أثار مقالي عن (الدعوي والسياسي من منظور دعوة الإخوان) كثيرًا من المداخلات والتفاعلات والحوارات لدى جمهور المطلعين عليه في "إخوان أون لاين" وحرَّك أمورًا كان يتحرَّج البعضُ من إثارتها، أو المساس بها أو الخوض فيها؛ باعتبارها ذات حساسيات خاصة، ولا شك أن هذا الظن أو الإحساس ليس صحيحًا، ويجب ألا يكون بيننا، فنحن لا نغلق الأبواب أو النوافذ عن التفكير وطرح الرؤى المختلفة في كل المجالات، ولا نحجر على الانطلاق في مجالات الإبداع المختلفة.. في مجالات عمل الدعوة بحيث نصل إلى أفضل الوسائل وأسلم الحلول لكثير من العقبات أو المشكلات التي توجد الآن.. أو تلك التي تستجد وتستحدث.. ويفرضها الواقع الحياتي والفكري المتجدد دائمًا، والمتطور كثيرًا.

 

ولعل هذا التحرج من مناقشة مثل هذه القضايا يرجع إلى:

أن المناقشات غالبًا ما كانت تدور في غرفٍ مغلقة أو بشكلٍ ثنائي، أو بنت أفكار فردية ورؤى خاصة، ولا تخرج إلى العلن وتأخذ طريقها إلى المسار الصحيح الذي يجب أن تصب فيه "ويتم دراستها وتمحيصها وفرزها، ثم الخروج منها بفوائد يمكن أن تُثري العمل العام، وتصوب بعضًا من الأخطاء، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها، وجماعتنا والحمد لله تأخذ دائمًا بالمستجد النافع.. بعد دراساتٍ متأنية وتجعله وثيقةً من وثائقها، كما جرى مع موضوعات المرأة المسلمة والتعددية السياسية والشورى.

 

ومن جانبٍ آخر.. فإن عدم رد المسئولين أو المختصين عمَّا يدور في الساحة الفكرية من رؤى وآراء سواء من أفراد الصف أو من غيرهم.. قد يكون له ما يبرره في فترةٍ معينةٍ إنما الواقع الآن.. وما ترتب عليه من انتشار وتنوع وسائل الإعلام، يقتضي من كل حريصٍ على الدعوة غيور عليها.. أن يُجلي الحقائق، ويرد على الشبهات أو التحديات، ويحاول الوصول مع المتحاورين إلى كلمةٍ سواء.

 

ولكن يبقى قبل ذلك وبعده:

1) أن يكون مبتغى الجميع مرضاة الله- عزَّ وجل- وإخلاص القول أو الرد.. وتحقيق مصلحة العمل الإسلامي، وتدعيم الصف، وتقوية إيمانه وفهمه والاعتزاز بالدعوة، وصدق الانتماء إليها، والنزول على مبادئ الإسلام، التي تتوخاها الجماعة قولاً وعملاً وسلوكًا وتطبيقًا في واقع الحياة.

 

2) أن نحذر جميعًا من الجري وراء كل جديدٍ على الساحة الإعلامية والفكرية، ولا نتقمص أو نُقلِّد غيرنا في أمورٍ أو مصطلحات أو مفردات قد تجرنا إلى حياةٍ أخرى.. غير تلك التي تهتم بها الدعوة لتنشئة أفرادها.. وتعويدهم عليها وصبغهم بصبغتها.. وحركتهم وفقًا لها.

 

3) ولا يفهم من ذلك أننا نُعادي الموجات الحديثة والتيارات المعاصرة.. بصورةٍ مطلقة.. إنما ندعو إلى أن يكون الانفتاح عليها من منظور فهمنا وثقافتنا وفكرنا الذي نشأنا عليه، وأن نُفرِّق في ذلك بين الثابت والمتغير، والأصيل والوافد، وأن يكون رائدنا في ذلك (أن ينفعنا الله بما علَّمنا ويُعلمنا ما ينفعنا).

 

4) أن نحترم رأي الآخر، وخاصةً إذا كان من إخواننا الذين نحبهم في الله، ونسعى إلى توثيق عُرى الأخوة والمودة معهم، وندعو لهم في صباحنا ومسائنا، ونُحسن الظن بهم.

 

5) ألا نُعرِّض أنفسنا للوقوع أسرى الواقع الذي يحكم أفكار وآراء أغلب التجمعات البشرية والسياسية اليوم، ولا تكون استجابتنا ردود أفعال، وانعكاسات لهذه الأفكار أو الآراء، وخاصةً أن الجميع يعلم أن مطبخ ذلك كله هو العولمة، وتمييع قيم الإسلام؛ بل والتخلص منه وإزالة معالمه وضياع منهجه في حياة المسلمين.

 

وليس هذا تفسيرًا تآمريًّا بقدر ما هو واقع مَعِيش وملموس.

 

وربما ورد بعض اللبس في عدم الإشارة إلى أن التخصص يجب أن يكون رائدنا في كل الأعمال التي نقوم بها لخدمة دعوتنا.. وما منعني أن أُشير إليه إلا اعتقادي أنه مفهوم بالضرورة، وأنه لا يعقل أن يسند عمل إلا لمَن يُتقنه ويتدرب عليه، ويتناسب مع قدراته ومواهبه وإبداعاته، فلا يسند الأمر إلى غير أهله.

 

وأحسب أن هذا هو المتبع والمعمول به والحمد لله.. وفرقٌ كبيرٌ أن يتخصص أفراد في المجال السياسي ويتعمقوا فيه تفكيرًا وبحثًا وممارسةً وحركةً وأداءً.. وبين أن يكون لهم كيان منفصل أو منفرد بعيدًا عن الجذور وأصل الشجرة التي ينتمي إليها جميع الفروع والأنشطة.

 

والعلمانيون لم يطرحوا فقط فصل الدين عن الحياة أو فصل الدين عن السياسة.. إنما ذهبوا إلى أن الجماعة يجب أن تفصل الدعوي عن السياسي، وهي نفس الفكرة التي تأثَّر أو يمكن أن يتأثر بها البعض من أبناء الصف.. الذين لا ننفي عنهم الإخلاص لدعوتهم وحب الخير لها.

 

ولذلك كان لا بد أن نُعيد التوكيد على منطلق الجماعة وفهمها وثبات أصولها التي أرساها الأستاذ المؤسس.. وأن نتخذ شمول الإسلام أساسًا للفكر والحركة.. والأخذ والعطاء، وألا نحدث تغييرًا جوهريًّا في المسار إلا بالتوافق العام، والوسائل المشروعة التي نتعارف عليها جميعًا.

 

والمتوفر لدينا حتى الآن.. أن العمل ما زال على ما هو عليه.. من تكامل الأنشطة وشمولها وعدم تجزئتها أو تقسيمها أو فصلها، وأن ذلك كله يتم بشكلٍ متناسقٍ ومتناغم.. وهو ما يُكسِب الفروع أو الأغصان حيوية ونضارة أصل الشجرة وجذورها الممتدة في الأعماق.. بل ويعطي العمل بركته ونماءه واستمراريته وثباته رغم قسوة الأحوال وتقلبات الزمن.

 

وأزعم أن ما قلته في هذا الموضوع إنما هو معبر عن رأي الإخوان، وليس رأيي الخاص، وأن وثائق الجماعة حاضرة تمامًا في ذهني، وأحرص على عدم مخالفتها، وأننا لم نتوافق حتى الآن على الفصل القطعي بين الدعوي والسياسي.. أو بين الحزب والجماعة.. وأنه لكل حادثٍ حديث.. ولكل وقتٍ أذان.. ونحن على يقينٍ أن الله يُوفِّق العاملين لنصرة دينه إلى الصواب.. وإلى الصراط القويم، ويهدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم.. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

 

ومن أغرب المداخلات.. ما ادعاه البعض أنه كتب في "الملتقى" تحت عنوان "هل يترك الإخوان العمل في السياسة ويريحوا ويستريحوا".. وواضحٌ أنه لا يدعو فقط للفصل بين الدعوي والسياسي إنما يدعو إلى أن تترك الجماعة العمل السياسي جملةً وتفصيلاً.. وتنزوي في ركن الدعوة أو الوعظ وتطهير النفس وتزكية الروح.. وتدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله كما عند غيرنا من المذاهب والديانات.

 

وأين هذا الادعاء الغريب من قول الأستاذ البنا في رسالة المؤتمر الخامس "إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيًّا بعيد النظر في شئون أمته مهتمًّا بها غيورًا عليها.. وأستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد أو التجريد أمر لا يقره الإسلام.. وأن على كل جمعيةٍ إسلاميةٍ أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشئون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام".

 

ويقول الأستاذ البنا في رسالة (مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي): "فمن ظن أن الدين- أو بعبارة أدق الإسلام- لا يعرض للسياسة أو أن السياسة ليست من مباحثه.. فقد ظلم نفسه، فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روحَ فيها.. كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها".

 

هل يمكننا جميعًا أن نراجع من وقتٍ لآخر فهمنا لدعوتنا.. وصدقنا مع الله.. وتجردنا من هوانا وأفكارنا المسبقة.. والمؤثرات التي حولنا؟!

 

نحن نحب الحوار.. نفتح الباب واسعًا أمامه، وأن تتقد الأذهان، وتشحذ الهمم لخدمة المبدأ ونصرته والتمكين له في النفوس والقلوب، ونكره الجدال واللجاجة في الحديث، والبعد عن الجادة.

 

كما أنني أفرح أشد الفرح عندما أرى الساحة الإعلامية وقد شارك فيها جمعٌ غفيرٌ من الإخوة والمدونين.. كلٌّ يدلي برأيه.. ويسهم بقدر إمكاناته وبشرط أن نخوض فيما نعرف وأن نتأدب بأدب الحوار، وأن يدور ذلك كله في إطار حب الدعوة وتعميق الإخوة وسعة الصدر والدفاع عن حمى الإسلام وقضاياه..

 

وأحسب أني قد تناولت أغلب المداخلات على موضوع الدعوي والسياسي.. وما زلتُ على استعدادٍ للحوار والمناقشة إذا كان هناك مبرر لذلك وحاجة إليه، والله من وراء القصد.