![]() |
|
د. حامد أنور |
كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن هذين المصطلحين، وتم الترويج لهما على أنهما شيئان متناقضان لا يلتقيان، وكأن الدولة المدنية بلا دين؛ وذلك بسبب أن الكثيرين كانوا ينقلون عن بعضهم البعض، ويرددون عبارات ومصطلحات هم أنفسهم لا يفهمونها، وهذا مما ابتُليت به الساحة الثقافية والسياسية المصرية أن الدين هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة والحضارة والمدنية، فلا مدنية ولا حضارة إلا وكان الدين محركًا لها.
يقول "ول ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة"، موضحًا دور الدين: "إن غرائزنا يجب أن تفرض عليها مئات من القيود كل يومٍ على علمٍ منا أو غير علم حتى يمكن قيام المجتمع والحضارة؛ لهذا استعانت الأسر والدول قبل التاريخ بأجيال طوال بقوة الدين لكي تخفف من غرائز الإنسان الهمجية، ووجد الآباء في الدين عونًا لهم على كبح جماح أبنائهم المعاندين وإبعادهم عن الشطط وتعويدهم ضبط النفس، واستعان المربون بالدين فكان لهم وسيلة ذات أثر عظيم في تهذيب الشباب وتعويده النظام والرقة، واتخذته الحكومات من أقدم الأزمنة عونًا لها على إقامة صرح النظام الاجتماعي وتخليصه من الأنانية المقطعة لأوصال المجتمع مما طبع عليه الناس من فوضى" (قصة الحضارة، المجلد الحادي عشر).
إذن فالدين هو أساس قيام الدولة والحضارة، ولولا وجود الدين الذي يجعل من الطبيعة البشرية المنفلتة طبيعة هادئة مستقرة لما قامت الحضارة، ولعمَّت الفوضى وتفككت عرى الدولة، وما كان للمدنية من أساسٍ تقوم عليه.
وهنا تتضح عظمة الإسلام كدين وفضل من الله على العرب؛ حيث في سنوات قليلة جعل التناحر القبلي يذوب تحت راية الدولة الإسلامية، والتي بعد ذلك انطلقت لتقيم الحضارة الأكبر والأعظم في تاريخ البشر، وهذا هو سبب تكرار قوله تعالى ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (المائدة: من الآية 54)، بعد التبشير بنبي يُعلِّم العربَ والبشريةَ الكتاب والحكمة فأصبح أولئك الذين يخافون أن يتخطفهم الناس ملوك الأرض، وبعد وفاة الرسول كادت عُرى الدولة الناشئة أن تنفك بارتداد العرب فأعادهم أبو بكر مرةً أخرى لحظيرة الدولة تحت راية "لا إله إلا الله"، فلا إله إلا الله هي أساس الدولة.
إذن فالدين والمدنية ليسا أمرين متعارضين بل متكاملين؛ فيضع الدين أساس المدنية القوي التي تنطلق هي من خلاله تحرر طاقات الناس وأفكارهم وتخلصهم من الاستعباد والاستبداد.
أما نموذج الدولة التي سادت في أوروبا في قرونها الوسطى، والتي كان المسلمون وقتها هم حاملي مشعل المدنية والحضارة فنموذج هذه الدولة يرفضه الإسلام في قوله سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية 31)، الأمر الذي أثار عدي بن حاتم وكان قد أسلم فقال: والله يا رسول الله ما عبدناهم، قال: "ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟"، قال: بلى، قال: "فتلك عبادتكم إياهم".
فنموذج هذه الدولة ليس من الإسلام في شيء، بل إنه مخرج من الملة؛ لأنك جعلت لله ندًّا في حكمه وشرعه، فالدولة الثيوقراطية لا يعرفها الإسلام ولا يقرها لبني البشر؛ لذلك فالسلطة في الإسلام ليست لرجال الدين، بل للمنظومة التشريعية الإسلامية التي جاءت في القرآن والسنة، وليس من حقِّ أحدٍ أن يُعدِّل أو يُغيِّر ما جاء فيهما، وكل علماء الدين يُؤخذ منهم ويُرد عليهم، فالمأخوذية في الإسلام- كما أوضحنا من قبل في مقالةٍ بجريدة "آفاق عربية" قبل أن تُغلق عن أسس الفكر الإسلامي- عن محمد صلى الله عليه وسلم، أما ما عدا ذلك فليس له سلطان إلا ما وافق الشرع وأمور الإسلام الأساسية ليست طلاسم أو ألغازًا، بل هي واضحة في كتاب الله الذي تُقرأ علينا آياته صباح مساء، وليست ممنوعةً أو محجوبةً عن أحد.
يقول ميكافيللي ناصحًا الأمير كيف يسيطر على إمارته: "إن الدين أقوى مؤيد للمجتمع المدني، وإن أتباع الأنظمة الدينية هو سبب عظمة الجمهوريات، وإهمال هذه النظم يؤدي إلى خراب الدول؛ وذلك أنه إذا انعدم خوف الله من بلدٍ ما قضى على هذا البلد لا محالةَ إلا إذا دعمه خوف الأمير، وهو خوف يمكن أن يعوض فترةً من الزمن ما ينقص من هذا البلد من خشيةِ الله، ولكن حياة الأمراء قصيرة"، وأكرر إن هذا الكلام لميكافيللي وليس لشيخ الإسلام ابن تيمية.
--------------
