيمٍ حزبي مؤيد لها, رشحته ليتولى مسئوليتها في جامعة القاهرة, قبل أن تعرف أنه أحد قيادات الإخوان بالجامعة.

 

وفي عام 1954م دبَّرت حركة يوليو حادث المنشية, لتتخلص من قيادات الإخوان بالإعدام أو السجن أو الاعتقال أو الهروب والتشريد, وساهم عبد المنعم سليم مع عددٍ من إخوانه في جمع بعض التبرعات, لرعاية أسر المعتقلين والمسجونين من الإخوان المسلمين, لكنَّ النظام السياسي لم يمهله, وألقى القبض عليه في عام 1955م وقدَّمه للمحاكمة التي قضت بأقصى عقوبة، وهي الأشغال الشاقة المؤبدة.

 

في السجن

تلقى عبد المنعم سليم الحكم صابرًا محتسبًا, وظلَّ في السجن حتى عام 1974م, وخرج ضمن آخر دفعات الإخوان في السجون, واجتهد أثناء سجنه في تنمية مهاراته, فحفظ القرآن الكريم كاملاً, وقرأ في علوم الإسلام, ما منحه فهمًا عاليًا, وسلوكًا راقيًا, ورؤيةً مستنيرةً, وتوفيقًا كبيرًا في معالجة المشكلات والأزمات.. وفي السجن حافظ على لياقته البدنية, وكان مسئولاً عن التربية الرياضية, وهو ما ساعده في سنوات عمره المتأخرة على رشاقةِ جسمه, وبعده عن الترهل والأوجاع المعروفة في سنِّ الشيخوخة, واجتهد في القراءة والتحليل السياسي واستيعاب دروس التاريخ, وأسباب قيام وانهيار الحضارات والأنظمة وعوامل الضعف وأسباب القوة في الحكومات والشعوب, وهو ما مكَّنه- عقب خروجه من السجن- من امتلاك أدواتِ المحلل السياسي البارع, صاحب الرؤية العميقة, والتحليل الرصين والأسلوب الموضوعي, ولا أنسى أن جيلي من الإسلاميين تربَّى على سلسلة مقالاته العميقة في مجلة الدعوة (76- 1981م) والتي نشرها على حلقاتٍ عامي 77, 1978م بعنوان "السلام المستحيل بين مصر وإسرائيل"، وما زال هذا العنوان عبقريًّا بعد ثلاثين عامًا من كتابته.

 

مجلة الدعوة

وفي عام 74 التحق بالعمل موجهًا في وزارة التربية والتعليم, ثم شارك في عام 76 مع الأساتذة: عمر التلمساني وصالح عشماوي وجابر رزق وغيرهم في إصدار مجلة الدعوة، وكان مشغولاً بالتحليل السياسي ومتابعة القضايا الوطنية, وفي عام 79 تعاقد للعمل في وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة, وشارك في تطوير وإصدار مجلة "الإصلاح", التي كانت تصدر عن جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي, وساهم بدورٍ متميزٍ في تطوير المنظومة التعليمية في دولة الإمارات, وعندما طلبه الإخوان في مصر ليكون بجانب القيادة عقب وفاة صديقه ورفيق دربه جابر رزق, حزم حقائبه وعاد في أواخر عام 1988م ليتولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام", لكنَّ الضغوط السياسية حاصرتها حتى توقفت عن الصدور مع نهاية 1990م, وفي عام 1993م تولى رئاسة تحرير جريدة "الأسرة العربية", لكنها توقفت أيضًا بعد خمسة أسابيع فقط لأسبابٍ سياسية, وساهم في الإشراف على جريدة "آفاق عربية" منذ بداياتها الأولى 95- 1996م, وظلَّ يؤدي دوره ورسالته حتى فاضت روحه صباح الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان 1424هـ, بعد أن صلَّى الضحى.. وكانت وفاته مفاجئة؛ حيث إنه لم يمرض أو يُعاني من أية أمراض.

 

صفاته

اشتُهر الأستاذ عبد المنعم سليم- رحمه الله- بكثرة صمته, وهدوئه, ونزوعه إلى البساطة, وبُعده عن المظاهر, وتواضعه الجم, وحرجه من الظهور, وزهده في الأضواء, وتراجعه عن تولي المسئوليات, وحبه لإخوانه وتباسطه مع البسطاء العاديين, ودأبه في تتبع ما يصدر في وسائل الإعلام, وعمق رؤيته الفكرية والدعوية, ودقة تحليله السياسي وموضوعيته مع الخصوم.

 

 الصورة غير متاحة

 عبد المنعم سليم جبارة

كان عبد المنعم سليم يجد راحته في الكتابة, فلا يكاد يمر يوم دون أن يكتب مقالاً أو أكثر, وكان يتخذ عدة أسماء منها: د. سيد الفضلي- د. أحمدي عبد الجيد البنهاوي، بالإضافة إلى اسمه وكنيته, بل كان يكتب مقالاتٍ باسم إخوانه وزملائه- بعد استئذانهم بالطبع- ليعالج مختلف القضايا والموضوعات بهمةٍ عالية, تبدأ معه عقب صلاة الفجر وحتى قرب منتصف الليل, وظلَّ كذلك حتى تُوفِّي.

 

كان عبد المنعم سليم- رحمه الله- الجندي المجهول وراء أغلب ما يصدر عن الإخوان من بياناتٍ أو تصريحاتٍ مكتوبة أو مقالات باسم المرشد منذ منتصف التسعينيات وحتى وفاته, يكتب بكل حواسه ما يراه في صالح دعوته.

 

تزوَّج الصحفي الكبير وهو في الثامنة والأربعين من عمره (عام 1978م) ورزقه الله ثلاثة من الأبناء هم طارق وزياد ويوسف وابنة واحدة هي تسنيم, وجميعهم أنهى دراسته الجامعية عدا يوسف في السنة الثالثة في الجامعة.

 

رحم الله أستاذنا الكبير وتقبَّل منه جهاده وصبره وصموده وحبه لدينه ولدعوته.