الضربات الموجَّهة إلى الإسلام والمسلمين لم تبدأ الآن، وفي هذا العصر فقط، إنما هي كذلك منذ أن صدع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالدعوة في مكة المكرمة، منذ نزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)﴾ (الشعراء)، ومنذ أن نزلت ﴿قُمْ فَأَنذِرْ (2)﴾ (المدثر)، منذئذٍ قام أعداء الدعوة بالتصدي للدعوة والداعية، ولم يقف العداء على قريش بما تمثله من كفر وشرك وإلحاد فقط، إنما وقفت جبهاتٌ أو قوى أخرى في حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تناصبه العداء، وتقف حجر عثرة أمامه- صلى الله عليه وسلم- للانطلاق بدعوته ونشر الإسلام، الذي جاء به لإصلاح دنيا الناس كل الناس وآخرتهم، وتمثلت هذه القوى أو العقبات في: المنافقين واليهود والنصارى.
ولم يقف أمر العداء للإسلام عند هذا الحدِّ، بل استمرَّ في عصور تالية، عبر الحروب الصليبية وغزوات التتار والمغول، وموجات الاستعمار التي غزت أغلب ديار المسلمين، منذ تم إجلاء المسلمين عن الأندلس أي منذ أكثر من ستة قرون.
ولم يقتصر أمر العداء عند هذا الحد، إنما ذهب المستعمرون إلى تغيير منظومة التعليم في كل بلدان المسلمين ليزيحوا التعليم الديني الإسلامي، وينحصر في زاوية ضيقة في الأزهر والزيتونة والمسجد الأموي بالشام وفي بغداد وفي بعض المناطق في الهند وغيرها، ويتم مقابل ذلك فتح المجال للتعليم الغربي في كليات غربية في عواصم العالم الإسلامي، تُخرِّج نخبًا وأجيالاً تكون لها الريادة والقيادة للأنشطة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية، على النمط الغربي الأوروبي.
ولسنا ضد العلم والتمدُّن، أينما كان مصدره أو منشأه، فالحكمة ضالة المؤمن، ومطلوب من المسلم أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد، ويطلبه كذلك ولو في الصين، يسافر من أجله ويتحمَّل في طلبه المشاق والمتاعب، إنما المحذور والأمر الخطير أن تكون هناك إزاحة متعمَّدة لكل ما هو إسلامي في مجال التعليم، وإقصاءٌ مخطَّطٌ له لإبعاد أبناء المسلمين أن يتربَّوا على قيم الإسلام ومنهجه وأخلاقه وطريقة عمله في الحياة، وهذه المخاوف جميعها قد أرسى قواعدَها الاستعمارُ على امتداد قرون وأجيال، وما زالت بصماته واضحةً في جميع بلاد المسلمين حتى الآن، وما زال التعليم مصطبغًا باللون الغربي الأوروبي حتى بعد ما زالت وجلَت جيوش أوروبا وتحرَّرت البلاد الإسلامية من براثنه، وهذه مفارقة عجيبة تحتاج إلى التفكير والتأمل!!.
واستهدف الاستعمار الأوروبي للبلدان الإسلامية إزاحة الشريعة الإسلامية، بما تحمله من قوانين وقيم وأخلاق وفضائل.. إزاحة كل هذا الميراث عن منصة التقاضي في المحاكم المختلفة؛ حيث تمت ترجمة القوانين الأوروبية المستمدة من القانون الروماني الوثني، لتكون هذه المرجعية للقضاة في المحاكم بدل الشريعة الإسلامية، التي كان معمولاً بها لتنظيم حياة المسلمين طوال قرون وقرون.
ولم تكن البلاد الإسلامية قبل الاستعمار الغربي تعرف تلك الحدود والأسلاك الشائكة بين بعضها البعض، وإنما كانت البلاد مفتوحةً لكل المسلمين، يتجوَّل فيها الفرد وهويته أنه مسلم مصري أو شامي أو مغربي أو هندي.. إلخ، وقد كان السائد أن جنسية المسلم عقيدته، وكنا نتعلم ونحن صغار في شُعب الإخوان المسلمين ذلك النشيد، نتغنَّى به في مختلف المناسبات:
وطني الإسلام لا أب لي سواه وبنوه أين كانوا أخوتي
مصر والشام ونجد ورباه مع بغداد جميعًا أمتي
هذا ما يجب أن يستقر في وجدان المسلم وما يجب أن يتربَّى عليه، ولا يتعارض ذلك إطلاقًا مع حب المسلم لوطنه الذي نشأ فيه، والعمل لخيره ونهضته واستنهاضه من كبوته، وجعله في مصافِّ البلاد الناهضة والمتقدمة.
ومن مساوئ الاستعمار- بل خطاياه- أنه حاول أن يربط بلاد الإسلام بتاريخها الغابر قبل أن يدخلها الإسلام، وبعد أن أنقذها الله عز وجل بالإسلام وأخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
حاول الاستعمار أن يًحيي عند المصريين "الفرعونية"، وعند أهل الشام "الفينيقية" وعند أهل اليمن "السبئية" وعند أهل المغرب "البربرية" أو "الأمازيغية" وفي العراق "الأشورية" "والبابلية"، حاول ذلك بالفعل وما زال يحاول، حتى سمعنا هنا في مصر من يريد تكوين حزبًا هدفه الأساسي والأصيل إحياء الفرعونية، وطرد كل مظاهر الإسلام من حياة المصريين، بل وطرد المسلمين أنفسهم من مصر؛ باعتبار أنهم سلالة العرب الغزاة، وآن لهم أن يرحلوا إلى البلاد التي جاءوا منها.
ولا شك أنها دعواتٌ غرسها الاستعمار في بلادنا، وليس لها رصيد يذكر في الواقع العملي، بل هي بالفعل قد حملت بذور فنائها وهلاكها، ويعجبني ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي عندما ثارت هذه النعرة إبان أحداث الزاوية الحمراء فيما يُعرف بالفتنة الطائفية: "إننا أقباط هدانا الله للإسلام"، ويعني بذلك أن المسلمين الذين يعيشون في مصر ليسوا غرباءَ عنها أو دخلاءَ أو غزاةً كما يتخيَّل البعض، إنما هم مصريون أصلاء لحمًا ودمًا، وتكوينًا بيولوجيًّا وفسيولوجيًّا، مثلهم مثل النصارى، سواء بسواء.
ويعجبني مقال كتبه الأستاذ زين العابدين الركابي في جريدة (الشرق الأوسط) بتاريخ 15/9/2007م تحت عنوان: "الإسلام غير قابل للنفي والاجتثاث"، يقف الكاتب طويلاً أمام الآية الكريمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، يتدبَّرها بتفتح عقلاني وفكري، وبوعي تاريخي، وبفطنة معرفية؛ حيث يتحدث عن "إكمال الدين"، و"تمام النعمة"، وهما كمال وتمام اقترنا بـ"التيئيس" للشانئين من النيل من الإسلام: تيئيسهم من نفيه من الكوكب أو اجتثاثه والقضاء عليه، والآية المقصودة هي: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (المائدة: من الآية 3).
ولا يزال أعداء الإسلام يتمنون القضاء عليه قديمًا وحديثًا، وعلى امتداد العصور والأزمان، وهذه الأمنية لم تكن رغبةً مكنونةً في النفس، بل تمثلت أمنيتهم- كما يذكر الكاتب الكريم- في صور كيدية عدوانية تطبيقية عديدة، منها: الشتم والقذف بأسوأ الألفاظ، ومنها الاستهزاء والضحك السافر والتغامز على المؤمنين، وصورة التشويش على الرسالة؛ لئلا تصل إلى السامع صافيةً نقيةً واضحةً، ومنها الصد عن الإسلام، ورصد ميزانيات مالية لبلوغ هذا الهدف، ومنها الاستهداف الشخصي للنبي- صلى الله عليه وسلم- لكل العاملين للإسلام في كل العصور، ثم صورة الحرب الشاملة، سواءٌ في بدر وأحد والخندق.. وغيرها، قديمًا أو في أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال ودارفور والشيشان وكمبوديا، إلخ حديثًا، وربما نعود- بإذن الله- لمعالجة هذا الموضوع بصورة مفصَّلة ومستوعبة، حتى نزداد فهمًا وعلمًا، ونتبين بذلك سبيل الغير الذي يناصبنا العداء ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)﴾ (الأنعام).
حتى لا ننسى
كثُر الحديث في هذه الآونة عن برنامج الإخوان الذي أعلنته في قراءته الأولى للنخب والمفكِّرين والكتَّاب، تطلب رأيهم واقتراحاتهم، وأثار البعض غبارًا كثيفًا من التشويش حول ما تضمنه البرنامج متعلقًا بالأقباط، وخاصةً ما يتعلق بعدم تجويز الإخوان بترشيحهم أو انتخابهم لرئاسة الجمهورية.
وردًّا على هذه الإثارة المتعمَّدة يهمُّني أن أشير إلى ما أوردته جريدة (الأهرام) بتاريخ الجمعة 23/2/2007م تحت عنوان: (الدين، واقع في دساتير الغرب)، ويشير الدكتور خالد القاضي- رئيس المحكمة وعضو قطاع التشريع- إلى أن المادة رقم (1) من دستور اليونان (المذهب الرسمي لأمة اليونان هو مذهب الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية)، وفي المادة رقم (47) "كل من يعتلي عرش اليونان يجب أن يكون من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية)، أما دستور الدانمارك فينص في المادة رقم (1) بند (5) على أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية)، وفي المادة (1) بند (3): أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسة المعترف بها في الدانمارك، بينما تنص المادة (9) من الدستور الإسباني على أنه (يجب أن يكون رئيس الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية)، وفي المادة (6): (على الدولة رسميًّا حماية اعتناق وممارسة شعائر المذهب الكاثوليكي باعتباره المذهب الرسمي لها)، وفي الدستور السويدي المادة (4): (يجب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي الخالص)، كما ينص على ذلك بالنسبة لأعضاء المجلس الوطني.
وبالنسبة لإنجلترا نجد في المادة (3) من قانون التسوية (على كل شخص يتولى الملك أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا، ولا يسمح بتاتًا لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانت أن يكونوا أعضاءً في مجلس اللوردات)، ونجد كذلك أن بعض النصوص الدستورية الغربية لا تكتفي بالنص على دينهم بل تذهب للتصريح بالمذهب الديني.
أردنا فقط أن نسرد هذه النقول من المصدر الذي أشرنا إليه، لنؤكد أن الإخوان لم يأتوا بجديدٍ عمَّا ورد في دساتير الغرب، ولكنهم فوق ذلك كانوا صادقين مع دينهم ومرجعيتهم وجميع إخوانهم في الوطن.. وبالله التوفيق.