د. حامد أنور

في فيلم "أبو كاليبتو" لميل جيبسون، تصدَّرت الشاشة جملة بليغة لم يأت بها جيبسون من بنات أفكاره أو خلاصة تجاربه، بل نطقت بها أحداث التاريخ، وتعبِّر أيضًا عن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للمنطقة، وهي: إن الأمم والحضارات الكبرى لا تنهار من الخارج، بل إنها تنهار دومًا بأيدي أبنائها من الداخل، هذه العبارة أوردها ديورانت في معرض تحليله لسقوط الدولة الرومانية، ومن الواضح أن الإمبراطورية الرومانية الحديثة قررت أن تستفيد من أسباب انهيارها.
وكان مشهد النهاية في الفيلم الذي يحكي عن انهيار حضارة ألمانيا؛ حيث أتت السفن الغازية إلى أرضهم بعدما قضوا على حضارتهم بأيديهم، ولعل القرآن الكريم يشير إلى نفس المعنى تقريبًا في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُوْنُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (النحل: من الآية 91)، فبعد أن مُني التدخل العسكري الأمريكي المباشر في العراق بالهزيمة الساحقة، وكلما زاد الهجوم الأمريكي ازدادت المقاومة قوةً وصلابةً، قرَّر الأمريكيون أن يعمَدوا إلى إستراتيجية أخرى وسياسة بديلة هي سياسة الانهيار من الداخل، وهي تقوم على الآتي:
- حرب الأفكار، وهي ما أشار إليها جورج بوش، حين تحدث عن الكفاح الفكري في مواجهة ما يسمِّيه الإرهاب، والذي يعني بضرب العقيدة والأيديولوجية المكونة للفكر الجهادي والمقاوم، وبث سياسة التشنيع والتشهير والتشويه، ووضع بذور الفرقة والفتنة بين أبناء الوطن والدين، وهذا أيضًا واضح بشدة في المشهد الفلسطيني، فبعد الفشل اليهودي في القضاء على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، قرَّروا أن يجعلوا من يحارب حماس هم أهل البلد لا جنود الاحتلال، ويستخدموا الآلة الإعلامية الضخمة في تضخيم أخطاء حماس والتهييج الإعلامي المبالغ فيه عليها.
- ثانيًا تشكيل ميليشيات مسلحة من أبناء العروبة- أو قُل مرتزقة- تحت ضغط وشظف الأحوال الاقتصادية، وهذا ليس مبررًا أبدًا للتصدي لأبناء الفكر المقاوم، الرافضين للهزيمة والانبطاح وموالاة قوى الغزو الصليبي اليهودي؛ فالعرب والمسلمون لا يهزمهم إلا بنو جلدتهم، وهؤلاء يثيرون الشقاق والفتن، ويضربون في الجبهة الداخلية لتفكيكها، وإذا اقترب منهم أحد تراهم يصرخون ويتباكون على الإسلام والعروبة، وكيف يقتل أبناء الجهاد والمقاومة إخوانهم؟! والله إن ابن سلول ليستحي من أفعالهم، والحق يقال إن كلتا السياستين تسير بنجاح شديد حتى الآن.
في فيلم "يوم الاستقلال" تتضح تلك الرؤية أيضًا، لم يستطع ذاك اليهودي ومساعده "ويل سميث" أن يخترق المركبة الفضائية الأم إلا من خلال طبق طائر من نفس نوعية المركبة الفضائية قد وصل إليهم منذ فترة ماضية كانوا قد استولوا عليه؛ وذلك حتى لا يمكن التعرف عليها أثناء عملية الاختراق، وبعد الدخول أطلقوا فيروسات التدمير عليها بأن هؤلاء يهدفون إلى منافع شخصية ومصالح فردية، ولكنهم يبيعون دينهم وعروبتهم؛ لأنه في النهاية ستنزل بنا الهزيمة جميعًا.
لقد كان المسلمون في الأندلس يأمن أحدهم ملوك قشتالة وأرجون الصليبيين أكثر مما يأمن أخاه، ويتعاون معهم في حصار أبناء دينه وذويه؛ من أجل الحفاظ على مكاسبه الخاصة، وتأمين ملكه وعرشه، والمحصِّلة أنه قد طرد الجميع، فهل نعي الدرس أم نبكي في سفن الرحيل جميعًا؛ حيث لا يجدي حينها البكاء؟! إنهم لا يعرفون الفرق بين معتدل ووسطي وغير وسطي، فالكل عندهم مستهدف ولكنه تقسيم مرحلي، فمتى يستفيق الغافلون؟!
إن نصر الله قادم لا محالة، ولا أحد يشك في ذلك، فليست هذه هي المشكلة؛ فالمشكلة هي من سيكونون جنودًا لهذا النصر، هل أنا أم أنت؟! أم أن الله سيستبدل بنا قومًا غيرنا يكونون أهلاً لهذا النصر؟!
إن نصر الله قادم لا محالة، ولكن لا بد من التمحيص والابتلاء، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِيْنَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِيْنَ﴾ (العنكبوت: من الآية 3)، فالحذر كل الحذر من وسائل إعلام وأشخاص ومجموعات ترتدي ثوب الحملان، وتتفوَّه بالكذب، تدسُّ السمَّ في العسل، وتلتف على أبناء المقاومة، وتحاول إثارة البلبلة والفُرقة بين الصفوف، وتعمل على تطبيق الأجندة الأمريكية بشكل يستخفي تحت نوايا طيبة، وإنما هي أداة من أدوات الاحتلال، ومعول من معاول الهدم.
----------